روايات وقصص

حماتي

حطه على المكتب.

وبص لأمه.

— إنتِ كنتِ عارفة اللي جواه؟

قالت:

— عارفة جزء.

فتح الصندوق.

أول حاجة ظهرت كانت مجموعة مستندات.

وبعدين دفتر جلد.

وبعدين ظرف أبيض مكتوب عليه بخط أبو ياسين:

“إلى ابني ياسين.”

ياسين مسك الظرف.

إيده كانت بتترعش.

فتح الرسالة.

وقعد يقرأ.

أنا كنت واقفة جنبه.

وبعد أقل من دقيقة، شفت عينه بتدمع.

قلت:

— مكتوب إيه؟

ما ردش.

مد لي الورقة.

وقريت.

كان مكتوب:

“يا ابني ياسين

لو إنت بتقرأ الرسالة دي يبقى أنت بقيت أب.

وأنا كنت مستني اليوم ده من زمان.

مش عشان أديك فلوس.

ولا عشان أقولك البيت بتاعك.

أنا مستني اليوم اللي هتفهم فيه إن الراجل مش بيتقاس بالفلوس اللي في جيبه ولا بالبيت اللي عايش فيه.

بيتقاس بقدرته إنه يحمي بيته من غير ما يظلم حد.

أنا عارف إن أمك بتحبك.

وعارف إنها ممكن تخاف عليك زيادة.

لكن لو لقيت إنها بتحاول تتحكم في حياتك بعد ما تبقى أب وزوج، افتكر إن بر الوالدين مش معناه إنك تظلم زوجتك.

زوجتك لها حق.

وابنك له حق.

وأمك لها حق.

والعدل هو إنك تدي كل واحد حقه من غير ما تسلب حق التاني.

ولو في يوم حسيت إنك محتار بين إرضاء أمك وإرضاء بيتك، ما تختارش طرف ضد طرف.

اختار الصح.

أبوك.”

أنا وقفت عند آخر سطر.

وبصيت لنوال.

كانت بتعيط.

قالت:

— أبوك كان عارفني.

ياسين قال:

— عارفك إزاي؟

— عارف إني بخاف أخسرك.

سكتت.

وبعدين قالت:

— بعد وفاته أنا خفت إنك تسيبني.

ياسين رد:

— فخبيتي عني إن البيت بتاعي؟

— أيوه.

— واتعاملتي مع مراتي كأنها غريبة؟

نوال نزلت عينيها.

— أيوه.

— وهديتي أوضة ابنك؟

لأول مرة وشها اتكسر.

— أيوه.

ياسين قال:

— ليه؟

قالت:

— عشان كنت غبية.

أنا بصيت لها.

نوال كملت:

— كنت فاكرة إن لو خلتكوا تحتاجوني هتفضلوا حواليا.

وبعدين بصت لي.

— وأنا كنت فاكرة إنك لما تخلفي، هتاخدي ابني مني.

قلت لها بهدوء:

— أنا عمري ما كنت عايزة آخده منك.

قالت:

— عارفة.

وسكتت.

— بس أنا كنت خايفة.

ياسين قعد قدامها.

— ماما، الخوف مش مبرر إنك تكسري أوضة ابني.

قالت:

— عارفة.

— ولا إنك تتدخلي في حياتنا.

— عارفة.

— ولا إنك تعاملي مراتي كأنها دخيلة.

نوال بصت لي.

— وأنا غلطت.

أنا ما كنتش متوقعة أسمع منها الكلمة دي.

طول السنين اللي فاتت، كانت نوال عمرها ما اعتذرت.

حتى لما تكون هي الغلطانة، كانت دايمًا تلاقي سبب.

لكن المرة دي ما بررتش.

بس قالت:

— أنا غلطت.

ياسين فضل ساكت.

نوال قالت:

— عشان كده أنا رجعت.

— عشان تعتذري؟

— لأ.

وبعدين أشارت للصندوق.

— عشان أسلمك الأمانة.

ياسين بص للمستندات.

قال:

— إيه كل ده؟

— دي كل أوراق الشركة.

— الشركة لسه موجودة؟

نوال هزت راسها.

— أيوه.

— يعني إيه؟

— يعني أبوك قبل ما يموت كان محضر كل حاجة.

— وإيه اللي حصل بعدها؟

نوال قالت:

— حمدي حاول ياخدها.

ياسين قام فجأة.

— حاول ياخدها إزاي؟

— بعد وفاة أبوك، قال إن ليه نسبة كبيرة في الشركة.

— وليه؟

— عشان كان شريكه.

— وكان معاه أوراق؟

— كان معاه أوراق مزورة.

ياسين مسك الدفتر.

— وإنتِ عملتي إيه؟

— أخفيت كل المستندات الأصلية.

— ليه ما بلغتيش الشرطة؟

نوال قالت:

— لأن أبوك كان سايب لي تعليمات.

طلعت ورقة صغيرة.

— قال لي ما أتحركش غير لما تكون أنت جاهز.

ياسين ضحك بمرارة.

— يعني كنتِ شايلة السر ده كله لوحدك؟

— أيوه.

— وست سنين؟

— أيوه.

قلت:

— طب وحمدي؟

نوال قالت:

— رجع من فترة.

قلبي دق بسرعة.

— رجع؟

— أيوه.

ياسين سأل:

— وإنتِ عرفتي منين؟

— لأنه اتصل بيا.

— قالك إيه؟

نوال بصت لياسين.

— قال لي إن الوقت جه.

— وقت إيه؟

— وقت ما أبيع البيت.

سكتنا.

ياسين قال:

— أبيع البيت لمين؟

— ليه.

— ليه هو؟

— لأنه عايز الأرض.

ياسين بص للمستندات.

— بس البيت بتاعي.

— عشان كده كان عايزني أضغط عليك.

— وإنتِ رفضتي؟

نوال قالت:

— في الأول كنت بفكر أوافق.

أنا بصيت لها.

قالت:

— وبعدها شفتك امبارح.

وسكتت.

— شفتك وأنت بتطردني.

ياسين قال:

— وده خلاكي تغيري رأيك؟

قالت:

— لأ.

— أمال إيه؟

قالت:

— خلاني أفهم إن ابني كبر.

دموعها نزلت.

— وأنا اللي كنت بحاول أرجعه طفل تاني.

ما حدش اتكلم.

وبعدين قالت:

— عشان كده هديتلكوا البيت كله النهارده.

ياسين استغرب.

— إزاي؟

قالت:

— الورق اللي في الصندوق ده مش بس بتاع الشركة.

طلعت ورقة.

— ده تنازل رسمي عن أي حق ليا في البيت.

ياسين بص لها.

— إنتِ عملتي كده إمتى؟

— قبل ما أرجع.

— يعني كنتِ مخططة لكل ده؟

— أيوه.

— ليه؟

قالت:

— عشان لو أنا فضلت ماسكة في البيت، هفضل أفتكر إن لي حق أتحكم فيكوا.

وبعدين قالت:

— وأنا مش عايزة أبقى أم بالشكل ده تاني.

أنا حسيت بحاجة في قلبي.

يمكن لأول مرة فهمت إن نوال ما كانتش شريرة زي ما كنت متخيلة.

كانت ست خايفة.

لكن خوفها خلّاها تؤذي اللي حواليها.

ياسين قال:

— طب هتروحي فين؟

نوال ابتسمت.

— عند أختي.

— ومش هترجعي؟

— لو عزمتنيوا.

ياسين سكت.

نوال قامت.

قالت:

— بس في حاجة أخيرة.

— إيه؟

— أوضة البيبي.

بصيت لها.

قالت:

— أنا اللي هصلحها.

ياسين قال:

— ماما…

قاطعت كلامه.

— لأ.

وبصت لي.

— دي حاجة لازم أعملها بإيدي.

قلت:

— مش لازم.

قالت:

— لازم.

وفي اليوم ده، نوال فضلت في البيت.

مش كصاحبة بيت.

ولا كست كبيرة بتدي أوامر.

لكن كإنسانة بتحاول تصلح غلطة عملتها.

جابت صنايعي.

صلحت الحيطة.

دهنت الأوضة.

ورجعت كل حاجة مكانها.

لكن كان فيه شيء واحد ناقص.

السرير الصغير اللي اتكسر.

نوال قالت:

— أنا هجيبه.

قلت:

— مش مهم.

قالت:

— لأ، مهم.

وفي اليوم اللي بعده، رجعت بسرير جديد.

كان أجمل من اللي كان عندنا.

وحطته بنفسها في نص الأوضة.

وبعدين حطت عليه بطانية صغيرة.

وقعدت تبص لها.

قالت:

— نفسي أشوفه وهو بينام هنا.

أنا ما عرفت أرد.

ياسين كان واقف عند الباب.

قال:

— هتشوفيه.

بصت له.

— يعني؟

— يعني لما البيبي ييجي، هتكوني جدته.

ابتسمت.

— لو سمحتولي.

قلت:

— طبعًا.

لكن الحكاية ما انتهتش هنا.

لأن بعد أسبوع، حصلت حاجة قلبت كل شيء.

كنت في البيت لوحدي.

ياسين كان في الشغل.

وفجأة جرس الباب رن.

فتحت.

لقيت راجل واقف.

أول ما شافني قال:

— مدام مريم؟

قلت:

— أيوه.

— أنا محامي الأستاذ حمدي.

قلبي دق.

— حضرتك عايز إيه؟

طلع ورقة.

— جاي أسلم حضرتك إنذار.

أخدت الورقة.

قريتها.

كان فيها طلب بإخلاء البيت.

قفلت الباب.

اتصلت بياسين فورًا.

أول ما رد قلت:

— ياسين، تعالى بسرعة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى