
هل حد طلب منك تغيّر المستندات بنفسك؟
لأ. محدش طلب مني أغير حاجة بإيدي. أنا كنت بكتب اللي استلمته، وبعدها الأرقام كانت بتظهر مختلفة في النظام. وكنت كل ما أتكلم، يقولولي إن فيه تعليمات من الإدارة العليا.
مين من الإدارة العليا؟
محمود تردد.
سمعت اسم الأستاذ زياد في اجتماع، لكن ما أقدرش أجزم إنه كان عارف بالتفاصيل. مرة المدير قال إن الاعتماد جاي من مكتبه، وإننا ننفذ من غير نقاش.
بصيت لأستاذة منى، وهي كتبت الملاحظة.
قلت لمحمود
شكرًا إنك جيت. إحنا هنراجع المستندات، ومش هنعتبر كلامك وحده دليل نهائي على مسؤولية أي حد. ولو عندك خوف من التعرض لضغط أو انتقام، بلغ اللجنة فورًا.
محمود قام، وقبل ما يمشي، بصلي وقال
يا باشمهندسة، أنا مش عايز حد يخسر شغله بسببي. أنا عايز بس محدش يقول إن اللي حصل كان غلط بسيط ونقفل الموضوع.
قلتله
محدش هيقفل الموضوع قبل ما نعرف الحقيقة.
خرج محمود.
فضلت باصة على الدفتر القديم اللي سابه للجنة بعد ما اتعملت له صور رسمية.
كان واضح إن فيه ناس عاشت شهور طويلة شايفة حاجات غلط، لكن خايفة تتكلم.
وفيه ناس تانية كانت بتاخد قرارات، من غير ما تفكر إن كل رقم في دفتر ممكن يكون وراه عامل مستني مرتبه، أو أسرة مستنية فلوس علاج، أو مقاول صغير مستني مستحقاته عشان ما يقفلش ورشته.
في نص الاجتماع، دخل عمرو بسرعة.
يا باشمهندسة، فيه تطور جديد.
خير؟
شركة الصفوة لتوريدات البناء قدمت طلب عاجل لصرف مستحقات متأخرة، وبتقول إن التأخير هيعرضها للإفلاس.
سألت
المستحقات دي معتمدة؟
جزء منها، لكن جزء تاني مرتبط بمشروعات محل المراجعة.
قلت
الجزء المعتمد يصرف وفقًا للعقود بعد التأكد من استيفاء الإجراءات. والجزء المختلف عليه يتراجع. ما ينفعش نحجز كل فلوسهم لمجرد إن فيه فواتير تحت الفحص.
أستاذ فؤاد أضاف
لازم نتأكد كمان من الوضع المالي للشركة، ومن علاقتها بالموردين الآخرين، عشان نعرف إذا كان التأخير ناتجًا عن مشكلة حقيقية أو فيه ارتباطات محتاجة مراجعة.
هزيت راسي.
اعملوا ده.
وبعدين سألت
مين صاحب شركة الصفوة؟
عمرو بص في الورق.
اسم صاحبها المسجل هو حاتم الديب.
الاسم ما كانش مألوفًا لي.
لكن أستاذة منى رفعت عينيها فجأة.
استنوا. أنا شفت الاسم ده قبل كده في ملف تاني.
فتحت اللابتوب، وبدأت تبحث في سجلات المراجعة.
وبعد دقايق، لفت الشاشة ناحيتنا.
كان فيه تحويل قديم من شركة تابعة لرشدي، ومذكور في وصفه إنه مقابل خدمات استشارية، والمستفيد منه شركة مختلفة تمامًا.
لكن عنوان المراسلات كان نفس عنوان شركة الصفوة.
سكتنا كلنا.
أستاذ فؤاد قال
محتاجين نتحقق من الصلة بين الشركتين، ومن المستفيد الفعلي من التحويل.
بصيت للشاشة، وحسيت إن الحكاية لسه في أولها.
لأن اسم حاتم الديب ظهر مرة تانية في ملف قديم جدًا، كان موجودًا ضمن مستندات مشروع شراكة اتعمل قبل ما أعرف زياد بسنين.
فتحت الملف.
كان فيه توقيع قديم، وتحته ملاحظة بخط اليد.
الملاحظة كانت قصيرة، لكنها خلتني أقف من مكاني.
يرجى عدم اعتماد أي دفعة جديدة قبل مطابقة أصل المستندات مع سجل المخازن.
والتوقيع اللي تحت الملاحظة كان توقيع زياد رشدي نفسه.
الفصل الرابع لما الماضي يرجع يطرق الباب
فضلت باصة على التوقيع مدة طويلة.
أستاذ فؤاد قرب مني.
التوقيع ده مهم، لكنه لوحده ما يثبتش حاجة. ممكن يكون معناه إنه طلب المراجعة فعلًا، وممكن يكون فيه تفاصيل تانية لازم نفهمها.
قلت
أنا مش عايزة أفترض إنه مذنب لمجرد إن اسمه ظهر، ولا عايزة أبرئه لمجرد إنه كتب ملاحظة كويسة. عايزة نعرف إيه اللي حصل بعد الملاحظة دي.
أستاذة منى بدأت تقلب في الملفات.
عندنا محضر اجتماع بعد المذكرة دي بأسبوعين. الاجتماع كان بين الإدارة المالية والمشتريات ومدير المشروع. لكن نسخة المحضر ناقصة، وفيه ملحق مش موجود في الأرشيف الإلكتروني.
عمرو قال
ممكن يكون في الأرشيف الورقي.
دوروا عليه، قالت أستاذة منى. وراجعوا سجل نقل الملفات. مش عايزة حد يدخل المخزن من غير إثبات.
قمت من مكاني ومشيت ناحية الشباك.
كان وسط البلد بدأ يصحى تمامًا. عربيات، وأتوبيسات، وناس ماشية بسرعة عشان تلحق شغلها.
الحياة برا ماشية عادي، بينما حياتي أنا اتقسمت لنصين في أقل من ليلة.
قبل أربع وعشرين ساعة، كنت بفكر في شكل قاعة الفرح، وفي لون الورد، وفي الأغنية اللي هرقص عليها مع زياد.
دلوقتي كنت بفكر في دفاتر مخازن، وتحويلات مالية، وموظفين خايفين يتكلموا.
وفوق كل ده، كنت بحاول أفهم إزاي إنسان كنت مستعدة أشاركه عمري، قدر يقف ساكت وهو شايف أهلي بيتعرضوا للإهانة.
رن موبايلي.
كان زياد.
بصيت للاسم على الشاشة، وسبته يرن مرتين، وبعدها رديت.
أيوه؟
صوته كان متعبًا.
حبيبة، أنا محتاج أشوفك.
مفيش حاجة بينا محتاجة مقابلة.
اسمعيني بس. أنا عارف إن اللي حصل امبارح كان كارثة، وعارف إنك مش هتسامحيني بسهولة، لكن فيه حاجات لازم تعرفيها.
اتفضل قول.
مش على التليفون.
يبقى مفيش كلام.
سكت لحظة، وبعدها قال
أنا ما كنتش أعرف إن أمي هتعمل كده. أقسم بالله ما كنت أعرف.
غمضت عيني.
أنا مش بتكلم عن اللي كنت تعرفه أو ما تعرفوش. أنا بتكلم عن اللحظة اللي حصل فيها كل ده. إنت كنت واقف قدامي، وأهلي في المية، وأنا بطلب منك تتصرف. ليه ما اتحركتش؟
صوته اتكسر.
اتجمدت.
اتجمدت؟
أيوه. أنا عارف إن ده مش عذر، بس أنا اتجمدت. أمي طول عمرها بتفرض رأيها عليا، وأنا كل مرة كنت بقول لنفسي إن لو واجهتها هتعمل مشكلة أكبر. كنت فاكر إني لما أسكت، الموضوع هيعدي.
قلتله
الموضوع ما عداش يا زياد. إنت بس خليت غيرك يدفع تمن سكوتك.
أنا عارف.
لأ، إنت لسه مش عارف. لأنك لحد دلوقتي بتتكلم عن اللي حصل كأنه موقف محرج، مش إهانة اتعرض لها اتنين كبار في السن على إيد ست كانت عارفة كويس هي بتعمل إيه.
