روايات وقصص

زهرة الربيع

عماد رد:

“أنا مش جاي أتكلم من دماغي. أنا صاحب محل تحت العمارة، وعندي كاميرا بتصور مدخل الشارع.”

أحمد قال:

“وصورت إيه؟”

عماد فتح موبايله.

“صورت مراتك وهي داخلة.”

حماتي قالت بسرعة:

“أهو! شوفت!”

عماد كمل:

“وصورتك إنتِ وإنتِ جاية وراها.”

سكتت.

“وصورتك وإنتِ بتشيري لأحمد على الشقة.”

وش حماتي وقع.

عماد قال:

“لكن الأهم… صورتك قبلها بيومين وإنتِ بتقفي مع الست صاحبة الشقة.”

أحمد مد إيده للموبايل.

“هات.”

الفيديو ظهر.

حماتي كانت واقفة مع الست قدام العمارة.

والكلام واضح.

“خليها تدخل.”

الست قالت:

“ولو خافت؟”

حماتي ردت:

“هتدخل. أنا هقول لها إني سألت أحمد.”

أحمد وقف كأنه فقد القدرة على الكلام.

أنا بصيت لحماتي.

“لسه هتكدبي؟”

هي ما ردتش.

الست الكبيرة اللي كانت مع عماد قربت وقالت:

“أنا أم الست دي.”

وأشارَت لصاحبة الشقة.

“وبنتي غلطانة في حاجات كتير، بس اللي عملته حماتك النهاردة كان مصيبة. هي وعدتها بفلوس عشان تفتح لها الباب وتخلي مراتك تدخل.”

أحمد قال:

“فلوس؟”

الست هزت راسها.

“أيوه.”

حماتي بدأت تنهار.

“أنا… أنا كنت…”

أحمد قال:

“كنتِ إيه؟”

مردتش.

أنا قلت:

“قولي.”

قالت وهي بتعيط:

“كنت عايزة أخلص منها.”

الكلمة دي كانت أقسى من أي اعتراف.

أحمد رجع خطوة.

“تخلصي منها؟”

قالت:

“كنت عايزة ابني يرجع لي.”

أحمد رد:

“أنا مش حاجة ضاعت منك عشان ترجعيها.”

بكت.

“إنت مش فاهم.”

“أنا فاهم.”

وبعدين بص لي.

“فاهم كل حاجة.”

في اللحظة دي موبايل أحمد رن.

بص للشاشة.

كان رقم غريب.

رد.

“ألو؟”

صوت راجل قال:

“الأستاذ أحمد؟”

“أيوه.”

“أنا محامي.”

أحمد استغرب.

“محامي مين؟”

“والدتك كلمتني من فترة.”

حماتي شهقت.

“متقولش!”

المحامي كمل:

“طلبت مني أجهز لها أوراق معينة.”

أحمد قال:

“أوراق إيه؟”

“مش هينفع أقول في التليفون، لكن بما إن الموضوع اتغير، أنا شايف إنك تعرف.”

حماتي جريت ناحية أحمد.

“اقفل!”

لكنه بعد إيده.

المحامي قال:

“هي كانت بتسأل عن إجراءات الطلاق، وحقوق الزوجة، وهل ممكن يتم إثبات إساءة سلوك من خلال شهود.”

أنا بصيت لأحمد.

هو كان ساكت.

المحامي كمل:

“وكان فيه سؤال تاني عن نقل بعض الممتلكات.”

أحمد سأل:

“ممتلكات مين؟”

المحامي قال:

“ممتلكاتك.”

الصمت كان مرعب.

أحمد قال:

“إزاي؟”

المحامي رد:

“هي كانت بتسأل لو حصل انفصال بينك وبين مراتك، إيه اللي ممكن يحصل في ممتلكاتك.”

حماتي صرخت:

“أنا كنت بحميه!”

أحمد قفل المكالمة.

بص لأمه.

“إنتِ كنتي بتخططي لكل حاجة.”

قالت:

“أنا أمك.”

“دي مش إجابة.”

“كنت خايفة عليك.”

“الخوف مش بيخليك تخططي لتدمير بيتي.”

هي قعدت على الكرسي.

وشها بقى مرهق.

وأنا لأول مرة حسيت إنها مش نفس الست القوية اللي كنت بخاف منها.

لكن رغم كل اللي عملته، أنا ما كنتش عايزة أشوفها مكسورة.

قلت لأحمد:

“سيبها.”

بص لي.

“إنتِ لسه بتدافعي عنها؟”

قلت:

“مش بدافع عنها.”

سكت.

“بس مش عايزة اللي حصل يتحول لانتقام.”

حماتي رفعت عينيها لي.

يمكن لأول مرة شافتني من غير ما تعتبرني عدوة.

قلت:

“أنا مش هعمل فيكي اللي حاولتي تعمليه فيا.”

دموعها نزلت.

“ليه؟”

قلت:

“لأني لو عملت كده، هبقى بقيت زيك.”

الكلمة وجعتها.

لكنها ما ردتش.

تاني يوم الصبح، أحمد خد قرار.

قال لأمه:

“هتفضلي في البيت لحد ما نرتب مكان تاني ليكي.”

أنا بصيت له.

قال:

“مش طرد. بس محتاجين مسافة.”

حماتي قالت:

“وهتعيش معاها؟”

أحمد رد:

“دي مراتي.”

“يعني أنا هبقى لوحدي؟”

“لأ.”

وبعدين أضاف:

“أنا هفضل ابنك. هزورك وأصرف عليك وأكون جنبك. بس مش هسمح لك تدخلي في حياتي الزوجية بالطريقة دي.”

حماتي بكت.

“هي خدت ابني مني.”

أنا رديت:

“لا يا حماتي. أنا ماخدتش أحمد منك. أحمد هو اللي اختار يتجوزني.”

سكتت.

بعد أسبوع، خرجت حماتي من البيت.

راحت تعيش في شقة صغيرة قريبة.

وأحمد كان بيروح لها كل يوم تقريبًا.

وأنا مكنتش بمنعه.

على العكس.

كنت بقوله:

“دي أمك.”

بس في نفس الوقت، كان فيه حدود جديدة.

محدش يدخل بيتنا من غير ما يتفق معانا.

محدش يفتش في حياتنا.

محدش يحكم على حد من غير دليل.

ومرت شهور.

الدنيا هديت.

أحمد رجع زي الأول.

وأنا بدأت أضحك من قلبي تاني.

لكن في يوم، وأنا بفتح الدولاب، لقيت ظرف صغير واقع ورا هدومي.

فتحته.

جواه ورقة.

وكان مكتوب فيها بخط حماتي:

“أنا عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة. بس لو في يوم قدرتي، سامحيني.”

فضلت ماسكة الورقة.

دخل أحمد وشافني.

“إيه ده؟”

ناولتهاله.

قراها.

وبص لي.

“هتسامحيها؟”

قلت:

“أنا سامحتها من زمان.”

استغرب.

“بجد؟”

قلت:

“أيوه.”

“إمتى؟”

“يوم ما وقعت قدامي.”

ضحك.

قلت:

“مش عشان هي وقعت. عشان ساعتها عرفت إن الإنسان مهما كان قوي، ممكن يخسر كل حاجة لما يسيب الخوف والغيرة يتحكموا فيه.”

أحمد قرب مني.

“وأنا؟”

“إنت إيه؟”

“سامحتيني؟”

ضحكت.

“إنت لسه محتاج تسأل؟”

قال:

“أنا غلطت.”

“أيوه.”

“كتير.”

“أيوه.”

“طب سامحتيني؟”

قلت:

“سامحتك.”

ابتسم.

لكن بعدها بأيام حصل شيء محدش كان متوقعه.

كنا قاعدين على السفرة، والموبايل رن.

أحمد رد.

سكت ثواني.

وبعدين قال:

“مين؟”

وشه اتغير.

قفل المكالمة.

سألته:

“مين؟”

قال:

“أمي.”

“في حاجة؟”

قال:

“بتقول إنها عايزة تشوفك.”

قلبي انقبض.

“أنا؟”

“أيوه.”

“ليه؟”

قال:

“مش عارف.”

روحت معاها تاني يوم.

دخلنا شقتها.

كانت مختلفة تمامًا.

مفيش تكشيرة.

مفيش نظرات غضب.

مفيش كلام كتير.

كانت قاعدة على الكرسي، وفي إيدها صندوق صغير.

أول ما شافتني قالت:

“اقعدي.”

قعدت.

قالت:

“أنا مش طالبة منك ترجعي تعيشي معايا.”

قلت:

“أنا عارفة.”

“ولا طالبة منك تنسي.”

سكتت.

“أنا بس عايزة أقولك حاجة.”

بصيت لها.

قالت:

“أنا غلطت في حقك.”

أول مرة أسمع منها الجملة دي صريحة.

“وغلطت في حق ابني.”

دموعها نزلت.

“أنا كنت فاكرة إن كل ما أبعدك عنه، هو هيرجع لي.”

سكتت شوية.

“لكن لما بعدتي، اكتشفت إن اللي بعده عني هو أنا.”

أنا ما قلتش حاجة.

فتحت الصندوق.

كان فيه صور قديمة لأحمد وهو طفل.

وقالت:

“أنا كنت خايفة أعيش لوحدي.”

قلت:

“الوحدة مش مبرر إننا نأذي حد.”

هزت راسها.

“عارفة.”

وبعدين طلعت صورة لأحمد وهو صغير.

“أنا كنت فاكرة إن دي حياتي.”

ابتسمت بحزن.

“طلعت حياتي كانت تربيته عشان يبقى راجل مستقل، مش عشان أفضل ماسكة فيه.”

مدت الصورة لي.

“خديها.”

قلت:

“ليه؟”

“عشان لما تبصي لها تفتكري إن اللي قدامك دلوقتي كان طفل عندي، وبقى راجل اختار بيته.”

خدت الصورة.

وبعدين قالت:

“وأنا عايزة أتعلم أحترم اختياره.”

بصيت لها.

“وأنا كمان عايزة أتعلم إني ما أشيلش منك طول عمري.”

دموعها زادت.

“يعني سامحتيني؟”

قلت:

“أنا سامحتك. بس الثقة حاجة تانية.”

هزت راسها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى