روايات وقصص

اولادي التلاته حكايات صافي هاني

ضحكت.

“إنتي صعبة.”

“وأنت اتعلمت.”

قعدنا.

الأطفال كانوا بيلعبوا في الصالة.

قلت:

“أنا مش هطلب منك ترجعي عشان الأطفال.”

“عارفة.”

“ومش عشان الخوف من الوحدة.”

“عارفة.”

“أنا عايزك عشان لما ببص على حياتي دلوقتي، بلاقي إن أكتر شخص ظلمته هو الشخص اللي كان واقف جنبي من البداية.”

سارة عينيها دمعت.

“رامي…”

“مش هطلب إجابة دلوقتي.”

حطيت الخاتم في العلبة.

“هستنى.”

عدى شهر.

ثم شهرين.

وفي ليلة، كنت راجع من الشغل.

لقيت الأطفال التلاتة مستنييني.

آدم قال:

“بابا، تعالى.”

“في إيه؟”

نور جابت صندوق صغير.

ليان كانت بتضحك.

فتحت الصندوق.

جواه صورة.

أنا وسارة والتلاتة.

وتحت الصورة مكتوب بخط الأطفال:

“عيلتنا.”

رفعت عيني.

سارة كانت واقفة عند باب المطبخ.

بصت لي.

وبعدين مشت ناحيتي.

قالت:

“لسه مستني؟”

“أيوه.”

“طب تعالى.”

اتجمدت.

“فين؟”

“تعالى.”

مشيت وراها.

دخلت أوضة الأطفال.

كانوا التلاتة قاعدين على السرير.

سارة قعدت.

وقالت:

“إحنا مش هنرجع زي زمان.”

قعدت قدامها.

“عارف.”

“ولا هننسى اللي حصل.”

“عارف.”

“بس ممكن نبدأ من جديد.”

قلبي خبط.

“يعني؟”

مدت إيدها.

“يعني لو لسه عايز، نتجوز.”

ماعرفتش أقول حاجة.

آدم صرخ:

“بابا هيتجوز ماما!”

نور وليان بدأوا يضحكوا.

وأنا ضحكت.

وأول مرة من سنين، حسيت إن الدنيا أخيرًا حطتني في المكان الصح.

بعد شهرين، اتجوزنا من جديد.

من غير قاعة ضخمة.

من غير ناس كتير.

من غير مظاهر.

كان موجود أهل قليلين.

وأولادي التلاتة كانوا واقفين جنبنا.

بعد عقد القران، آدم قرب مني.

“بابا.”

“نعم؟”

“إنت وماما خلاص مش هتطلقوا؟”

بصيت لسارة.

ابتسمت.

وبعدين نزلت لمستواه.

“إحنا هنتخانق أوقات.”

قال:

“زي زمان؟”

ضحكت.

“لا.”

“طب إزاي؟”

“لما نزعل، هنتكلم.”

قال:

“وما تمشيش؟”

حطيت إيدي على كتفه.

“مش همشي.”

بعدها بسنة، كنا قاعدين على نفس الرصيف في شارع شهاب.

المطر بينزل.

سارة كانت ماسكة إيد نور.

ليان بتضحك.

وآدم بيجري قدامنا.

وقفت لحظة.

بصيت للمكان اللي قابلت فيه سارة أول مرة بعد تلات سنين.

نفس الشارع.

نفس المطر.

لكن أنا مش نفس الشخص.

سارة بصت لي.

“بتفكر في إيه؟”

قلت:

“في اليوم اللي شوفتك فيه هنا.”

“وأنا كمان.”

“كنت فاكر إن اليوم ده هيدمر مستقبلي.”

سألت:

“وطلع إيه؟”

بصيت على الأطفال.

“طلع بينقذني.”

ابتسمت.

مسكت إيدها.

وكملنا مشي.

وفي البيت، بعد ما الأطفال ناموا، فتحت درج المكتب.

كان فيه صندوق صغير.

طلعت منه العلبة المخملية القديمة.

سارة دخلت وشافتني.

“لسه محتفظ بيه؟”

“أيوه.”

“ليه؟”

فتحت العلبة.

الخاتم كان لسه موجود.

قلت:

“عشان أفتكر.”

“تفتكر إيه؟”

“إن الإنسان ممكن يبني مستقبل كامل على أساس إنه فاهم كل حاجة.”

سكت.

“وبعدين لحظة واحدة تكشف له إن أهم جزء من حياته كان مستخبي قدام عينيه.”

سارة ابتسمت.

“بس الخاتم ده كان ليارا.”

“عارف.”

“هتعمل بيه إيه؟”

قفلت العلبة.

“هبيعه.”

“ليه؟”

“عشان أعمل بيه حاجة لأولادي.”

وفي اليوم التالي، بعت الخاتم.

بالفلوس اشتريت لكل طفل حساب توفير.

وحطيت جزء منهم في تعليمهم.

والباقي خليته للطوارئ.

لما رجعت البيت، لقيت آدم ماسك ورقة.

“بابا.”

“نعم؟”

“دي نتيجة الامتحان.”

بصيت.

كان جايب الدرجة النهائية.

رفعته في حضني.

نور وليان زغرطوا.

سارة ضحكت.

وفي اللحظة دي، فهمت إن أكبر خسارة في حياتي كانت تلات سنين.

لكن أكبر نعمة كانت إن ربنا اداني فرصة أعيش الباقي صح.

مرت سنوات.

آدم بقى شاب.

نور وليان بقوا بنات كبار.

وفي يوم، آدم دخل عليا.

“بابا.”

“نعم؟”

“أنا هتجوز.”

وقعت القلم من إيدي.

“إيه؟”

ضحك.

“هتجوز.”

“إنت لسه كنت في المدرسة امبارح.”

“ده من عشر سنين.”

ضحكت.

دخلت سارة.

“في إيه؟”

قلت:

“ابنك هيجوز.”

سارة شهقت.

“إمتى كبر؟”

آدم قال:

“أنا محتاجكم معايا.”

بصيت له.

“هنكون معاك.”

وبعد كام شهر، وقف آدم جنب عروسته.

أنا وسارة كنا في الصف الأول.

قبل بداية الفرح، قرب مني.

“بابا.”

“نعم؟”

“فاكر لما سألتك لو هتفضل؟”

“فاكر.”

“إنت فعلًا فضلت.”

ابتسمت.

“أيوه.”

“شكرًا.”

حطيت إيدي على كتفه.

“أنت اللي علمتني معنى الكلمة.”

بعدها رجعت لقيت سارة واقفة.

قلت لها:

“تعرفي إيه أكتر حاجة غريبة؟”

“إيه؟”

“لو كنت روحت المطعم في اليوم ده.”

“كان إيه هيحصل؟”

“كنت هطلب إيد يارا.”

“و؟”

“ومكنتش هشوفكم.”

سكتت.

“وأوقات الواحد بيفتكر إن تأخير خطوة هو أسوأ حاجة.”

“وتطلع؟”

“تطلع الرحمة.”

مسكت إيدي.

ورقصنا وسط أولادنا.

مش عشان الماضي اختفى.

الماضي عمره ما بيختفي.

لكن لأننا اتعلمنا إن الاعتذار مش كلمة.

وإن الأبوة مش مجرد اسم في شهادة ميلاد.

وإن البيت مش أربع حيطان.

البيت هو المكان اللي تلاقي فيه ناس مستعدين يستنوك حتى بعد ما تكون أنت اللي ضيعت الطريق.

وفي آخر الليل، خرجت للبلكونة.

المطر كان بينزل بهدوء.

نفس صوت المطر اللي سمعته أول يوم.

لكن المرة دي، مكنتش واقف لوحدي.

سارة وقفت جنبي.

حطت راسها على كتفي.

ومن جوه البيت، سمعت ضحكة أولادي.

بصيت للسما.

وقلت في سري:

“يا رب سامحني على السنين اللي ضيعتها.”

سارة قالت:

“بتقول إيه؟”

ابتسمت.

“ولا حاجة.”

“رامي.”

“نعم؟”

“تعالى.”

“فين؟”

“الأولاد عايزين صورة.”

دخلنا.

وقفنا كلنا جنب بعض.

آدم في النص.

نور وليان على الجانبين.

سارة جنبي.

والكاميرا اشتغلت.

في الصورة دي، مفيش خاتم ألماظ.

مفيش مطعم.

مفيش يارا.

مفيش ماضي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى