
“والولاد؟”
“اتولدوا قبل ما حد يعرف.”
“مين كان معاكي؟”
“أمي.”
“وأبويا؟”
“كان عارف.”
“أبويا كان عارف؟”
“أيوه.”
“وأمي؟”
سارة بصت لي.
“أمك كانت عارفة.”
الدم تجمد في عروقي.
“يعني أمي كانت عارفة إن عندي تلات أطفال؟”
“من أول يوم.”
فتحت الباب بعنف وخرجت.
سارة نادت:
“رامي!”
لكن أنا كنت بجري ناحية باب المستشفى.
تليفوني كان في إيدي.
اتصلت بأمي.
ردت بعد رنتين.
“ألو يا رامي.”
قلت بصوت بارد:
“إنتي كنتي عارفة إن سارة كانت حامل؟”
سكتت.
الصمت كان إجابة.
“ماما.”
“أنت فين؟”
“جاوبيني.”
“رامي، الموضوع قديم.”
“تلات سنين وأنا عايش من غير ولادي.”
“إحنا كنا بنحاول نحميك.”
ضحكت من الصدمة.
“تحموني؟”
“أيوه.”
“من ولادي؟”
“إحنا كنا فاكرين…”
“فاكرين إيه؟”
“إن سارة كانت بتخدعك.”
“وأنتي كنتي عارفة إنها حامل.”
“أنا…”
“مين قالك إنها مش حامل مني؟”
سكتت.
“ماما!”
قالت بصوت ضعيف:
“الدكتور.”
“أي دكتور؟”
“الدكتور اللي كانت بتتابع عنده.”
“اسمه؟”
“مش فاكرة.”
قفلت.
رجعت لسارة.
كانت واقفة قدام غرفة الأطفال.
“أنا لازم أعرف كل حاجة.”
قالت:
“مش دلوقتي.”
“لا، دلوقتي.”
“الأطفال محتاجين يهدوا.”
بصيت للباب.
“ممكن أشوفهم؟”
سارة ترددت.
“آه.”
دخلت.
التلاتة كانوا قاعدين على سرير صغير.
البنت الأولى كانت ماسكة لعبة.
البنت التانية بتبص في الشباك.
آدم كان بيقلب في كتاب.
أول ما دخلت، رفع عينه.
“إنت بابا؟”
قربت منه.
“أيوه.”
قال:
“بجد؟”
ركعت قدامه.
“بجد.”
فضل باصص لي.
وبعدين سأل:
“إنت كنت فين؟”
السؤال البسيط ده كان أصعب من أي سؤال.
قلت:
“كنت تايه.”
قال:
“ماما قالت إنك مش عارف إننا موجودين.”
“صح.”
“ولما عرفت؟”
بصيت لسارة.
“جيت.”
آدم فضل ساكت.
وبعدين مد إيده.
مسكتها.
كانت إيده صغيرة ودافية.
وفي اللحظة دي، لأول مرة من تلات سنين، حسيت إني أبو حد.
البنت الصغيرة قربت.
“وأنا؟”
بصيت لها.
“إنتي كمان بنتي.”
ابتسمت.
“أنا اسمي نور.”
“عارف.”
سارة بصت لي.
“إنت عارف أسماءهم؟”
“لا.”
قالت:
“آدم، نور، ليان.”
كررت الأسماء في سري.
آدم.
نور.
ليان.
ثلاث أسماء كانوا ناقصين من حياتي.
مش عارف إزاي.
لكن حسيت إنهم كانوا جوايا من زمان.
يارا كانت واقفة عند الباب.
لما عيني جت عليها، هزت راسها.
“أنا هستناك بره.”
خرجت.
قعدت جنب الأطفال.
سألت:
“مين كان بيجيب لكم الهدايا؟”
آدم قال:
“ماما.”
“ومين كان بيلعب معاكم؟”
“ماما.”
“ومين كان بيوديكم الدكتور؟”
“ماما.”
كل إجابة كانت بتديني صفعة.
التفت لسارة.
“ليه ماطلبتيش مني حاجة؟”
قالت:
“طلبت.”
“إمتى؟”
“كتير.”
“إزاي؟”
“كنت ببعت لك رسايل.”
“أنا مغيرت رقمي.”
“وعارفة.”
“إزاي؟”
“أمك كانت بتوصلي الرسائل.”
بصيت لها.
“وماوصلتش.”
“أيوه.”
قمت.
خرجت من الغرفة.
لقيت يارا قاعدة لوحدها.
قعدت قدامها.
“أنا آسف.”
قالت:
“على إيه؟”
“على كل حاجة.”
“أنت لسه مش عارف كل حاجة.”
“عارف كفاية.”
يارا بصت لي.
“رامي، الخاتم ده…”
طلعت العلبة.
حطيتها على الترابيزة.
“كان ليكي.”
“كان.”
“أيوه.”
فتحت العلبة.
الخاتم كان بيلمع.
يارا بصت له شوية.
وبعدين قفلت العلبة بإيدها.
“مش هاخده.”
“يارا…”
“مش عشان الأطفال.”
سكتت.
“عشان أنت مش جاهز.”
“جاهز لإيه؟”
“لأنك لسه بتكتشف نفسك.”
سألتها:
“يعني انتهى؟”
قالت:
“أنا مش هعيش طول عمري خايفة إن ماضيك يفتح باب جديد كل يوم.”
بصيت في الأرض.
“فاهم.”
وقفت.
“بس قبل ما أمشي، عايزة أقولك حاجة.”
بصيت لها.
“اتفضل.”
“لو الأطفال دول ولادك فعلًا، ماتعملش معاهم اللي اتعمل فيك.”
وبعدين مشيت.
فضلت قاعد لوحدي.
بعد ساعة، خرجنا من المستشفى.
سارة كانت شايلة نور.
وأنا شايل ليان.
آدم كان ماسك إيدي.
المطر كان لسه بينزل.
وقفنا عند الرصيف.
قلت لسارة:
“أنا هاخدهم البيت.”
قالت:
“بيت مين؟”
“بيتي.”
“مش دلوقتي.”
“ليه؟”
“عشان لازم نرتب كل حاجة.”
“أنا أبوهم.”
“وأنا أمهم.”
“مش هبعد عنهم تاني.”
“أنا مش بمنعك.”
بصيت لها.
“طيب؟”
“بس مش هسمح لك تدخل حياتهم وتخرج منها لما تزهق.”
الكلمة دخلت في صدري.
“مش هخرج.”
“أنت قلت كده قبل كده.”
“كنت غلطان.”
“الغلط مرة.”
سكتت.
“لكن الغياب تلات سنين مش غلطة صغيرة.”
ماعرفتش أقول حاجة.
قالت:
“لو عايز تبدأ، ابدأ من الأول.”
“إزاي؟”
“بهدوء.”
رجعنا البيت.
بيت سارة كان في شارع جانبي هادي.
شقة صغيرة.
دخلت.
أول حاجة شفتها كانت صور الأطفال.
على الحيطة.
على الترابيزة.
فوق التلاجة.
كل مكان كان مليان بحياة أنا مكنتش أعرف عنها حاجة.
في صورة لآدم وهو صغير.
في صورة لنور ماسكة بالونة.
في صورة ليان نايمة على كتف سارة.
وفي صورة كبيرة للتلاتة مع بعض.
وقفت قدامها.
سارة قالت:
“دي أول صورة ليهم.”
“عندهم كام شهر؟”
“تلاتة.”
ضحكت بسخرية من نفسي.
“وأنا كنت وقتها مسافر دبي.”
“أيوه.”
“أمي قالتلي إنك كنتي بتعيشي برا.”
“كنت هنا.”
قعدت على الكنبة.
“ليه فضلتي لوحدك؟”
“لأني كنت خايفة.”
“مني؟”
من إنك تاخدهم مني.”
“كنت هاخدهم.”
“عشان كده.”
“أنا كنت هطلب حضانة.”
“لو كنت عرفت.”
سكتنا.
وبعدين سارة دخلت أوضة صغيرة.
رجعت بصندوق خشب.
حطته قدامي.
“دي حاجتك.”
فتحت الصندوق.
صور.
رسايل.
تحاليل.
ورقة طبية.
وشهادة ميلاد.
طلعت شهادة الميلاد.
قريت الأسماء.
الأب: رامي السويفي.
الأم: سارة عبد الرحمن.
إيدي بدأت تترعش.
“إنتي سجلتي اسمي؟”
“أيوه.”
“من غير ما أكون موجود؟”
“كان عندي عقد الجواز.”
فضلت أبص للورقة.
ثم طلعت تلات شهادات.
كلهم باسمي.
قلت:
“ليه ماحدش بلغني؟”
سارة ردت:
“بلغنا عنوانك القديم.”
“أنا كنت في القاهرة.”
“أمك كانت بتقول إنك سافرت.”
سكت.
وبعدين لقيت ظرف قديم.
مكتوب عليه بخط إيدي.
“ده إيه؟”
سارة بصت له.
وشها اتغير.
“ده إنت اللي بعته.”
فتحت الظرف.
جواه ورقة.
قرأت:
“سارة، أنا عارف إنك حامل، وعارف إن الأطفال ولادي. بس أنا محتاج وقت.”
رفعت عيني.
“أنا كتبت ده؟”
“أيوه.”
“إمتى؟”
“قبل الطلاق بأسبوع.”
“أنا مش فاكر.”
“كنت عارف.”
بدأت أحس إن في حاجة غلط.
“فين باقي الرسائل؟”
سارة جابت ملف تاني.
حطته قدامي.
“كلها.”
بدأت أقلب.
رسالة.
ثم رسالة.
ثم رسالة.
كلهم مني.
وكلهم بيطلبوا منها تستنى.
آخر رسالة كانت مختلفة.
“سارة، أنا هاجي أخدك يوم الجمعة.”
التاريخ كان قبل الطلاق بيومين.
سألتها:
“أنا جيت؟”
هزت راسها.
“لأ.”
“مين منعني؟”
“مش عارفة.”
بصيت لها.
“أنا لازم أعرف.”
في اليوم التالي، روحت بيت أهلي.
أمي كانت قاعدة في الصالة.
أول ما شافتني، فهمت.
“رامي.”
حطيت الملف على الترابيزة.
“ليه؟”
قالت:
“اقعد.”
“مش هقعد.”
“اسمعني.”
“ثلاث سنين يا أمي.”