سمعته بياخد نفسًا طويلًا.
أنا آسف.
اعتذارك مش هيغير قراري.
أنا مش بتصل عشان أرجع الفرح. أنا بتصل عشان أقولك إن فيه حاجات في الشركة لازم تعرفيها، وحاجات أمي عملتها من سنين وأنا اكتشفت جزء منها متأخر.
قلبي دق أسرع، لكن صوتي فضل ثابت.
إيه هي؟
أنا لقيت مستندات بتخص شركة الصفوة، وفيه تحويلات أنا اعترضت عليها. لكن لما حاولت أوقفها، اتقاللي إن فيه اتفاق قديم مع الإدارة، وإن الموضوع هيتراجع بعدين.
مين قالك كده؟
مدير المالية وقتها. واسمه موجود في المستندات اللي معاكم.
ليه ما بلغتّش الجهات المختصة؟
سكت.
وكان سكوته المرة دي أوضح من أي إجابة.
قلت
لو عندك مستندات، قدمها للجنة. مش ليا أنا. أنا مش هسمع كلامك بعيد عن الإجراءات، ولا هديك معاملة خاصة عشان كنت خطيبي.
مفهوم.
وزياد؟
أيوه؟
ما تحاولش تتواصل مع بابا وماما عشان تعتذر لهم دلوقتي. هما مش محتاجين يسمعوا منك كلام قبل ما يكونوا مستعدين يسمعوه.
حاضر.
قفلت المكالمة.
فضلت واقفة مكاني، وحاسة إن كل حاجة حواليا بقت أتقل.
أستاذ فؤاد كان سامع آخر جزء من الكلام، لكنه ما علقش.
قلتله
لو زياد قدم مستندات، تتراجع بنفس الطريقة اللي هتتراجع بيها مستندات أي موظف.
أكيد.
ولو ثبت إنه اعترض فعلًا على مخالفات، ده يتسجل. ولو ثبت إنه شارك فيها أو تجاهل مسؤوليته، ده كمان يتسجل.
ده الإجراء الصحيح.
بعد ساعة، وصل ملف إضافي من الأرشيف الورقي.
كان فيه محضر الاجتماع الناقص، ومعاه مراسلات داخلية من أكتر من سنة.
أستاذة منى بدأت تقرأ، وبعد شوية رفعت عينيها.
فيه حاجة مهمة هنا.
قربت منها.
المراسلات كانت بتوضح إن زياد طلب مراجعة بعض الفواتير، وإنه أوقف اعتماد دفعة واحدة بالفعل، لكن بعدها اتعملت تسوية مالية من خلال إدارة أخرى.
وفي رسالة تانية، كان فيه اعتراض من مدير مشروع على تأخر توريد مواد البناء، بينما سجل النظام بيقول إن المواد وصلت في موعدها.
قلت
مين اللي اعتمد التسوية؟
أستاذة منى أشارت لاسم.
كان اسم مدير مالي سابق، اسمه شريف كامل.
لازم نسمع أقواله، قالت.
أستاذ فؤاد قال
هنطلب حضوره رسميًا، ونحافظ على كل المراسلات الأصلية. ومش هنستنتج أي حاجة قبل ما نسمع ردّه.
كنت حاسة إن صورة زياد في دماغي بدأت تتغير، لكن ده ما كانش معناه إن قراري الشخصي اتغير.
ممكن يكون اعترض على بعض المخالفات.
وممكن يكون حاول يصلح جزءًا منها.
لكن ده ما يمسحش حقيقة إنه وقف ساكت لما أمه أهانت أهلي.
الفلوس ممكن تتراجع.
والدفاتر ممكن تتصلح.
لكن احترام الإنسان مش بند في ميزانية، ومش مستند ناقص نقدر نكمله بعدين.
الفصل الخامس فادية تدخل من الباب الكبير
في حوالي الساعة الرابعة عصرًا، كنت لسه في المكتب لما نهى دخلت بسرعة.
يا باشمهندسة، مدام فادية رشدي تحت، ومعاها اتنين من المحامين.
ما رفعتش عيني عن الورق.
عندها موعد؟
لأ.
يبقى تبلغيها إن أي طلب رسمي يتقدم من خلال الإدارة القانونية.
نهى ترددت.
هي بتقول إنها مش هتمشي غير لما تقابلك.
قفلت الملف.
خليها تطلع.
بعد خمس دقايق، باب المكتب اتفتح، ودخلت فادية ببدلة أنيقة، وشعر متظبط، ووش عليه طبقة سميكة من المكياج.
كانت لابسة نفس العقد اللي كان بيلمع على رقبتها في الفرح.
بصت للمكتب من أوله لآخره، وكأنها بتحاول تكتشف إذا كان المكان ده فعلًا ملكي.
قالت بسخرية
ما شاء الله. يعني كل ده كان مستخبي ورا دور البنت البسيطة؟
أشرت للكرسي.
اتفضلي اقعدي.
ما قعدتش.
أنا مش جاية أقعد. أنا جاية أفهم إنتِ بتعملي إيه في عيلتنا.
أنا براجع معاملات شركات عندي فيها مسؤولية قانونية وإدارية.
شركات عندك؟! إنتِ بتتكلمي كأنك صاحبة الدنيا!
لأ. بتكلم عن مسؤولياتي المحددة، وبحاول ألتزم بيها.
قربت من المكتب، وحطت شنطتها على الطرف.
اسمعيني يا حبيبة. اللي حصل امبارح كان سوء تفاهم. وأنا مستعدة أعتذر لأهلك، ونعمل عزومة كبيرة، وكل حاجة ترجع زي ما كانت.
بصيتلها.
زي ما كانت إزاي؟
يعني نكمل الجوازة. الناس كلها كانت موجودة، والفستان والقاعة وكل حاجة اتدفعت. مش معقول هنضيع كل ده عشان لحظة غضب.
إنتِ شايفة إن المشكلة في الفستان والقاعة؟
أنا شايفة إنك مكبرة الموضوع بطريقة مش طبيعية.
مدام فادية، حضرتك جيتي مكتبي عشان تتكلمي عن الفرح، ولا عن الشركات؟
اتضايقت من السؤال.
الاتنين. لأن اللي بتعمليه في الشركات عقاب ليا ولابني.
التحقيقات بدأت قبل الفرح، وده موثق. والقرارات اللي اتاخدت هدفها حماية السجلات والأموال لحين انتهاء المراجعة، مش الانتقام من حد.
وإنتِ فاكرة إنك تقدري توقفي شركات عيلة رشدي بكلمتين؟
أنا ما وقفتش شركات. فيه صلاحيات تنفيذية اتعلقت مؤقتًا، وفيه معاملات بتتراجع. المصانع والمحلات والمشروعات المستقرة شغالة، وحقوق الموظفين والموردين هتتراجع وتتصان.
فادية ضحكت باستهزاء.
إنتِ عايزة الناس تصدق إنك عادلة؟ بعد ما وقفتي ابني في ليلة فرحه؟
قلت بهدوء
أنا ما وقفتش ابني. أنا ألغيت جوازة.
وشها اتغير.
إنتِ هتندمي على اليوم اللي دخلتي فيه بيتنا.
أنا ندمت فعلًا، لكن مش على اللي عملته امبارح. ندمت إني تجاهلت علامات كتير قبل كده.
فادية مالت ناحيتي.
زي إيه؟
كل مرة كنتِ تتريقي فيها على شغل بابا، كنتِ بتختبري إذا كنت هسكت. كل مرة كنتِ بتتكلمي عن أمي كأنها أقل من الناس، كنتِ بتشوفي إذا كنت هضحك مجاملة ولا لأ. وكل مرة كنتِ بتقولي لزياد إن أهلي مش مناسبين لمقامكم، كان بيطلب مني أعدي الموضوع.
وقفت لحظة، وبعدها قلت
وأنا كنت بقول لنفسي إن الناس ممكن تتغير، وإن بعد الجواز كل حاجة هتبقى أحسن. لكن امبارح فهمت إن الإنسان اللي بيشوف إهانة أهله أو أهل شريك حياته ويسكت، بيشارك في الأذى حتى لو ما مدش إيده.
فادية سحبت شنطتها.
إنتِ بتتكلمي
عن الأخلاق؟
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



