
— إزاي؟
— لأنك عمرك ما بطلت تدور.
سكتوا.
وبعدين ليان بصت لعادل.
— وإنت؟
عادل قال:
— أنا خلاص.
— خلاص إيه؟
— دوري انتهى.
ليان فهمت.
— هتخرج؟
عادل بص للممر.
— أيوه.
— وهتعيش برا؟
سكت.
وبعدين قال:
— هجرب.
—
خرجوا من الكهف مع بعض.
لأول مرة من سنين.
الشمس كانت طالعة.
ليان وقفت قدام الجبل.
ما بكتش.
كانت بتبتسم.
لكن ابتسامتها المرة دي كانت طبيعية.
وبترمش.
والدها وقف جنبها.
— مبسوطة؟
قالت:
— أيوه.
— خايفة؟
— شوية.
— من إيه؟
— من إن الدنيا برا اتغيرت.
محمود قال:
— وإنتِ كمان اتغيرتي.
ليان بصت له.
— يمكن.
— بس لسه بنتي.
ابتسمت.
— ودي أكتر حاجة أنا متأكدة منها.
—
بعد أسابيع، تم تشكيل لجنة علمية لدراسة المنطقة.
لكن ليان رفضت تحديد مكان بعض الممرات في التقارير العامة.
كانت بتقول:
— مش كل اكتشاف لازم يتحول لمزار سياحي.
اتعملت حماية رسمية للمنطقة.
واتمنع الحفر العشوائي.
وبدأت دراسة مصادر المياه بطريقة علمية.
ليان نفسها شاركت في المشروع.
لكنها كتبت شرطًا واحدًا:
“أي دراسة للمكان لازم تحافظ على النظام البيئي.”
وبعد فترة نشرت بحثها.
البحث كان عن النباتات النادرة اللي اكتشفتها.
لكنها ما ذكرتش كل التفاصيل.
ولما سألوها ليه…
قالت:
— لأن بعض الأسرار قيمتها إنها تفضل محمية.
—
أما عادل…
فبدأ حياة جديدة.
اشتغل مستشارًا في مجال الجيولوجيا.
لكنه كان مختلفًا.
بقى بيتكلم مع الناس.
بيخرج.
ويضحك.
وأحيانًا كان بيزور بيت محمود.
وكانت ليان في البداية مش بتثق فيه.
لكن مع الوقت بدأت تفهم إن الإنسان ممكن يعمل أخطاء كبيرة وهو فاكر إنه بيعمل الصح.
وده ما بيمسحش الخطأ.
لكنه بيفسر بعضه.
وفي يوم قالت له:
— أنا مش هنسى اللي حصل.
قال:
— ولا أنا عايزك تنسي.
— بس أنا مش عايزة أكرهك.
عادل ابتسم.
— ده كفاية.
—
مرت سنة.
وفي يوم رجعت ليان للجبل.
المرة دي مع والدها.
وقفت قدام المكان اللي اختفت فيه.
قالت:
— فاكر يا بابا؟
— أنسى إزاي؟
ضحكت.
وبعدين طلعت البومة الخشبية من شنطتها.
حطتها فوق جذع الشجرة.
والدها سأل:
— ليه؟
قالت:
— عشان أقفل الحكاية.
— خلاص؟
— خلاص.
— متأكدة؟
بصت للجبل.
— أيوه.
مشيت معاه.
وبعد كام خطوة…
وقفت.
لفت.
ابتسمت.
وبعدين قالت:
— بس لو رجعت هنا تاني…
والدها ضحك.
— مش هتدخلي الكهف.
— لأ.
— أمال؟
— هدخل من غير ما أضيع.
—
بعد سنوات…
بقت قصة ليان معروفة.
ناس كتير حكوا عنها.
ناس صدقوا كل التفاصيل.
وناس قالوا إن بعض الأحداث مبالغ فيها.
وناس قالوا إن الكهف كان مجرد شبكة طبيعية وإن الخوف والتوتر خلوا الأحداث تبدو أغرب.
ليان ما كانتش بتجادل حد.
لما حد يسألها:
— إيه اللي حصل فعلًا؟
كانت تقول:
— اللي حصل إني دخلت الجبل وأنا فاكرة إني أعرف كل حاجة عن الطبيعة.
وبعد تلات سنين خرجت وأنا عارفة إني لسه ما أعرفش غير جزء صغير جدًا.
وكان ده كفاية.
—
وفي آخر مرة زارت فيها الجبل…
كانت الشمس بتغرب.
ليان كانت واقفة بعيد.
سمعت صوت خطوات.
لفت.
ما كانش فيه حد.
ابتسمت.
وبعدين سمعت صوت خفيف جدًا من ناحية الكهف.
ثلاث خبطات.
تك.
تك.
تك.
وقفت.
بصت ناحية الجبل.
لكنها ما دخلتش.
قالت:
— لأ.
سكتت لحظة.
— المرة دي أنا اختارت أرجع.
وبعدين مشت.
خطوة.
وخطوة.
وخطوة.
لحد ما اختفت عن الطريق.
ومن بعيد…
كان فيه بومة صغيرة واقفة فوق صخرة.
لكن محدش شافها.
ولا حد عرف مين حطها هناك.
وفي صباح اليوم التالي، لما رجعت ليان للجبل مع فريق الباحثين، البومة كانت اختفت.
مكانها كان فيه ورقة صغيرة.
فتحتها.
كان مكتوب:
“بعض الأبواب لا تُفتح علشان ندخلها…”
“بتتفتح علشان نعرف إننا نقدر نخرج.”
ليان قرأت الجملة.
ابتسمت.
وحطت الورقة في جيبها.
وبصت للجبل للمرة الأخيرة.
وبعدين قالت:
— انتهت.
لكن الحكاية الحقيقية ما كانتش عن كهف.
ولا عن رجل غامض.
ولا عن بومة خشبية.
كانت عن بنت دخلت مكان مظلم وهي فاكرة إنها فقدت حريتها…
وخرجت وهي عارفة إن الحرية مش بس إن الباب يتفتح.
الحرية إنك تعرف إمتى تدخل…
وإمتى تخرج…
وإمتى تقول لنفسك:
كفاية.
والأهم…
إنك مهما اتأخرت في الرجوع…
تلاقي حد لسه مستنيك.
لأن محمود فعلًا فضل مستني.
كل غروب.
كل يوم.
سنين طويلة.
وكان دايمًا يفتح الباب.
ويبص للطريق.
ويقول:
— يمكن النهارده ترجع.
وليان…
رجعت فعلًا.
مش زي البنت اللي خرجت من البيت وهي عندها تسعتاشر سنة.
رجعت امرأة أقوى.
أهدى.
وأكثر فهمًا للحياة.
لكن في قلبها كان لسه فيه نفس البنت الصغيرة اللي قالت لأبوها:
“متقلقش يا بابا… هرجع قبل المغرب.”
هي اتأخرت.
سنين.
لكنها رجعت.
وده كان أهم شيء.
وفي آخر ليلة من حياتها، بعد سنين طويلة جدًا، كانت ليان قاعدة جنب شباك بيتها.
حفيدتها الصغيرة سألتها:
— يا تيتة… هو الكهف كان مخيف؟
ليان ضحكت.
— جدًا.
— وإنتِ كنتي خايفة؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— كنت بخاف كل يوم.
البنت سألت:
— طب إزاي بقيتي قوية؟
ليان بصت لها.
— القوة مش إنك متخافيش.
— أمال إيه؟
— إنك تخافي… وبرضه تكملي.
البنت قربت منها.
— وإنتِ خرجتي لوحدك؟
ليان ابتسمت.
— لأ.
— مين ساعدك؟
بصت ناحية صورة والدها المعلقة على الحائط.
وقالت:
— ناس كتير.
وبعدين بصت للصورة القديمة للبومة الخشبية الموجودة جنبها.
— وأوقات… الحاجة اللي بتخوفنا أكتر حاجة هي نفسها اللي بتعلمنا الطريق.
البنت ما فهمتش.
لكنها ابتسمت.
وليان قامت ببطء.
قفلت الشباك.
وبصت للسماء.
كانت النجوم واضحة.
افتكرت أول ليلة قضتها في الكهف.
افتكرت الظلام.
المياه.
الخطوات.
عادل.
والدها.
الخوف.
والسنين.
ثم أغمضت عينيها.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
ما سمعتش أي خطوات.
ولا أصوات.
ولا همسات.
بس سمعت صوت قلبها.
هادئ.
مطمئن.
فقالت لنفسها:
— خلاص يا ليان…
المرة دي فعلًا رجعنا البيت.
وأخيرًا…
انتهت الحكاية.




