روايات وقصص

لزهرة الربيع

دعاء ردت:

“أنا مسامحاكي.”

أمي قالت:

“بس أنا عارفة إنك مش هتنسى.”

دعاء قالت:

“النسيان مش شرط.”

“المهم إننا مانكررش.”

وأختي اعتذرت هي كمان.

والبيت اللي كان مليان كلام جارح، بقى هادي.

بعد حوالي سنة، كنت راجع من الشغل.

لقيت دعاء قاعدة مع العيال.

بصتلي وقالت:

“محمود.”

قلت:

“نعم؟”

قالت:

“فاكر يوم المحامي جه؟”

ضحكت.

“أنساه إزاي؟”

قالت:

“كنت فاكر إنك خسرت.”

قلت:

“كنت فاكر إن حياتي انتهت.”

قالت:

“وأنا كنت فاكرة إن جواك لسه حاجة تستاهل الإنقاذ.”

سكت.

قالت:

“وعشان كده اديتك فرصة.”

قعدت جنبها.

وقلت:

“أنا لحد دلوقتي مش عارف ليه استحملتي.”

قالت:

“عشان كنت عايزة أتأكد.”

“من إيه؟”

قالت:

“إن اللي اتجوزته كان محمود، مش الراجل اللي مستني فلوس أبويا.”

ضحكت رغم دموعي.

وقلت:

“ولو الزمن رجع؟”

قالت:

“كنت هتعمل إيه؟”

قلت:

“كنت هحبك من غير ما أستنى ورث.”

ابتسمت.

وقالت:

“يبقى اتعلمت.”

بعدها بمدة، المحامي سامح اتصل بدعاء وقال لها إن في جزء من التركة كان عليه نزاع مع إخواتها.

دعاء ما دخلتش في خناقة.

راحت لهم.

وقالت:

“دي فلوس أبويا.”

“وهو قسمها.”

“أنا مش عايزة أعيش معاكم في حرب.”

واتفقوا.

كل واحد أخد حقه.

وأنا اتعلمت حاجة عمري ما كنت أتخيل إني هتعلمها.

إن الإنسان ممكن يبقى معاه ملايين ويعيش فقير.

وممكن يبقى ما معاهوش جنيه ويكون أغنى إنسان في الدنيا.

أنا كنت فاكر إن الورث هو اللي هيحدد قيمة دعاء.

لكن بعد كل اللي حصل، اكتشفت إن أكبر ورث أخدته دعاء من أبوها ما كانش الأرض ولا العقارات ولا الحسابات.

كان درسًا.

هو عرف إن الفلوس ممكن تغيّر الناس.

فحاول يحمي بنته.

وأنا كنت من الناس اللي محتاجة الدرس أكتر من غيري.

وفي آخر مرة شفت فيها رسالة أبوها، وقفت عند آخر سطر طويلًا.

“الفلوس اللي كنت فاكرها هدف، كانت مجرد اختبار.”

وقتها فهمت إن الراجل ما كانش بيختبرني أنا بس.

كان بيختبرني قدام نفسي.

وطلعت النتيجة واضحة جدًا.

أنا فشلت.

لكن دعاء، رغم كل اللي عملته فيها، ادتني فرصة أبدأ من جديد.

ومع مرور السنين، بقيت كل ما حد يسألني عن أكبر غلطة عملتها في حياتي، ما أقولش إني خسرت فلوس.

أنا أقول:

“أكبر غلطة إني في يوم من الأيام قست قيمة مراتي بالفلوس اللي توقعت إنها هتورثها.”

وبعدين أسكت شوية.

وأقول:

“لأني اكتشفت متأخر إن اللي كنت بدور عليه في ورث أبوها، كان موجود في البيت قدامي طول السنين.”

“كانت هي.”

“مش الأرض.”

“مش العقارات.”

“مش الملايين.”

“هي.”

وفي يوم من الأيام، وإحنا قاعدين أنا ودعاء في البلكونة، سألتها:

“إنتِ ليه ما طردتينيش يوم ما عرفتي كل حاجة؟”

ضحكت وقالت:

“كنت مستنية أشوف إذا كنت هتفهم لوحدك.”

قلت:

“ولو ما فهمتش؟”

بصتلي وقالت:

“كنت همشي.”

سكت.

ثم قالت:

“بس الحمد لله إنك فهمت قبل ما يكون الوقت فات.”

بصيت لها وقلت:

“أنا كل يوم بحمد ربنا إنك ما مشيتيش.”

قالت:

“وأنا كل يوم بحمد ربنا إن أبويا علمني إن الإنسان يتشاف وقت الضيق.”

مسكت إيدها.

وقلت:

“وإنتِ علمتيني إن الإنسان ممكن يقع، بس مش لازم يفضل واقع.”

ابتسمت.

وفي اللحظة دي، فهمت أخيرًا سر سكوتها.

هي ما كانتش ضعيفة.

ولا مكسورة.

ولا من غير كرامة.

هي كانت ساكتة لأنها كانت بتختبر الحقيقة.

كانت عارفة إن الأيام هتكشف اللي مستخبي.

وكانت عارفة إن أبوها ترك لها مالًا كثيرًا.

لكنها كانت عايزة تعرف:

لو المال اختفى من عيني…

هل هفضل أشوفها؟

ولما اختفت الفلوس من عيني، اختفت دعاء كمان.

وده كان أكبر دليل على إن مشكلتي عمرها ما كانت الفلوس.

مشكلتي كانت أنا.

الطمع اللي خلاني أشوف الإنسان كأنه حساب بنكي.

والغرور اللي خلاني أفتكر إن الست لازم تتمسك بيا مهما عملت.

والجهل اللي خلاني أصدق إن سكوتها ضعف.

مع إن سكوتها كان أقوى رد عليا.

والأغرب من كل ده إن اليوم اللي افتكرت فيه إني خسرت كل حاجة، كان هو اليوم اللي بدأت فيه أملك أهم حاجة في حياتي.

مراتي.

لكن المرة دي…

مش عشان ورث أبوها.

عشان هي دعاء.

الست اللي وقفت جنبي قبل ما يكون عندها ملايين.

والست اللي قدرت ترد لي كل الإهانة بكلمة واحدة:

“أنا سامحتك.”

ومن يومها، كل ما أشوف حد بيقيس الناس بفلوسهم، أفتكر نفسي.

وأقول له:

“خلي بالك.”

“أحيانًا ربنا بيشيل من قدام عينك الحاجة اللي إنت فاكرها كل قيمتك، عشان يوريك قيمة الحاجة اللي كنت مش شايفها.”

وأنا كنت محتاج أخسر دعاء في عيني…

عشان أعرف قيمتها.

والحمد لله…

إني فهمت قبل ما أخسرها من حياتي للأبد.

بعد اللي حصل كله، كنت فاكر إن أصعب حاجة عدت عليا هي اليوم اللي عرفت فيه إن كل أملاك حمايا بقت باسم دعاء.

لكن بعد سنين، فهمت إن ده ماكانش أصعب يوم.

أصعب يوم كان اليوم اللي وقفت فيه قدام المراية واكتشفت إني كنت عايش سنين كاملة مع ست عظيمة، ومع ذلك ماكنتش شايفها.

كنت شايف أبوها.

شايف الأرض.

شايف البيوت.

شايف الحسابات.

شايف الملايين.

لكن ماكنتش شايف دعاء.

ويمكن دي كانت أقسى عقوبة اتعرضت لها في حياتي.

مش إني افتكرت إنها فقيرة.

ولا إني عرفت إنها غنية.

العقوبة الحقيقية إني اكتشفت إن الإنسان اللي كنت بدوس على كرامته كل يوم كان هو نفسه الإنسان الوحيد اللي كان ممكن يقف جنبي لو الدنيا كلها وقعت.

بعد ما خلصت حكاية التركة، البيت اتغير.

مش بس عشان دعاء بقت صاحبة أملاك.

لأ.

البيت اتغير لأن كل واحد فينا عرف مكانه الحقيقي.

أمي ما بقتش تقدر تقول لدعاء كلمة جارحة.

أختي ما بقتش تدخل المطبخ وتديها أوامر.

وأنا نفسي بقيت كل مرة أرفع صوتي ألاقي نفسي بسأل:

“أنا بتكلم كده ليه؟”

لأن الصوت العالي كان بقى يخوفني من نفسي.

كنت فاكر زمان إن الراجل لما يرفع صوته على مراته يبقى قوي.

لكن بعد اللي حصل، عرفت إن القوة مش في إنك تخلي اللي قدامك يخاف منك.

القوة إنك تقدر تتحكم في غضبك حتى وإنت قادر تجرح.

ودعاء كانت أول واحدة علمتني ده من غير ما تتكلم.

في أول شهور بعد المصالحة، كانت العلاقة بينا غريبة.

كنا قاعدين في نفس البيت، بناكل على نفس السفرة، بنسأل على العيال، بنتكلم في مصاريف البيت، لكن كان فيه حاجز بينا.

حاجز أنا اللي بنيته بإيدي.

كنت أوقات أبص لها وهي نايمة، وأفتكر شكلها وهي داخلة أوضة العيال وهي بتعيط.

كنت أفتكر الليالي اللي كنت أسمع فيها شهقتها من ورا الباب، وأطنش.

كنت عارف إنها بتبكي.

وكنت بتعمد ما أروحش لها.

كنت فاكر إن قسوتي هتخليها تخضع.

لكن لما افتكرت ده بعدين، كنت بحس إني عايز أرجع بالزمن وأضرب نفسي قبل ما أمد إيدي بكلمة واحدة عليها.

مرة سألتني:

“إنت سرحان في إيه؟”

قلت لها:

“في حاجات عملتها فيكي.”

سكتت.

قلت:

“نفسي أنساها.”

قالت:

“أنا مش عايزاك تنساها.”

استغربت.

“ليه؟”

قالت:

“عشان ما تكررهاش.”

الجملة فضلت في دماغي أيام.

وفعلًا ما نسيتش.

بقيت كل ما أتعصب، أفتكر وشها وهي ساكتة.

أفتكر إنها كانت تقدر في لحظة واحدة تقول لإخواتها:

“جوزي عاملني وحش.”

وكان ممكن حياتي تنتهي.

لكنها ما عملتش.

مش لأنها ضعيفة.

لكن لأنها ما كانتش عايزة تحول بيتها لساحة حرب.

ومع ذلك، أنا فهمت بعدين إن سكوتها مش معناه إنها قبلت الإهانة.

هي كانت بتديني فرصة.

والفرصة مش معناها إنك تضمن إن الشخص هيفضل مستنيك للأبد.

وده درس ما فهمتوش غير متأخر.

في يوم، رجعت من الشغل ولقيت دعاء قاعدة على السفرة قدامها ورق كتير.

قلت:

“إيه ده؟”

قالت:

“حسابات.”

قعدت جنبها.

“بتعملي إيه؟”

قالت:

“بقسم جزء من الفلوس.”

قلت:

“على إخواتك؟”

قالت:

“لأ.”

“على مين؟”

قالت:

“على ناس محتاجة.”

بصيت لها.

“هتتصدقي بكل ده؟”

قالت:

“مش كله.”

وبعدين قالت:

“بابا كان بيحب يساعد الناس.”

“وأنا عايزة أكمل حاجة كان بيعملها.”

سكت.

وبعدين سألتها:

“طب ليه ما تشتريش حاجة لنفسك؟”

ضحكت.

“أنا عندي.”

“عندك إيه؟”

قالت:

“بيت.”

“وأولاد.”

“وصحة.”

“وأمان.”

“والحمد لله مش محتاجة أكتر من كده.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى