روايات وقصص

ابني عنده 13 سنه حكايات صافي هاني

 

“بس إيه اللي حصل النهارده؟”

 

إيفان سكت.

 

سال قال:

 

“ده الجزء اللي أنا اتصلت عشان أقولهولك.”

 

بصيت له.

 

“إيه اللي حصل؟”

 

أشار ناحية الشنطة.

 

“إيفان كان شايل ظرف فيه مبلغ كبير.”

 

إيفان قاطعه:

 

“كنت هديه لسال.”

 

قلت:

 

“ليه؟”

 

قال:

 

“عشان النهارده كان لازم يدفع مصاريف مهمة جدًا.”

 

سال هز راسه.

 

“لكن أنا رفضت.”

 

قلت:

 

“وهو حاول يديك الفلوس؟”

 

“أيوه.”

 

“وبعدين؟”

 

سال تنهد.

 

“اتخانقنا.”

 

إيفان قال:

 

“أنا ما كنتش بتخانق.”

 

سال بص له.

 

“كنت بتزعق.”

 

إيفان سكت.

 

سال كمل:

 

“قلت له إن اللي بيعمله أكبر من سنه، وإنه لازم يوقف. لكنه قال لي إن مفيش حد تاني يساعد.”

 

قلت:

 

“وعشان كده هدومه اتقطعت؟”

 

إيفان بص للأرض.

 

“أنا وقعت.”

 

سال قال:

 

“وقع وهو بيجري ورايا.”

 

بصيت لابني.

 

“إنت جريت وراه؟”

 

هز راسه.

 

“كنت عايز أديه الظرف.”

 

قلت:

 

“ليه ما قلتليش؟”

 

رفع عينه.

 

“كنت خايف.”

 

“من إيه؟”

 

قال:

 

“من إنك تقولي إن أنا مش مسؤول عن مشاكل الناس.”

 

ما قدرتش أتكلم.

 

لأن الحقيقة إني فعلًا كنت ممكن أقولها.

 

مش عشان أنا قاسية.

 

لكن لأنه طفل.

 

تلتاشر سنة.

 

كان المفروض يكون أكبر همومه الواجب والمدرسة واللعب والعجلة.

 

مش علاج حد تاني.

 

قعدت على كرسي قريب.

 

وسألت سال:

 

“إنت كنت بتاخد منه الفلوس؟”

 

هز راسه بسرعة.

 

“لا.”

 

“يبقى الفلوس كانت بتروح فين؟”

 

قال:

 

“هو كان بيشتري أدوية وحاجات بنفسه.”

 

اتصدمت.

 

“إزاي؟”

 

“كان بياخد الورقة من الصيدلية ويقول لي هات الحساب من مرتبي.”

 

بصيت لإيفان.

 

“إنت كنت بتروح الصيدلية لوحدك؟”

 

هز راسه.

 

“أيوه.”

 

“وتشتري أدوية؟”

 

“أيوه.”

 

“وكنت بتروح تزور أخت سال؟”

 

هز راسه مرة تانية.

 

“كانت لوحدها ساعات.”

 

سال قال:

 

“إيفان كان بيقعد معاها بعد الشغل.”

 

سكت.

 

حسيت إن قلبي اتوجع أكتر.

 

لأن فجأة الست شهور اللي فاتوا بقوا واضحين.

 

كل سبت كنت أفتكر إن ابني بيغسل المواعين عشان عجلة.

 

كان بيغسل المواعين عشان يساعد إنسانة ما يعرفهاش غير من فترة قصيرة.

 

كل مرة كان يرجع متأخر كنت أفتكر إنه بيقعد مع أصحابه.

 

كان بيقعد جنب سرير مريضة.

 

كل مرة كان يقول “قربت” كنت أفتكر إنه بيتكلم عن تمن العجلة.

 

كان بيتكلم عن أمل تاني.

 

لكن كان فيه شيء ما فهمتوش.

 

قلت:

 

“إيفان، ليه ما اشتريتش العجلة من الفلوس اللي فضلت معاك؟”

 

ابتسم.

 

“كنت هشتريها.”

 

“إمتى؟”

 

“لما أخلص اللي عليا.”

 

“اللي عليك إيه؟”

 

قال:

 

“الوعد.”

 

“أي وعد؟”

 

سكت.

 

وبعدين مد إيده ناحية الظرف.

 

طلعه من على الأرض.

 

فتحه.

 

جواه ورقة صغيرة.

 

ناولها لي.

 

كانت مكتوبة بخط طفل.

 

قرأت:

 

“أنا أوعد بابا إني هخلي ماما ما تشيلش الهم لوحدها.”

 

بصيت لإيفان.

 

“إنت كاتب ده؟”

 

هز راسه.

 

“بعد ما بابا مات.”

 

قلت:

 

“ليه؟”

 

قال:

 

“عشان في يوم وفاته، سمعتك وإنتِ بتعيطي في المطبخ.”

 

قلبي اتقبض.

 

“إنت سمعتني؟”

 

“أيوه.”

 

“وأنا كنت فاكرة إنك نايم.”

 

قال:

 

“ما كنتش نايم.”

 

وسكت.

 

“سمعتك بتقولي إنك مش عارفة هتعملي إيه من غيره.”

 

دموعي نزلت.

 

“فأنا قررت إني مش هخليكي لوحدك.”

 

قمت من مكاني وحضنته.

 

حضنته بكل قوتي.

 

“يا حبيبي… إنت كنت فاكر إن ده دورك؟”

 

قال وهو في حضني:

 

“مش عايزك تتعبي.”

 

قلت:

 

“بس أنا أمك.”

 

“عارف.”

 

“وأنا اللي المفروض أشيل عنك.”

 

“عارف.”

 

“إنت مش المفروض تشيل عني.”

 

ما ردش.

 

فضل ساكت.

 

ضمّيته أكتر.

 

لكن بعد لحظات، حسيت إن فيه حاجة ناقصة.

 

رفعت راسي وبصيت لسال.

 

“إنت قلت لي في التليفون إن اللي ابني قاله عن الفلوس مش حقيقي.”

 

هز راسه.

 

“لأن جزء كبير من كلامه كان عن العجلة.”

 

قلت:

 

“بس هو كان بيقول إنه بيوفر.”

 

“هو كان فعلًا بيحوش جزء.”

 

سكت.

 

“لكن أنا اتصلت بيكي النهارده عشان كنت خايف عليه.”

 

قلت:

 

“ليه؟”

 

قال:

 

“لأنه بدأ يشتغل أكتر من اللازم.”

 

إيفان اعترض:

 

“أنا كويس.”

 

سال قال:

 

“أنت كنت بتطلب تشتغل الجمعة كمان.”

 

بصيت لإيفان.

 

“كنت بتشتغل يوم الجمعة؟”

 

سكت.

 

“إيفان!”

 

قال:

 

“ساعات.”

 

سال قال:

 

“مش ساعات.”

 

ثم نظر لي.

 

“كان بييجي بعد المدرسة ساعات، ويفضل لحد آخر الليل.”

 

بصيت لابني بصدمة.

 

“إنت بتعمل كده من إمتى؟”

 

“من شهرين.”

 

“ليه؟”

 

“عشان كنت محتاج فلوس أكتر.”

 

“لإيه؟”

 

قال:

 

“للعلاج.”

 

“وكنت بتدرس إمتى؟”

 

سكت.

 

السؤال ده كان أصعب عليه من أي سؤال تاني.

 

قال:

 

“في الليل.”

 

بصيت لإيده المتشققة.

 

وبعدين بصيت لوشه.

 

وفجأة فهمت سبب الإرهاق اللي كنت بشوفه عليه.

 

سبب إنه كان بينام بسرعة.

 

سبب إن درجاته نزلت شوية.

 

سبب إنه بقى ساكت أكتر.

 

أنا كنت فاكرة إن ابني كبر.

 

لكن الحقيقة إنه كان بيتعب نفسه عشان يحميني.

 

وقتها قررت إن الموضوع انتهى.

 

قلت لسال:

 

“من النهارده إيفان مش هيشتغل.”

 

إيفان فتح عينه.

 

“ماما!”

 

قلت:

 

“ولا يوم.”

 

“بس…”

 

“مفيش بس.”

 

“العلاج…”

 

قلت:

 

“العلاج مش مسؤوليتك.”

 

بص لي.

 

“بس…”

 

قاطعته:

 

“أنا مش هسمح لك تبقى رجل البيت وإنت عندك تلتاشر سنة.”

 

دموعه نزلت.

 

“بس أنا كنت عايز أساعد.”

 

مسحت على شعره.

 

“وأنت ساعدت أكتر مما أي طفل في سنك كان المفروض يساعد.”

 

سال كان واقف بعيد.

 

قال:

 

“أنا كمان عايز أقول حاجة.”

 

بصيت له.

 

“قول.”

 

قال:

 

“أنا هكمل علاج أختي بنفسي.”

 

سكت لحظة.

 

“لكن في حاجة لازم تعرفيها.”

 

“إيه؟”

 

قال:

 

“إيفان ما كانش الوحيد اللي بيخبي حاجة.”

 

قطبت حواجبي.

 

“يعني إيه؟”

 

بص ناحية باب المطبخ.

 

وقال:

 

“تعالي.”

 

مشيت وراه.

 

فتح باب صغير جنب المخزن.

 

دخلنا غرفة ضيقة.

 

فيها كراتين وأغراض قديمة.

 

على رف في آخر الغرفة كان فيه صندوق خشبي.

 

سال طلعه.

 

وقال:

 

“ده وصلني من أسبوع.”

 

بصيت للصندوق.

 

“من مين؟”

 

قال:

 

“من والد إيفان.”

 

تجمدت.

 

“إيه؟”

 

“والد إيفان قبل وفاته كان عامل حساب للطوارئ.”

 

بصيت له بعدم تصديق.

 

“إنت بتقول إيه؟”

 

قال:

 

“قبل ما يموت بحوالي شهر، جه هنا وقعد معايا.”

 

“إنت كنت تعرف جوزي؟”

 

“أيوه. كان بييجي المطعم أوقات.”

 

فتح الصندوق.

 

جواه أوراق.

 

وبطاقة بنكية قديمة.

 

وصورة.

 

وشهادة.

 

وقفت مش قادرة أتكلم.

 

قال:

 

“أنا ما كنتش عارف أديكي الصندوق إمتى.”

 

مسكت الورقة.

 

كانت بخط جوزي.

 

عرفت خطه فورًا.

 

كان مكتوب:

 

“لو حصل لي حاجة، فلوس الحساب دي لمصاريف صافي وإيفان. وممنوع حد يعرف عنها غير سال لحد ما ابني يكبر.”

 

رفعت عيني.

 

“ليه ما قلتليش؟”

 

قال:

 

“لأن الحساب كان مربوط بإجراءات قانونية، وأنا كنت مستني الموضوع يخلص.”

 

فتحت الورقة اللي بعدها.

 

كانت إفادة من البنك.

 

المبلغ كان موجودًا.

 

ومش قليل.

 

ما كانش ثروة.

 

لكنه كان مبلغًا كافيًا إنه يغيّر شكل حياتنا لفترة.

 

حسيت بغصة.

 

“يعني كل ده الوقت ده…”

 

سال قال:

 

“كنت بحاول أخلص الورق.”

 

سألته:

 

“وإيفان كان يعرف؟”

 

هز راسه.

 

“لا.”

 

بصيت لابني.

 

كان واقف عند الباب.

 

سمع كل حاجة.

 

قلت:

 

“إنت كنت بتساعدني وأنا أصلًا كان عندي فلوس أبوك محطوطة؟”

 

هز راسه.

 

“ما كنتش أعرف.”

 

قربت منه.

 

مسكت وشه بين إيديا.

 

“حبيبي، أنا آسفة.”

 

قال:

 

“ليه؟”

 

“عشان خليتك تحس إن لازم تشيل مسؤولية أكبر منك.”

 

هز راسه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى