منوعات

البنت الضايعه

 

مرت الشهور.

 

ليان حاولت الهروب عشرات المرات.

 

كل مرة كانت ترجع لنفس المكان.

 

الممرات كانت بتتغير.

 

الصخور اللي كانت علامة بالنسبة لها تختفي.

 

ممرات جديدة تظهر.

 

وفي مرة لقت درج حجري قديم.

 

نزلت عليه.

 

وصلت لغرفة كبيرة.

 

الغرفة كان فيها حاجات قديمة جدًا.

 

بطانيات.

 

أواني.

 

كتب.

 

وأسماء محفورة على الحيطان.

 

أسماء ناس.

 

عشرات الأسماء.

 

بعضها مكتوب من مئات السنين.

 

وبين الأسماء لقت اسمها.

 

“ليان”.

 

اتجمدت.

 

وتحته تاريخ يوم اختفائها.

 

وقتها بدأت تفهم إن الموضوع أكبر من رجل عايش في كهف.

 

رجعت بسرعة.

 

ولما شافته قالت:

 

— إنت كتبت اسمي قبل ما أجي.

 

الرجل سكت.

 

— إنت كنت عارف إني جاية؟

 

— أيوه.

 

— إزاي؟

 

ما ردش.

 

— مين الناس اللي أسماؤهم على الحيطان؟

 

قال:

 

— ناس ضلوا الطريق.

 

— وكلهم عاشوا هنا؟

 

— بعضهم.

 

— والباقي؟

 

الصمت كان الإجابة.

 

ليان بدأت تبكي.

 

— أنا مش هفضل هنا.

 

قال:

 

— هتخرجي لما تبقي جاهزة.

 

صرخت:

 

— أنا جاهزة من أول يوم!

 

قال بهدوء:

 

— لأ.

 

— ليه؟

 

— لأنك لسه بتفتكري إن العالم اللي برا آمن.

 

—

 

بعد سنة تقريبًا…

 

ليان بدأت تتغير.

 

مش لأنها استسلمت.

 

لكن لأنها أدركت إنها لازم تفهم المكان قبل ما تخرج.

 

بدأت تدرس النباتات اللي موجودة داخل الكهف.

 

اكتشفت إن بعضها نادر جدًا.

 

وفيه نباتات ما كانتش بتحتاج ضوء الشمس.

 

وكانت فيه مياه بتخرج من طبقات صخرية عميقة.

 

الهواء نفسه كان بيتجدد من شقوق غير ظاهرة.

 

لكن أكتر حاجة كانت غريبة…

 

إن المكان كان مجهز.

 

مش طبيعي.

 

كان فيه مناطق للنوم.

 

أماكن تخزين.

 

أدوات.

 

وبعد فترة اكتشفت غرفة فيها صور.

 

صور لأشخاص.

 

نساء.

 

رجال.

 

وأطفال.

 

كلهم اختفوا في أوقات مختلفة.

 

وبين الصور…

 

صورة والدها.

 

ليان صرخت.

 

— إنت بتراقب أهلي!

 

الرجل ظهر خلفها.

 

قال:

 

— لأ.

 

— أمال الصورة دي إيه؟

 

— والدك هو اللي وصل لأقرب نقطة للكهف.

 

— إمتى؟

 

— من سنة ونص.

 

ليان حست إن الدنيا بتلف بيها.

 

— كان هنا؟

 

— لأ.

 

— شافك؟

 

— لأ.

 

— أمال ليه صورته عندك؟

 

الرجل قال:

 

— لأنه كان بيحفر في المكان الخطأ.

 

ليان بصت له.

 

— إنت كنت بتراقبه؟

 

سكت.

 

وبعدين قال:

 

— كنت بحاول أمنعه.

 

—

 

في السنة التالتة، ليان اكتشفت الحقيقة.

 

الرجل ما كانش مختطفًا لها بالشكل اللي كانت متخيلة.

 

كان اسمه عادل.

 

كان مهندس جيولوجيا سابق.

 

من حوالي خمسة عشر سنة اكتشف شبكة كهوف تحت الجبل.

 

في البداية كان بيبحث عن مصادر مياه جوفية.

 

لكن أثناء الحفر اكتشف غرف قديمة وآثار لناس عاشوا هناك.

 

ومع الوقت اكتشف إن فيه انهيارات متكررة.

 

جزء كبير من الجبل كان غير مستقر.

 

وكان فيه مسار طبيعي بيؤدي إلى مكان سكني قريب.

 

لو الناس عرفت عنه، هيبدأوا يحفروا ويدخلوا المكان.

 

وكان عادل مقتنع إن ده هيعرض حياة ناس للخطر.

 

لكن المشكلة إن عادل نفسه اتعلق بالمكان.

 

وبعد سنوات بقى منعزل عن العالم.

 

ليان سألته:

 

— وإنت خطفتني؟

 

قال:

 

— أنا ما جبتكيش.

 

— أمال إزاي وصلت؟

 

— الكهف اختارك.

 

ضحكت.

 

— إنت مصدق اللي بتقوله؟

 

— لأ.

 

— أمال؟

 

قال:

 

— اللي حصل ليكي له تفسير.

 

— إيه؟

 

— حصل انهيار صخري بعد دخولك بدقائق. المخرج اتقفل. وأنا كنت قريب. لو ما ساعدتكيش، كنتي هتموتي.

 

— وبعدها؟

 

— حاولت أخرجك.

 

— طب ليه منعتني؟

 

عادل سكت.

 

— لأن الطريق اللي دخلتي منه كان انهار بالكامل. كل محاولة للخروج كانت ممكن توقع السقف.

 

ليان قالت:

 

— كان ممكن تقول لي.

 

قال:

 

— في البداية كنت خايف.

 

— من إيه؟

 

— إنك تبلغي عن المكان.

 

ليان بصت له باحتقار.

 

— فخليتني عايشة هنا تلات سنين؟

 

عادل ما ردش.

 

قالت:

 

— دي مش حماية.

 

سكت.

 

— دي سجن.

 

الكلمة فضلت معلقة بينهم.

 

—

 

لكن قبل ما ليان تقدر تعمل أي حاجة…

 

حصل انهيار.

 

صوت رهيب هز الكهف.

 

الصخور بدأت تقع.

 

عادل صرخ:

 

— اجري!

 

ليان جريت.

 

المستكشفون اللي دخلوا بعد تلات سنين كانوا لسه واقفين عند المدخل الداخلي.

 

فجأة سمعوا دوّي ضخم.

 

صخرة وقعت بينهم وبين المخرج.

 

الهواء اتغير.

 

والغبار ملأ المكان.

 

ليان بصت للمستكشفين.

 

— لازم نتحرك.

 

واحد منهم قال:

 

— وإنتِ؟

 

— أنا عارفة الطريق.

 

بدأوا يمشوا وراها.

 

لكن كل شوية كانت ليان توقف.

 

تلمس الحيطة.

 

تسمع.

 

وبعدين تغير الاتجاه.

 

المستكشف قال:

 

— إنتِ حافظه المكان كله؟

 

قالت:

 

— تلات سنين كفاية.

 

بعد ساعة وصلوا لغرفة واسعة.

 

وكان فيها مصدر ضوء طبيعي.

 

فتحة في السقف.

 

واحد منهم قال:

 

— قربنا.

 

ليان وقفت.

 

ابتسمت.

 

ولأول مرة…

 

رمشت.

 

المستكشفين بصوا لبعض.

 

— إنتِ رمشتي؟

 

ليان ضحكت.

 

— أيوه.

 

— ليه كنتي مش بترمشي؟

 

قالت:

 

— عادل كان بيقولي إن الرمش الكتير يخلي اللي بيراقبك يعرف إنك خايفة.

 

المستكشف بص لها.

 

— مين اللي بيراقبك؟

 

ليان ما ردتش.

 

—

 

خرجوا من الكهف بعد ساعات طويلة.

 

الشمس ضربت وش ليان.

 

وقفت مكانها.

 

مدت إيدها ناحية النور.

 

وبعدين وقعت على ركبها.

 

كانت أول مرة تشوف السماء من تلات سنين.

 

المستكشفين اتصلوا بالإنقاذ.

 

وبعد ساعات وصلت سيارات الإسعاف والشرطة.

 

وأول ما والدها وصل…

 

كان بيجري.

 

ليان شافته.

 

فضلت واقفة.

 

وبعدين جريت عليه.

 

حضنته بكل قوتها.

 

والدها فضل يبكي.

 

— بنتي…

 

— أنا هنا يا بابا.

 

— كنتي فين؟

 

ليان سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

— في مكان ما كانش المفروض حد يعرفه.

 

والدها بص لها.

 

— مين عمل فيكي كده؟

 

ليان بصت ناحية الجبل.

 

لكن عادل ما خرجش.

 

الشرطة دخلت تدور عليه.

 

ما لاقوش حد.

 

لقوا الغرف.

 

لقوا الأدوات.

 

لقوا الصور.

 

لقوا الأسماء.

 

لكن عادل اختفى.

 

كأنه ذاب جوه الجبل.

 

—

 

بدأ التحقيق.

 

الأطباء فحصوا ليان.

 

الغريب إن صحتها كانت أفضل مما توقعوا.

 

تحاليلها كانت مستقرة.

 

وزنها منخفض شوية لكنه مش خطر.

 

جسمها اتأقلم مع المياه والطعام اللي كان بيتم توفيره لها.

 

والأغرب إن النباتات اللي كانت بتاكل منها ساعدتها على الحفاظ على صحتها.

 

لكن نفسيًا…

 

كانت حالتها معقدة.

 

كانت بتصحى بالليل وتدور على الحيطان.

 

كانت تخاف من الأماكن المفتوحة.

 

كانت بتقفل النوافذ.

 

وكانت بتطلب دايمًا إن باب الغرفة يفضل مفتوح.

 

ولما حد يسألها ليه…

 

كانت تقول:

 

— عشان لو قفل… هسمع الخطوات.

 

الأطباء سألوها:

 

— أي خطوات؟

 

كانت تسكت.

 

—

 

بعد أسبوع من رجوعها…

 

والدها دخل أوضتها.

 

كانت قاعدة قدام الشباك.

 

قال:

 

— ليان؟

 

— نعم؟

 

— في حد جاي يسأل عليكي.

 

بصت له.

 

— مين؟

 

— مجموعة من الباحثين.

 

— ليه؟

 

— عايزين يعرفوا تفاصيل عن الكهف.

 

ليان قامت بسرعة.

 

— لأ.

 

— ليه؟

 

— محدش يدخل هناك.

 

— بس يا بنتي…

 

— بابا، المكان مش ملك حد.

 

— أمال؟

 

— المكان نفسه خطر.

 

سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

— وعادل كان غلطان في حاجات كتير.

 

— يعني هو كان وحش؟

 

ليان فضلت ساكتة.

 

— مش عارفة.

 

— إزاي مش عارفة؟

 

— لأنه أنقذ حياتي.

 

— وفي نفس الوقت حبسِك.

 

ليان هزت راسها.

 

— عشان كده مش عارفة أحكم عليه.

 

—

 

بعد شهر…

 

رجعت ليان للجامعة.

 

لكنها ما رجعتش زي الأول.

 

بقت أكثر هدوءًا.

 

وأكثر اهتمامًا بالنباتات.

 

وأكتر حاجة لفتت انتباه الدكاترة…

 

إنها كانت بتتكلم عن النظام البيئي داخل الكهف وكأنها قضت عمرها كله بتدرسه.

 

عملت بحث عن النباتات اللي لقتها.

 

وأثبتت إن بعضها نوع نادر جدًا ما كانش معروف في المنطقة.

 

بحثها جذب اهتمام جامعات مختلفة.

 

لكن ليان رفضت نشر أي إحداثيات للمكان.

 

وقالت:

 

— العلم مش معناه إننا نكشف كل حاجة.

 

— ليه؟

 

— لأن في أماكن لو الناس دخلتها بدافع الفضول ممكن تدمرها.

 

—

 

بعد ست شهور…

 

وصل ظرف لبيت ليان.

 

مفيش اسم مرسل.

 

ولا عنوان.

 

جواه صورة واحدة.

 

صورة البومة الخشبية.

 

وفي ظهر الصورة مكتوب:

 

“لسه فاكرة الطريق؟”

 

ليان فضلت واقفة قدام الصورة.

 

والدها سألها:

 

— في إيه؟

 

خبّت الصورة بسرعة.

 

— مفيش.

 

لكن في نفس الليلة…

 

سمعت صوت.

 

صوت حجر صغير وقع في البلكونة.

 

فتحت الباب.

 

ما لقتش حد.

 

لكن لقت البومة الخشبية.

 

نفس الشكل.

 

نفس العلامة.

 

ليان مسكتها.

 

إيدها كانت بتترعش.

 

ولأول مرة من رجوعها…

 

ابتسمت.

 

لكن ابتسامتها ما كانتش خوف.

 

كانت كأنها فهمت رسالة.

 

—

 

بعد أيام…

 

ليان رجعت للجبل.

 

المرة دي مع فريق متخصص.

 

لكنها وقفت عند بداية الطريق.

 

قال قائد الفريق:

 

— مستعدة؟

 

قالت:

 

— أيوه.

 

دخلوا.

 

وصلوا للمكان.

 

لكن الكهف كان مختلف.

 

المدخل اللي خرجت منه اختفى.

 

الصخور اتحركت.

 

الممرات تغيرت.

 

ليان فضلت ماشية.

 

لحد ما وصلت لصخرة كبيرة.

 

حطت إيدها عليها.

 

وقالت:

 

— هنا.

 

بدأوا يحفروا بحذر.

 

بعد ساعات ظهر ممر.

 

دخلوا.

 

لكن الغرفة اللي كانت عايشة فيها…

 

كانت فاضية.

 

لا عادل.

 

لا أدوات.

 

لا صور.

 

لا شيء.

 

إلا جملة محفورة على الحائط:

 

“اللي يدخل هنا لازم يعرف إمتى يرجع.”

 

ليان قرأت الجملة.

 

وبعدين بصت للفريق.

 

— نرجع.

 

قالوا:

 

— لسه ما خلصناش.

 

هزت راسها.

 

— لأ.

 

— ليه؟

 

قالت:

 

— لأن المكان بيقول كفاية.

 

—

 

بعدها بسنة…

 

ليان تخرجت.

 

واختارت تشتغل في حماية المناطق الطبيعية.

 

كانت كل ما حد يسألها عن أغرب تجربة مرت عليها تقول:

 

— أوقات الإنسان بيكون محتاج يخرج من المكان اللي أنقذ حياته.

 

وكانوا يستغربوا.

 

— إزاي؟

 

فترد:

 

— لأن النجاة مش معناها إنك تفضل محبوس في نفس المكان.

 

لكنها عمرها ما قالت الحقيقة كاملة.

 

ولا قالت مين كان عادل.

 

ولا قالت إذا كان مات.

 

ولا إذا كان لسه عايش.

 

لحد ليلة…

 

بعد أربع سنين من اختفائها.

 

كانت ليان قاعدة في بيتها.

 

الساعة كانت اتنين بعد منتصف الليل.

 

والكل نايم.

 

سمعت صوت خفيف على باب الشقة.

 

ثلاث خبطات.

 

تك.

 

تك.

 

تك.

 

قامت.

 

قربت من الباب.

 

ما فتحتش.

 

سمعت صوت رجل من الخارج.

 

— ليان.

 

اتجمدت.

 

الصوت كان مألوف.

 

صوت ما نسيتهوش.

 

عادل.

 

قال:

 

— أنا مش جاي آخدك.

 

سكت.

 

— أنا جاي أقولك إن الكهف اتفتح تاني.

 

ليان قربت من الباب.

 

— ليه؟

 

قال:

 

— لأن فيه ناس دخلته.

 

— مين؟

 

صمت.

 

وبعدين قال:

 

— أبوكي.

 

قلبها وقع.

 

فتحت الباب.

 

لكن الممر كان فاضي.

 

ما كانش فيه حد.

 

بس على الأرض كانت فيه البومة الخشبية.

 

ليان التقطتها.

 

وقبل ما تقفل الباب…

 

وصلها تسجيل صوتي على موبايلها.

 

فتحت التسجيل.

 

سمعت صوت والدها.

 

صوته كان متقطع.

 

— ليان… لو وصل لك التسجيل ده… متجيش ورايا.

 

وبعدين صوت ارتطام.

 

وصمت.

 

وبعده صوت آخر.

 

صوت عادل.

 

— المرة دي… أنا اللي محتاج مساعدتك.

 

ليان فضلت واقفة.

 

وشها اتغير.

 

لأنها كانت عارفة حاجة واحدة بس.

 

إن الكهف اللي قضت فيه تلات سنين…

 

ما كانش مجرد كهف.

 

وإنها لما خرجت منه…

 

كانت فاكرة إنها سابت السر وراها.

 

لكن الحقيقة…

 

إن السر خرج معاها.

 

والمرعب أكتر…

 

إن والدها كان يعرف عن المكان من البداية.

 

لكن السؤال اللي فضل من غير إجابة:

 

ليه والدها دخل الكهف؟

 

وإيه اللي كان عادل بيحاول يحميها منه؟

 

وفي صباح اليوم التالي…

 

اختفت ليان مرة تانية.

 

لكن المرة دي…

 

هي اللي اختارت الطريق.

 

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى