
دموعي نزلت غصب عني.
حاولت أتكلم:
“أنا غلطت.”
قالت:
“غلطت؟”
رفعت عيني لها.
قالت:
“الغلط إنك تنسى مفتاح العربية أو تنسى تجيب حاجة من السوق.”
“إنما إنك تهين إنسانة كل يوم لمدة تلات شهور، وتكسرها قدام ولادها، وتخلي أمك وأختك يهينوها، دي مش غلطة.”
سكت.
المحامي فضل ساكت.
دعاء كملت:
“أنا كنت مستنية أشوف هتختارني أنا ولا الفلوس.”
قلت:
“أنا اختارتك.”
ابتسمت ابتسامة موجوعة.
“إنت ما اختارتنيش.”
“إنت اختارت نفسك.”
وبعدها بصت للمحامي وقالت:
“هات له باقي الورق.”
المحامي طلع مجموعة مستندات.
وقال:
“دي عقود الأراضي.”
حطهم قدامي.
“ودي العقارات.”
ورقة ورا ورقة.
“وده كشف الحساب.”
“وده عقد الشركة.”
“وده البيت اللي حضرتك ساكن فيه دلوقتي.”
اتخضيت.
“البيت؟”
قال:
“بيت والد دعاء.”
بصيت حواليا.
البيت اللي كنت طول الوقت بقول إنه بيتنا.
اللي كنت فاكر إني قاعد فيه بإمكاني.
طلع باسمها.
قال المحامي:
“والدها اشتراه وسجله باسمها قبل زواجها.”
دعاء قالت:
“عشان لو حصل أي ظرف.”
أنا قعدت على الكرسي.
حسيت إني صغير جدًا.
أصغر من أي وقت في حياتي.
بعدها المحامي طلع ورقة أخيرة.
“ودي رسالة من والدك.”
بصيت له باستغراب.
قال:
“والد دعاء كتبها قبل وفاته وطلب مني أسلمها لك لو حصل اللي حصل.”
مد إيده بالظرف.
كان مكتوب عليه بخط راجل كبير:
“إلى محمود زوج بنتي.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
وقريت:
“يا محمود.”
“لو أنت بتقرأ الكلام ده، يبقى غالبًا دعاء قالت لك الحقيقة.”
“أنا مش عارف هتكون عملت فيها إيه، ومش عايز أعرف.”
“أنا أبوها، وأعرف بنتي.”
“دعاء مش محتاجة فلوس عشان تكون غالية.”
“ولو أنت شايف إن قيمة الست في اللي أبوها يسيبه لها، يبقى أنت محتاج تعيد حساباتك.”
وقفت.
دموعي نزلت على الورقة.
وكملت.
“أنا ما حرمتش إخواتها.”
“أنا أعطيت كل واحد منهم نصيبه، واديت دعاء نصيبها.”
“والفرق إن نصيب دعاء كان أكبر لأن جزءًا من الأملاك كان أصلاً مملوكًا لها قبل وفاتي.”
“لكن أنا حطيت شرط.”
“لو محمود احترمها وصانها، يفضل زوجها وشريكها.”
“ولو أهانهـا أو احتقرها أو مد إيده عليها أو استغلها، يبقى كل واحد في طريقه.”
“مش هسيب بنتي مع راجل بيحبها عشان فلوسها.”
“وصدقني يا محمود، لو خسرت دعاء، أنت مش هتخسر ست بس.”
“أنت هتخسر الإنسانة الوحيدة اللي كانت مستعدة تفضل جنبك لو بقيت فقير.”
آخر سطر كان:
“الفلوس اللي كنت فاكرها هدف، كانت مجرد اختبار.”
الورقة وقعت من إيدي.
فضلت ساكت.
دعاء قامت.
قلت بسرعة:
“رايحة فين؟”
قالت:
“أوضة العيال.”
قمت وراها.
“دعاء استني.”
وقفت.
قلت:
“أنا هصلح كل حاجة.”
ردت:
“مش هتعرف.”
“ليه؟”
قالت:
“لأن في حاجات لما بتتكسر، حتى لو اتصلحت، بتفضل فيها شروخ.”
سكت.
قالت:
“أنا مش عايزة فلوسك.”
“ولا عايزة تعتذرلي كل يوم.”
“أنا عايزة أعرف بس إنت كنت بتحبني ولا كنت بتحب اللي كنت فاكره هاجيبهولك.”
ماعرفتش أجاوب.
ودي كانت أول مرة في حياتي أحس إني عاجز.
لأن الإجابة اللي كنت نفسي أقولها ما كانتش الحقيقة الكاملة.
أنا كنت بحب دعاء.
لكن حبي كان ملوث بالطمع.
والمصيبة إن الطمع لما دخل بينا، خلاني أشوفها كأنها صفقة.
في نفس الليلة، ما نمتش.
قعدت في الصالة لوحدي.
فتحت التليفون.
بدأت أفتكر صورنا.
أول يوم اتجوزنا.
أول عيد.
أول مرة حملت فيها.
وقفت جنبي لما خسرت شغل.
دفعت من مرتبها مصاريف البيت من غير ما تذلني.
ولما كنت مريض، فضلت جنب سريري يومين.
ولما أمي احتاجت علاج، هي اللي جريت وجابته.
وأنا؟
أول ما افتكرت إن أبوها ما سابش لها حاجة، مسحت كل ده من دماغي.
الصبح، دخلت أمي.
قالت:
“صاحي ليه؟”
ما رديتش.
قالت:
“دعاء قالت إن المحامي جه.”
بصيت لها.
“أيوه.”
قالت:
“وقال إيه؟”
قلت:
“إن كل أملاك أبوها تقريبًا باسمها.”
أمي سكتت.
وشها اتغير.
وقالت:
“يعني… دعاء معاها فلوس؟”
ضحكت بمرارة.
“مش فلوس يا أمي.”
“دي ملايين.”
عينيها لمعت.
قالت:
“طب ما كويس.”
وقتها لأول مرة حسيت بالغضب من أمي.
قلت:
“كويس؟”
قالت:
“آه يا ابني، كويس ليكم.”
قلت:
“ليكم؟”
سكتت.
“إنتِ فاكرة إنها هتديكي حاجة بعد اللي عملتيه فيها؟”
قالت:
“أنا كنت بهزر.”
صرخت:
“كنتِ بتهيني مراتي كل يوم!”
قالت:
“ما أنت كنت موافق.”
الكلمة وجعتني.
لأنها كانت الحقيقة.
أنا فعلًا كنت موافق.
بل أنا اللي كنت بشجعهم.
أختي دخلت وقتها وقالت:
“هو الموضوع طلع بجد؟”
بصيت لها.
“أيوه.”
قالت:
“طب دعاء هتعمل إيه؟”
قلت:
“مش عارف.”
قالت:
“إنت لازم تلحقها.”
بصيت لها.
“ألحقها ليه؟”
قالت:
“يا محمود، دي بقت غنية.”
ساعتها انفجرت.
قلت:
“هي كانت إنسانة قبل ما تبقى غنية!”
سكتوا.
وأنا نفسي اتصدمت من الجملة.
لأني كنت أول واحد نسي ده.
بعد يومين، دعاء بدأت تنقل أوراقها البنكية وتراجع حساباتها.
ما طلبتش مني حاجة.
ولا طلبت مني أخرج من البيت.
ولا حتى فضحتني قدام إخواتها.
وده كان أصعب عليا من أي انتقام.
كنت مستني منها تذلني.
تقول لي:
“شايف؟”
“أهو أنا اللي معايا.”
لكنها ما عملتش.
كانت هادية.
وكأنها مش عايزة تنتقم.
بس عايزة تنجو.
وفي اليوم الخامس، طلبت مني أقعد معاها.
قعدنا في الصالة.
قالت:
“أنا قررت أديك فرصة.”
قلبي دق.
قلت:
“بجد؟”
قالت:
“فرصة مش عشان الفلوس.”
سكت.
“عشان العيال.”
قلت:
“هعمل أي حاجة.”
قالت:
“مش عايزة أي حاجة.”
“عايزة حاجات بسيطة.”
“أولها إنك تبطل تشوفني مشروع وراثة.”
هزيت راسي.
“تاني حاجة إنك تعتذر لأمي.”
قلت:
“لأمك؟”
قالت:
“أيوه.”
“لأنك يوم وفاة أبويا دعيـت عليه قدام إخواتي.”
سكت.
“وأمي رغم كل اللي حصل، عمرها ما سمحت لحد يهين أبويا بعد موته.”
هزيت راسي.
“هعتذر.”
قالت:
“وثالث حاجة، تروح تعتذر لإخواتي.”
اتخضيت.
“إخواتك؟”
قالت:
“إنت أهنت أبوهم.”
“وقلت كلام كبير.”
“حتى لو هما غلطوا في حقك، ده مش مبرر.”
وافقت.
وفعلًا روحت لهم.
أول ما دخلت، الكبير قام.
قال:
“جاي تعمل إيه؟”
قلت:
“جاي أعتذر.”
سكت.
قلت:
“أنا غلطت في حق أبوكم.”
“وغلطت في حق دعاء.”
“وغلطت في حق نفسي.”
أخوه الأصغر قال:
“إنت كنت فاكر إن أختنا مش هتلاقي حد غيرك.”
قلت:
“أيوه.”
“وكنت فاكر إن فلوس أبوها هي اللي هتخليها تستاهل.”
“أيوه.”
“دلوقتي عرفت إنك كنت فقير.”
بصيت له.
“أيوه.”
قال:
“فقير فلوس؟”
قلت:
“لأ.”
“فقير عقل.”
ما رديتش.
لأنها كانت الحقيقة.
بعد فترة، بدأت أشتغل من جديد.
دعاء عرضت عليا مبلغ كبير أبدأ بيه مشروع.
رفضت.
قالت:
“ليه؟”
قلت:
“لأني لو أخدته منك دلوقتي، مش هعرف طول عمري هل أنا كسبته ولا إنتِ ادتهولي عشان تسكتي ضميرك.”
بصتلي لأول مرة بنظرة فيها احترام.
قالت:
“طب هتبدأ بإيه؟”
قلت:
“بإيدي.”
وبدأت فعلًا.
اشتغلت في تجارة بسيطة.
فشلت مرة.
وخسرت جزء من فلوسي.
لكن المرة دي ما بصتش لدعاء.
ولا طلبت منها تنقذني.
كنت عايز أتعلم يعني إيه الواحد يبقى راجل مسؤول عن نفسه.
ومع الوقت، علاقتنا بدأت تهدى.
مش رجعت زي الأول.
لأن الثقة مش زرار بتدوسي عليه فتشتغل.
كانت بتتبني حتة حتة.
دعاء بقت مستقلة في فلوسها.
وأنا بقيت مستقل في شغلي.
وأمي بدأت تتغير.
وفي يوم، أمي راحت لدعاء وقالت لها:
“سامحيني.”




