
بعد ست ساعات كانت واقفة قدام الجبل.
لوحدها.
الجو كان بارد.
والضباب مغطي الصخور.
كانت شايلة شنطة صغيرة.
مياه.
كشاف.
حبل.
والميدالية اللي كانت معاها يوم اختفائها الأول.
وقفت قدام المدخل.
لمست الصخر.
وقالت:
— أنا رجعت.
الصمت كان كامل.
وبعدين…
جاءها صوت من الداخل.
— عارف.
ليان دخلت.
الممر كان أضيق من المرة الأولى.
لكنها ما خافتش.
كانت عارفة كل خطوة.
بعد حوالي نصف ساعة وصلت للغرفة القديمة.
ما كانش فيها حد.
لكن في النص كان فيه كرسي.
وفوقه صورة.
ليان قربت.
الصورة كانت لوالدها وهو شاب.
واقف جنب رجل تاني.
ليان قربت أكتر.
الرجل التاني كان عادل.
لكن الصورة كانت قديمة جدًا.
أقدم من عمرها.
وأقدم من اختفائها بسنين طويلة.
على ظهر الصورة كان مكتوب:
“أبوكي كان هنا قبلك.”
ليان شهقت.
وفجأة سمعت صوت والدها من آخر الغرفة:
— كنت عارف إنك هتوصلي.
ليان استدارت.
كان والدها واقف هناك.
حي.
سليم.
ليان جريت عليه.
لكنها وقفت قبل ما تحضنه.
— إنت كنت هنا؟
هز راسه.
— أيوه.
— ليه كذبت عليا؟
والدها نزل عينيه.
— عشان أحميكي.
ضحكت بمرارة.
— كل الناس هنا بيقولوا نفس الجملة.
سكت.
وبعدين قال:
— أنا وعادل كنا أصدقاء من زمان.
— وعرفت عن الكهف؟
— أيوه.
— طب ليه سيبتني؟
والدها قال:
— أنا ما سيبتكيش.
— أمال؟
— أنا وصلت للمكان بعد اختفائك بيومين.
— إيه؟
— ولقيت عادل.
— وقولتله يرجعني؟
— طلبت منه.
— أمال ليه ما رجعنيش؟
والدها رفع عينيه.
— لأنك كنتي وقتها في جزء من الكهف لو خرجتي منه كان ممكن يحصل انهيار كبير.
ليان قالت:
— دي مش إجابة.
— الحقيقة إننا اكتشفنا حاجة أسوأ.
— إيه؟
والدها أشار ناحية الحائط.
— بصي.
على الحائط كانت نفس الأسماء.
لكن تحتها جملة جديدة.
“كل من دخل… خرج بشيء.”
ليان بصت له.
— يعني إيه؟
قال:
— الكهف مش بيخطف الناس.
— أمال؟
— بيكشفهم.
— يكشفهم إزاي؟
— كل واحد بيدخل هنا بيواجه حاجة من حياته كان بيهرب منها.
ليان ضحكت.
— دي خرافة.
والدها قال:
— يمكن.
وبعدين أشار للعمق.
— بس عادل اختفى من هنا من أسبوع.
— فين؟
— جوه.
— ليه؟
— لأنه دخل يدور عليكي.
ليان سكتت.
ثم قالت:
— وأنا هطلعه.
والدها مسك إيدها.
— لأ.
ليان بصت له.
— أنا قضيت تلات سنين هنا.
— وعشان كده أنا خايف أخسرك تاني.
ابتسمت ليان.
— المرة دي يا بابا…
أنا مش داخلة علشان أستخبى.
أنا داخلة علشان أرجعكم كلكم.
ومشت ناحية الظلام.
لكن قبل ما تختفي…
سمعوا صوتًا من العمق.
صوت خطوات.
خطوة.
خطوة.
خطوة.
وبعدين ظهر عادل.
كان واقف بعيد.
وفي إيده مصباح.
لكن وشه كان شاحب.
وقال جملة واحدة:
— ليان… متكمليش.
رفعت رأسها.
— ليه؟
قال:
— لأن اللي موجود في آخر الكهف…
مش إنسان.
وانطفى المصباح.
والظلام ابتلعهم كلهم.
وفي اللحظة دي…
سمعوا صوت ضحكة طفلة جاية من آخر الممر.
ضحكة صغيرة.
هادية.
وبعدين صوت قال:
— ماما بتقول إن ليان رجعت.
ليان تجمدت.
لأن الصوت…
كان صوتها هي.
وآخر حاجة شافتها قبل ما الظلام يغطي كل شيء…
كانت البومة الخشبية وهي بتتحرك لوحدها فوق الأرض.
وبعدين…
سكت كل شيء.
—
بعد سبع ساعات، خرج والد ليان وحده من الكهف.
كان مرهقًا.
ملابسه مليانة تراب.
وفي إيده الكاميرا القديمة بتاعة ليان.
فرق الإنقاذ سألوه:
— فين ليان؟
بص للجبل.
ما ردش.
— أستاذ محمود… بنتك فين؟
قال بصوت مكسور:
— قالتلي إنها هترجع.
— وإنت سيبتها؟
رفع عينيه.
— لأ.
— أمال؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
— هي اللي سابتني.
وفي نفس اللحظة…
الكاميرا اللي في إيده اشتغلت لوحدها.
الشاشة أضاءت.
وكان آخر تسجيل فيها صورة ثابتة.
ليان واقفة جوه الكهف.
بتبتسم.
وعينيها مفتوحة.
ووراها…
كان فيه عشرات الأشخاص واقفين في الظلام.
أشخاص اختفوا عبر السنين.
لكن المفاجأة…
إن والدها كان واقف بينهم.
وعادل كان واقف جنب ليان.
وفي آخر ثانية من التسجيل…
ليان قربت من الكاميرا وقالت:
— متخرجونيش.
وبعدين التسجيل انتهى.
ومن يومها…
اتقفل الكهف تمامًا.
لكن كل سنة في نفس اليوم اللي اختفت فيه ليان أول مرة…
كان أهل المنطقة بيلاقوا بومة خشبية فوق نفس جذع الشجرة.
والأغرب…
إن كل بومة كانت بتكون جديدة.
مفيش واحدة اتكررت.
وفي آخر مرة…
لقوا بومة مختلفة.
كان محفور على جناحها اسم واحد:
“ليان”.
وتحت الاسم…
جملة قصيرة:
“أنا مش ضايعة… أنا بس لسه مستنية الوقت المناسب أرجع.”
ومن وقتها…
ما حدش عرف إذا كانت ليان عاشت بقية حياتها جوه الجبل…
ولا خرجت منه في يوم من الأيام من غير ما حد يعرف.
لكن والدها فضل كل ليلة يفتح باب البيت قبل ما ينام.
لأنه كان مؤمن بحاجة واحدة:
إن بنته وعدته من أول يوم وقالت:
“هرجع قبل المغرب.”
وحتى بعد كل السنين دي…
كان لسه مستنيها ترجع.
وفي كل غروب…
كان يقف عند الباب.
يبص للطريق.
ويقول بهدوء:
— اتأخرتي يا ليان…
بس أنا لسه مستنيكي.
مرّ شهر كامل من غير أي خبر عن ليان.
الجبل اتقفل رسميًا، والشرطة حطت حواجز حوالين المنطقة، واتمنع أي حد يقرب من المداخل القديمة.
لكن والد ليان ما كانش مقتنع إنها ماتت.
كان كل يوم الصبح يصحى بدري، يقعد قدام باب البيت، ويحط فنجان قهوة على الترابيزة المقابلة.
فنجان تاني.
مش ليه.
لليان.
أمها كانت كل مرة تشوف الفنجان وتبكي.
— يا محمود… كفاية.
كان يهز راسه.
— هي قالتلي هترجع.
— بقالها شهر.
— وأنا مستني.
— يمكن…
كانت بتسكت قبل ما تكمل.
لكن محمود كان يفهم.
— متقوليش ماتت.
— أنا مش بقول.
— عشان أنا مش مصدق.
وفي ليلة من الليالي، حصل شيء غريب.
الساعة كانت تلاتة وسبعتاشر دقيقة بعد منتصف الليل.
محمود كان صاحي.
سمع صوت خبطة خفيفة على الباب.
قام.
قرب.
فتح.
ما كانش فيه حد.
نزل بعينيه للأرض.
لقى بومة خشبية.
لكن المرة دي كان فيه شيء مختلف.
البومة كانت مبلولة.
وعليها قطرات مياه.
محمود مسكها.
قلبها.
ولقى محفور عليها:
“لسه فاكر الطريق؟”
إيده بدأت تترعش.
— ليان؟
ما حدش رد.
دخل البيت.
فتح درج قديم كان بيحط فيه حاجات بنته.
طلع خريطة الجبل.
فردها على الترابيزة.
كان عنده نسخة من خريطة قديمة كانت ليان رسمتها قبل اختفائها.
قعد يبص فيها ساعات.
لحد ما لاحظ خط صغير جدًا مرسوم بالقلم الرصاص.
خط ما كانش واخد باله منه قبل كده.
الخط بيبدأ من مدخل الكهف…
وينتهي عند مكان مكتوب جنبه:
“مصدر المياه”.
محمود افتكر كلام ليان.
كانت دايمًا بتقول إن المياه هي مفتاح فهم المكان.
قام من مكانه.
اتصل برقم قديم.
— عادل؟
ما حدش رد.
اتصل تاني.
مفيش.
لكن بعد دقيقة…
الموبايل رن.
رقم مجهول.
محمود رد.
ما سمعش صوت.
بس سمع مياه.
صوت مياه جارية.
وبعدين صوت ليان.
— بابا…
محمود وقف.
— ليان؟
— متجيش.
— إنتِ فين؟
— أنا بخير.
— طب اخرجي.
ضحكت ضحكة خفيفة.
— لو كان الموضوع بالساهل كنت خرجت.
— مين معاكي؟
سكتت.
— ليان، ردي عليا.
— بابا… افتكر حاجة واحدة.
— إيه؟
— أنا مش محتاجة حد ينقذني.
محمود دموعه نزلت.
— أمال إنتِ محتاجة إيه؟
سكتت ثواني.
— محتاجة أخلص اللي بدأته.
وقبل ما يسألها…
المكالمة اتقفلت.
محمود فضل ماسك الموبايل.
وبعدين بص للخريطة.
قال لنفسه:
— يعني إنتِ لسه جوه.
—
في اليوم التالي، محمود ما قالش لحد.
أخد الخريطة.
وأخد الكاميرا القديمة.
وطلع ناحية الجبل.
لكن قبل ما يوصل، لقى عادل واقف على الطريق.
كان شكله مرهق.
ومد إيده لمحمود.
— اديني الخريطة.
محمود رفض.
— بنتي فين؟
— عايشة.
— إنت متأكد؟
— أيوه.
— طب ليه مش بتخرج؟
عادل بص للجبل.
— لأنها اكتشفت الحقيقة.
— حقيقة إيه؟
عادل قال:
— المكان ده كان معروف من زمان.
— وبعدين؟
— من مئات السنين، كان فيه ناس عايشة هنا وقت فترات الجفاف.
— وده يفسر إيه؟
— يفسر إن الكهف مش مجرد مجموعة ممرات.
— أمال إيه؟
عادل سكت.
وبعدين قال:
— شبكة كاملة.
— شبكة؟
— ممرات بتوصل بين الجبال.
— وليان اكتشفتها؟
— أيوه.
محمود غضب.
— وإنت كنت عارف؟
— كنت عارف جزء.
— وهي عرفت الباقي؟
عادل هز راسه.
— هي أذكى مني.
محمود بص له بغضب.
— لو حصل لها حاجة…
عادل قاطعه.
— مش هي اللي في خطر.
— أمال مين؟
عادل بص له.
— إحنا.
—
في نفس الوقت…
في أعماق الكهف…
كانت ليان ماشية لوحدها.
ما كانتش خايفة.
كانت شايلة مصباح صغير.
وعلى الحيطة قدامها كانت علامات البومة.
كل علامة بتقودها لمكان مختلف.
وصلت لغرفة ما شافتهاش قبل كده.
في نص الغرفة كان فيه صندوق حجري.
فتحت الغطاء.
جواه مجموعة أوراق قديمة.
لكن الورق كان محفوظ بشكل غريب.
مدت إيدها.
طلعت أول ورقة.
كان مكتوب عليها:
“إلى من يجد هذا المكان… لا تبحث عن الذهب.”
ليان قلبت الورقة.
“ابحث عن المياه.”
طلعت ورقة تانية.
كانت خريطة.
خريطة كاملة للجبال.
لكن عليها علامات حمراء.
ليان قربت.
كل علامة كانت فوق مصدر مياه.
فهمت فجأة.
المكان كله كان نظام مياه طبيعي ضخم.
والأشخاص اللي عاشوا هنا زمان ما كانوش مختبئين.
كانوا بيحموا مصدر مياه.
مياه ممكن تكفي قرى كاملة.
لكن لو تم العبث بالممرات…
ممكن يحصل انهيار.
ليان همست:
— عشان كده عادل كان خايف.
لكنها لقت حاجة تانية.
ورقة حديثة.
مكتوب عليها بخط والدها.
“لو وصلتِ للنقطة دي، يبقى لازم تعرفي الحقيقة.”
قلبها اتجمد.
فتحت الورقة.
“يا ليان… أنا كنت أعرف عن الكهف قبل ما تختفي.”
نزلت دمعة من عينها.
“وعرفت إن عادل كان بيحاول يحمي المكان.”
“لكن اللي ما كنتش أعرفه إن فيه ناس تانية كانت بتدور عليه.”
“ناس عايزة تستغل المياه.”
“وعشان كده أخفيت عنك الحقيقة.”
ليان قعدت على الأرض.
كانت غاضبة.
لكنها فهمت.
والدها ما كانش بيخبي عنها الكهف لأنه مش واثق فيها.
كان خايف عليها.
لكن الكذب مهما كان سببه…
بيفضل كذب.
رفعت الورقة.
في آخرها جملة:
“سامحيني.”
ليان بكت.
وبعدين قالت:
— سامحتك يا بابا.
لكنها ما كانتش عارفة إن والدها في اللحظة نفسها كان واقف على بعد مئات الأمتار منها.
—
دخل محمود وعادل الكهف.
كان معاهم فريق صغير.
كل واحد شايل معدات.
لكن محمود كان متوتر.
— إحنا هندخل ونخرج.
عادل قال:
— لازم نلتزم بعلامات ليان.
— ولو حصل انهيار؟
— منرجعش من نفس الطريق.
— أمال؟
— هيكون فيه مخرج تاني.
محمود بص له.
— وإنت متأكد؟
عادل ابتسم.
— لأ.
محمود ضحك رغم خوفه.
— أول مرة تقول حاجة صريحة.
وصلوا لغرفة المياه.
محمود سمع صوت.
— ليان؟
صوتها جاء من بعيد.
— بابا!
جري ناحية الصوت.
شافها.
كانت واقفة عند نهاية الممر.
محمود وقف.
ثواني.
وبعدين جري عليها.
حضنها.
ليان حضنته بقوة.
الاتنين فضلوا ساكتين.
ما كانش فيه كلام يكفي اللحظة دي.
بعدها محمود قال:
— كنتي بتقولي إنك مش محتاجة إنقاذ.
ليان ابتسمت.
— كنت بكذب.
ضحك وهو بيعيط.
— وأنا كنت مستنيك.
— عارفة.



