
دموعها نزلت.
“أنا كنت فاكرة إني بعمل الصح.”
“إنتي خدتِ مني أولادي.”
“أنا كنت خايفة.”
“من إيه؟”
“من سارة.”
“ليه؟”
“لأنها كانت بتطلب منك فلوس.”
“فلوس؟”
“كانت بتقول إنها محتاجة علاج.”
“علاج حمل.”
سكتت.
“إنتي كنتي عارفة.”
“أيوه.”
“وعارفة إنها حامل في تلاتة.”
“أيوه.”
“وعارفة إنهم ولادي.”
سكتت.
“أيوه.”
صرخت:
“ليه؟!”
بكت.
“لأن أبوك كان مريض، وأنا كنت شايفة إنك هتضيع حياتك.”
“دي حياتي!”
“أنا غلطت.”
“مش غلط.”
بصيت لها.
“ده قرار.”
قالت:
“أيوه.”
دخل أخويا كريم.
“رامي.”
بصيت له.
“إنت كنت عارف؟”
سكت.
“كريم.”
قال:
“كنت عارف إن في أطفال.”
“ولادي؟”
“أيوه.”
“وماقولتليش؟”
“أمي قالتلي ماتدخلش.”
ضحكت بمرارة.
“كلكم كنتوا بتقرروا حياتي.”
أمي قالت:
“سامحني.”
“مش دلوقتي.”
مشيت.
لكن قبل ما أخرج، سمعت أمي تقول:
“رامي!”
وقفت.
“سارة نفسها كانت بتطلب منك ترجع.”
بصيت لها.
“أنا عارف.”
“إزاي؟”
“شفت رسايلها.”
سكتت.
“أنتي كنتي بتخبيها.”
ما ردتش.
خرجت.
في الأسبوع اللي بعده، بدأت أشوف الأطفال كل يوم.
مش مرة واحدة.
كل يوم.
أول يوم أخدتهم أكل.
تاني يوم لعبنا في النادي.
تالت يوم آدم وقع واتعور.
قلب الدنيا عليا.
سارة ضحكت لأول مرة قدامي.
“جرح صغير.”
قلت:
“هو وقع.”
“كل الأطفال بتقع.”
“بس هو ابني.”
سكتت.
الكلمة أثرت فيها.
بعد شهر، الأطفال بقوا يستنوني عند الباب.
آدم أول ما يسمع صوت عربيتي يقول:
“بابا جه!”
نور كانت بتجري عليا.
وليان كانت بتطلب مني أشيلها.
كنت أرجع البيت كل يوم مكسور من التعب.
لكن لأول مرة في حياتي، كنت مبسوط.
وفي يوم، آدم سألني:
“بابا، أنت كنت متجوز ماما ليه؟”
اتوترت.
قلت:
“عشان كنا بنحب بعض.”
“وبعدين؟”
“حصلت مشاكل.”
“واتطلقتوا ليه؟”
بصيت لسارة.
كانت واقفة في المطبخ.
قالت:
“عشان بابا وماما كانوا لسه بيتعلموا إزاي يتعاملوا مع بعض.”
آدم فكر شوية.
“طب هتتجوزوا تاني؟”
أنا وسارة بصينا لبعض.
قالت:
“روح العب.”
ضحك وجري.
فضلت ساكت.
سارة قالت:
“ماتبدأش.”
“أنا ماقولتش حاجة.”
“وشك قال.”
ضحكت.
لكن الحقيقة إن الفكرة بدأت تدخل دماغي.
مش عشان الأطفال.
عشان سارة.
بعد شهور من وجودها قدامي، بدأت أشوفها من جديد.
مش الزوجة اللي سبتها.
لكن الست اللي شالت تلات أطفال لوحدها.
الست اللي كانت بتشتغل الصبح وترجع تربيهم بالليل.
الست اللي عمرها ما طلبت مني فلوس رغم إن القانون كان يسمح لها تطلب.
وفي يوم سألتها:
“ليه ماطلبتيش نفقة؟”
قالت:
“كنت بشتغل.”
“ده مش جواب.”
“كنت عايزة أربيهم من غير ما أكون مجبرة أتعامل معاك.”
“دلوقتي؟”
“دلوقتي أنت موجود.”
سكت.
وبعدها بأيام، حصلت حاجة قلبت كل شيء.
كنت في المكتب لما وصلني اتصال من المستشفى.
“أستاذ رامي؟”
“أيوه.”
“ممكن تحضر فورًا؟”
“ليه؟”
“متابعة الأطفال.”
روحت.
لقيت سارة قاعدة في الاستقبال.
لكن وشها كان مختلف.
“في إيه؟”
قالت:
“الدكتور طلب تحاليل إضافية.”
“ليه؟”
“مش عارفة.”
دخلنا معاه.
الدكتور حط ملف قدامنا.
“التحاليل القديمة فيها مشكلة.”
قلبي وقع.
“مشكلة إيه؟”
“في احتمال إن أحد الأطفال محتاج متابعة وراثية.”
بصيت للتلاتة.
“يعني إيه؟”
“مش مرض مؤكد.”
“طيب؟”
“لكن في نتائج محتاجة مقارنة مع الأب.”
سارة بصت لي.
أنا فهمت.
“تحليل DNA؟”
الدكتور قال:
“أيوه.”
خرجنا من المستشفى.
أنا وسارة كنا ساكتين.
بعد يومين عملنا التحليل.
مر أسبوع.
ثم أسبوعين.
كنت كل يوم أفتح الموبايل وأبص على البريد.
وفي صباح الجمعة، وصلت النتيجة.
فتحتها.
نسبة الأبوة: 99.99%.
التلاتة.
ولادي.
لكن أسفل التقرير كان في ملاحظة.
“يوصى بمتابعة جينية.”
قلبي اتقبض.
اتصلت بالطبيب.
قال:
“ما تقلقش.”
“بس التقرير…”
“محتاجين نعمل فحوصات تكميلية.”
بدأت الرحلة من جديد.
تحاليل.
أشعة.
كشف.
انتظار.
وأخيرًا، قال الدكتور:
“الحمد لله، مفيش مرض خطير.”
نفسي خرج.
لكن بعدها قال:
“في حاجة تانية.”
“إيه؟”
“الأطفال التلاتة عندهم نفس التركيبة الجينية النادرة اللي ظهرت في عيلة والدهم.”
بصيت لسارة.
“يعني؟”
“يعني الشبه مش صدفة.”
ضحكت رغم دموعي.
“أنا كنت شايفهم من أول لحظة.”
الدكتور ابتسم.
خرجنا.
وفي العربية، سارة قالت:
“رامي.”
“نعم.”
“إنت كويس؟”
“لأ.”
بصت لي.
“ليه؟”
“عشان بفكر في التلات سنين اللي ضاعوا.”
قالت:
“مش هنرجعهم.”
“عارف.”
“بس عندك اللي جاي.”
بصيت لها.
“وأنتي؟”
“أنا إيه؟”
“في اللي جاي؟”
سكتت.
وبعدين قالت:
“على حسب.”
“على حسب إيه؟”
“هتعمل إيه.”
بعدها بدأت أثبت لها بالأفعال.
مش بالكلام.
بقيت موجود.
كل حفلة مدرسة.
كل كشف.
كل عيد ميلاد.
كل ليلة مرض.
كل واجب.
كل خوف.
كنت هناك.
وبعد سنة، آدم دخل المدرسة.
في أول يوم، مسك إيدي.
قال:
“بابا، ماتمشيش.”
ركعت.
“مش همشي.”
“وعد؟”
“وعد.”
دخل.
وقفت عند الباب لحد ما اختفى.
سارة كانت جنبي.
قالت:
“فاكر أول مرة شوفته؟”
“فاكر.”
“كنت مرعوب.”
“كنت حاسس إن حياتي خلصت.”
ضحكت.
“وأنا؟”
بصيت لها.
“أنتي كنتي عارفة إن حياتي لسه هتبدأ.”
بصت لي طويلًا.
وبعدين قالت:
“يمكن.”
مرت سنتين.
التلاتة كبروا.
آدم بقى عشر سنين تقريبًا.
نور وليان بقوا يعرفوا كل حاجة عن أبوهم.
وفي يوم، رجعت البيت لقيت سارة واقفة في البلكونة.
حطيت المفتاح.
“إيه؟”
قالت:
“فاكر الخاتم؟”
قلبي اتشد.
“الخاتم؟”
“خاتم يارا.”
سكت.
كنت محتفظ بيه.
مش عشان يارا.
لكن لأنه كان رمز لقرار أخدته وأنا مش فاهم حياتي.
طلعت العلبة.
حطيتها قدام سارة.
“لسه عندك؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
“كنت مستني.”
“مستني إيه؟”
طلعت الخاتم.
“مستني أعرف أنا عايز إيه.”
سارة بصت للخاتم.
“وعرفت؟”
“أيوه.”
سكتت.
قربت منها.
“أنا عايز أصلح اللي كسرته.”
“إزاي؟”
“مش عارف.”
“يبقى لسه ماعرفتش.”




