روايات وقصص

ابني عنده 13 سنه حكايات صافي هاني

“إنتِ ما عملتيش كده.”

 

“عملت.”

 

“لا.”

 

“كنتِ شايفني بتعب.”

 

“بس أنا اللي اخترت.”

 

“وأنا كان لازم أفهم.”

 

ابتسم.

 

“دلوقتي فهمتي.”

 

ضحكت وسط دموعي.

 

“أيوه.”

 

في اللحظة دي، صوت تليفون سال رن.

 

بص فيه.

 

ملامحه اتغيرت.

 

قلت:

 

“في إيه؟”

 

قال:

 

“المستشفى.”

 

رد.

 

سمعنا صوته بيقول:

 

“أيوه… أيوه أنا أخوها.”

 

سكت.

 

وبعدين قال:

 

“إيه؟”

 

وشه شحب.

 

قربت منه.

 

“في إيه؟”

 

قفل المكالمة.

 

قال:

 

“أختي خرجت من المستشفى.”

 

إيفان اتقدم.

 

“هي كويسة؟”

 

سال بص له.

 

ابتسم لأول مرة من وقت ما دخلنا.

 

“أيوه.”

 

وبعدين قال:

 

“الدكتور قال إن العلاج بدأ يجيب نتيجة.”

 

إيفان ابتسم.

 

ابتسامة كبيرة.

 

ولأول مرة من شهور، شفت على وشه شكل طفل عنده تلتاشر سنة.

 

مش عامل مطعم.

 

مش مسؤول عن بيت.

 

مش شخص شايل مرض حد.

 

مجرد طفل فرحان.

 

قال:

 

“يعني هتخف؟”

 

سال قال:

 

“إن شاء الله.”

 

إيفان قال:

 

“الحمد لله.”

 

وبعدين بص لي.

 

“ممكن نشتري العجلة بقى؟”

 

ضحكت.

 

“أيوه.”

 

قال:

 

“بجد؟”

 

قلت:

 

“بس بشرط.”

 

“إيه؟”

 

“أنا اللي هشتريها.”

 

هز راسه.

 

“لا.”

 

ضحكت.

 

“إيه لا دي؟”

 

“أنا اللي هشتريها.”

 

“إنت لسه عندك فلوس؟”

 

طلع من جيبه ظرف صغير.

 

قال:

 

“آه.”

 

فتحه.

 

جواه مبلغ متواضع.

 

قال:

 

“ده اللي فضل.”

 

بصيت له.

 

“إنت كنت مخبيه؟”

 

“أيوه.”

 

“طب ما كنتش عايز تصرفه؟”

 

ابتسم.

 

“ده تمن العجلة.”

 

قلت:

 

“بس مش كامل.”

 

قال:

 

“هكمله.”

 

“إزاي؟”

 

بص لسال.

 

سال ضحك.

 

“من غير ما تشتغل.”

 

إيفان اعترض:

 

“بس…”

 

قلت:

 

“من غير بس.”

 

رجعنا البيت في نفس اليوم.

 

وأنا طول الطريق ما كنتش قادرة أبطل أفكر في الشهور اللي فاتت.

 

في كل مرة كان ابني يرجع فيها بريحة المواعين.

 

في كل مرة كنت أسأله عن العجلة.

 

في كل مرة كان يبتسم ويقول:

 

“قربت.”

 

وأنا كنت فاكرة إن الطفل بيكدب عليا.

 

لكن الحقيقة إنه كان بيخبي عني شيئًا أكبر.

 

مش شر.

 

مش سرًا يخوف.

 

كان بيخبي قلبه.

 

وصلنا البيت.

 

إيفان دخل أوضته.

 

بعد شوية ناداني.

 

“ماما.”

 

“نعم؟”

 

“تعالي.”

 

دخلت.

 

كان واقف قدام مكتبه.

 

على الحيطة كان معلق صورة أبوه.

 

وبجانبها ورقة صغيرة.

 

قلت:

 

“إيه دي؟”

 

قال:

 

“الوعد.”

 

بصيت للورقة.

 

“هتفضل محتفظ بيها؟”

 

قال:

 

“أيوه.”

 

قلت:

 

“بس الوعد ده مش معناه إنك تشيل همي.”

 

هز راسه.

 

“عرفت.”

 

“معناه إيه بقى؟”

 

فكر شوية.

 

وقال:

 

“إني أحبك.”

 

حضنته.

 

وقلت:

 

“ده الوعد الوحيد اللي محتاجه.”

 

عدت أيام.

 

ولأول مرة من ست شهور، يوم السبت جه وإيفان ما نزلش المطعم.

 

صحى متأخر.

 

فطر.

 

وبعدين قعد يذاكر.

 

وبعد الظهر سألني:

 

“ماما، هنروح نشوف العجلة إمتى؟”

 

قلت:

 

“بعد ما تخلص مذاكرة.”

 

قال:

 

“ساعة.”

 

“ساعة ونص.”

 

“ساعة.”

 

“ساعة ونص.”

 

“خلاص.”

 

ضحك.

 

وبعد ما خلص، أخدته وروحنا المحل.

 

أول ما دخلنا، عينه راحت للواجهة.

 

العجلة السودا المطفي.

 

والكتابة البرتقالي.

 

نفس الموديل.

 

نفس اللون.

 

نفس الحاجة اللي كان بيبص عليها كل مرة.

 

وقف قدامها.

 

ما لمسهاش.

 

بس بص عليها.

 

قلت للبائع:

 

“ممكن تنزلها؟”

 

إيفان بص لي.

 

“ماما…”

 

قلت:

 

“اختار.”

 

قال:

 

“دي.”

 

البائع نزلها.

 

إيفان مسك المقود.

 

جرب الفرامل.

 

لف العجلة.

 

وسأل عن الغيارات.

 

كان حافظ كل حاجة.

 

ضحكت.

 

“إنت كنت حافظها فعلًا.”

 

قال:

 

“قلت لك.”

 

اشتريتها له.

 

ولما خرجنا من المحل، كان واقف جنبها ومش عايز يركب.

 

قلت:

 

“مالك؟”

 

قال:

 

“حاسس إنها غالية.”

 

قلت:

 

“دي مش غالية.”

 

“بالنسبة لي كانت غالية.”

 

قربت منه.

 

وقلت:

 

“دلوقتي مش تمن العجلة هو اللي مهم.”

 

“أمال إيه؟”

 

“إنك ترجع تبقى طفل.”

 

بص لي.

 

وبعدين ركب.

 

مشى بالعجلة قدامي.

 

كان بيضحك.

 

وأنا ماشية وراه.

 

ولأول مرة من شهور، ما كانش فيه قلق.

 

ما كانش فيه سر.

 

ما كانش فيه ظرف مخبي.

 

ما كانش فيه طفل بيعد فلوسه بالليل.

 

كان فيه ابني.

 

بس.

 

بعدها بأسبوعين، روحنا نزور سال وأخته.

 

كانت حالتها أحسن.

 

وأول ما شافت إيفان، حضنته.

 

وقالت له:

 

“إنت اللي كنت بتجيب لي الدوا؟”

 

إيفان اتكسف.

 

بص لسال.

 

سال قال:

 

“أيوه.”

 

قالت:

 

“ربنا يكرمك يا حبيبي.”

 

إيفان رد:

 

“أنا ما عملتش حاجة.”

 

بصيت له.

 

وقلت:

 

“عملت.”

 

ابتسم.

 

بعد ما خرجنا، مشينا شوية.

 

وبعدين إيفان قال:

 

“ماما.”

 

“نعم؟”

 

“أنا كنت خايف أقولك.”

 

“عارفة.”

 

“كنت فاكر إنك هتزعقي.”

 

“كنت هزعق.”

 

بص لي.

 

ضحكت.

 

“بس مش عشان ساعدت حد.”

 

قال:

 

“أمال؟”

 

“عشان خليتني أعيش ست شهور وأنا فاكرة إنك بتكدب عليا.”

 

ضحك.

 

“آسف.”

 

“وأنا كمان آسفة.”

 

“على إيه؟”

 

“على حاجات كتير.”

 

مشي شوية وهو بيزق العجلة جنبنا.

 

وبعدين قال:

 

“ممكن أسألك سؤال؟”

 

“اسأل.”

 

“لو بابا كان عايش… كان هيبقى فخور بيا؟”

 

وقفت.

 

بصيت له.

 

وقلت:

 

“كان هيبقى فخور بيك جدًا.”

 

سكت.

 

“بس كان هيقولك حاجة.”

 

“إيه؟”

 

“كان هيقولك إن الرجولة مش إنك تشيل الدنيا لوحدك.”

 

بص لي.

 

“أمال إيه؟”

 

قلت:

 

“إنك تعرف إمتى تساعد، وإمتى تطلب المساعدة.”

 

ابتسم.

 

وبعدين ركب العجلة.

 

وانطلق قدامي.

 

فضلت أبص عليه لحد ما بعد شوية لف ورجع لي.

 

“ماما!”

 

“إيه؟”

 

“العجلة حلوة أوي!”

 

ضحكت.

 

“قلت لك.”

 

قال:

 

“بس تعرفي؟”

 

“إيه؟”

 

“أنا كنت ممكن أستنى عليها سنة كمان.”

 

سألته:

 

“ليه؟”

 

قال:

 

“عشان كنت عايز أحس إني أنا اللي جبتها.”

 

ابتسمت.

 

“وإنت فعلًا اللي جبتها.”

 

هز راسه.

 

“بفلوسي.”

 

قلت:

 

“وبتعبك.”

 

سكت.

 

فقلت له:

 

“بس المرة الجاية لما تحوش فلوس… قولي.”

 

قال:

 

“حاضر.”

 

“ولو عايز حاجة…”

 

“هقولك.”

 

“ولو عندك مشكلة…”

 

“هقولك.”

 

“ولو خايف…”

 

“هقولك.”

 

“ولو حد محتاج مساعدة؟”

 

فكر.

 

وبعدين قال:

 

“هساعده.”

 

ضحكت.

 

“بس بعد ما أقول لماما.”

 

قال:

 

“اتفقنا.”

 

ومن يومها، كل ما كنت أشوف العجلة السودا البرتقالي وهي متعلقة جنب باب البيت، كنت أفتكر الست شهور اللي فاتوا.

 

وأفتكر إننا أحيانًا بنفتكر إن أولادنا بيخبوا عننا أسوأ الحاجات.

 

لكن الحقيقة إن الطفل ممكن يخبي عنك حاجة لأنه خايف يحمّلك فوق طاقتك.

 

وممكن يكبر فجأة بسبب موقف.

 

وممكن يشيل همًا أكبر من سنه.

 

لكن مهما كان قلبه كبير، يفضل طفل محتاج حد يقوله:

 

“مش لازم تشيل كل حاجة لوحدك.”

 

وفي ليلة، بعد شهور من كل اللي حصل، دخلت أوضة إيفان قبل ما ينام.

 

لقيته بيكتب في كشكول.

 

قلت:

 

“بتكتب إيه؟”

 

قفل الكشكول بسرعة.

 

ضحكت.

 

“إيه الأسرار دي؟”

 

قال:

 

“ولا حاجة.”

 

“إيفان.”

 

“بكتب حاجة لنفسي.”

 

“ممكن أشوف؟”

 

فكر.

 

وبعدين ناولني الكشكول.

 

فتحت الصفحة.

 

وكان مكتوب:

 

“النهارده فهمت إن ماما مش ضعيفة زي ما كنت فاكر.”

 

بصيت له.

 

“إيه ده؟”

 

قال:

 

“كملي.”

 

كملت.

 

“هي كانت بتخاف، بس كانت بتكمل. وأنا كنت فاكر إني لازم أحميها. لكن الحقيقة إننا إحنا الاتنين لازم نحمي بعض.”

 

بصيت له.

 

دموعي نزلت.

 

قال:

 

“خلصتي؟”

 

هزيت راسي.

 

“أيوه.”

 

قلت له:

 

“اكتب كمان حاجة.”

 

“إيه؟”

 

قلت:

 

“اكتب إنك من بكرة هتعيش سنك.”

 

ضحك.

 

“يعني إيه؟”

 

“يعني تذاكر وتلعب وتركب عجلة وتطلب بيتزا لما نفسك فيها.”

 

ضحك.

 

“بيتزا؟”

 

“أيوه.”

 

“من المطعم؟”

 

“لأ.”

 

“ليه؟”

 

“عشان أنت اشتغلت هناك ست شهور.”

 

ضحكنا إحنا الاتنين.

 

وبعدين طفيت النور.

 

وقبل ما أخرج من الأوضة، سمعته بيقول:

 

“ماما.”

 

“نعم؟”

 

“أنا بحبك.”

 

وقفت عند الباب.

 

وقلت:

 

“وأنا بحبك أكتر.”

 

رد:

 

“مستحيل.”

 

ضحكت.

 

“نام يا إيفان.”

 

قفلت الباب.

 

ومشيت ناحية أوضتي.

 

وقبل ما أنام، بصيت من الشباك.

 

كانت العجلة الجديدة واقفة تحت ضوء الشارع.

 

سودا.

 

مطفيّة.

 

وعليها الكتابة البرتقالي.

 

العجلة اللي ابني حلم بيها ست شهور.

 

لكن اللي فهمته بعدها إن العجلة ما كانتش أهم حاجة حصلت له.

 

ولا الفلوس.

 

ولا الشغل.

 

ولا حتى السر.

 

أهم حاجة كانت اللحظة اللي فهم فيها إن عليه يساعد الناس، لكن من غير ما ينسى نفسه.

 

وإن الأم مش محتاجة ابنها يشيل عنها الدنيا.

 

هي بس محتاجة ابنها يفضل جنبها.

 

وفي الصبح، صحيت على صوت العجلة وهي بتتحرك برا.

 

فتحت الشباك.

 

لقيت إيفان بيضحك وهو بيركبها.

 

بص لفوق.

 

شافني.

 

رفع إيده وقال:

 

“صباح الخير يا ماما!”

 

ابتسمت.

 

وقلت:

 

“صباح الخير يا ابني.”

 

وركب ومشي.

 

المرة دي ما جريتش وراه.

 

ما اتصلتش بيه.

 

ما خفتش.

 

لأني أخيرًا فهمت إن ابني مش محتاج مني أخاف عليه كل لحظة.

 

هو محتاج مني أثق فيه.

 

وهو كمان اتعلم إن الثقة مش معناها الأسرار.

 

وإن أكبر مساعدة ممكن نقدمها للي بنحبهم أحيانًا مش إننا نشيل عنهم كل حاجة…

 

لكن إننا نخليهم يعرفوا إنهم مش لوحدهم.

 

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى