مردش.
قربت منه أكتر.
“مين؟”
قال بصوت منخفض:
“ناس لو قلتلك أساميهم، مش هتصدق إنهم موجودين أصلًا.”
واحد من كبار البلد قال:
“يا عبد السميع، لازم نطلع من المقابر.”
لكن قبل ما نتحرك، الموبايل القديم اللي كان معايا رن.
كلنا بصينا لبعض.
الشاشة كانت منورة.
رقم غريب.
رديت.
في البداية مفيش صوت.
وبعدين…
سمعت صوت تنفس.
صوت حد بيحاول يتكلم.
قلت:
“مين؟”
جالي صوت ضعيف جدًا.
“بابا…”
اتجمدت.
“عمر؟!”
صوت شهقة قصيرة.
وبعدين الصوت قال:
“متثقش في أخوك.”
المكالمة اتقفلت.
بصيت لأخويا.
كان واقف قدامي ووشه ميت.
قلت:
“إنت سمعت؟”
هز راسه.
“أيوه.”
قلت:
“إنت كنت عارف إن عمر عايش؟”
قال بسرعة:
“لأ!”
“كداب!”
مسكته.
“إنت كنت عارف!”
صرخ:
“والله ما كنت عارف إنه لسه عايش!”
سكت.
الجملة دي كانت أخطر من أي اعتراف.
“لِسّه عايش؟”
هو حط إيده على بقه.
عرف إنه قالها.
بصيتله وقلت:
“يعني إنت بتقول إن عمر كان عايش بعد الحادث؟”
مردش.
رجالة البلد بصوا لبعض.
وأنا حسيت إن الدنيا كلها بتنهار حواليا.
قلت:
“إنت كنت فين يوم الحادث؟”
قال:
“كنت في المستشفى.”
“ليه؟”
“عشان عمر.”
“وعملت إيه؟”
بدأ يعيط.
“أنا وصلت بعد الحادث.”
قلت:
“وبعدين؟”
“لقيته لسه بيتنفس.”
شهقت.
“إنت شفته؟!”
هز راسه.
“أيوه.”
“ليه محدش قال لي؟!”
قال:
“لأن الإسعاف كانت وصلت.”
“طب ليه قالوا إنه مات في مكان الحادث؟”
مردش.
صرخت:
“رد!”
قال:
“لأن اللي كان موجود وقتها قال كده.”
“مين؟”
بصلي.
“الدكتور.”
“أي دكتور؟”
قال:
“الدكتور اللي استلم الحالة.”
قلت:
“اسمه إيه؟”
سكت.
قلت:
“اسمه إيه؟!”
قبل ما يرد…
سمعنا صوت عربية جاية بسرعة ناحية المقابر.
عربية سوداء.
وقفت على مسافة قريبة.
نزل منها راجلين.
واحد منهم كان لابس بدلة.
والتاني ماسك ملف بني.
الراجل اللي لابس البدلة بص علينا، وبعدين بص على القبر المفتوح.
وقال بهدوء غريب:
“مين اللي سمح لكم تفتحوا القبر؟”
محدش رد.
قرب مني.
“إنت والد عمر؟”
قلت:
“أيوه.”
مد إيده.
“أنا محامي الأسرة.”
بصيتله باستغراب.
“أسرة مين؟”
قال:
“أسرة ابنك.”
قلت:
“أنا أسرته.”
قال:
“أنا مش جاي أجادلك.”
وبعدين فتح الملف.
طلع منه ورقة.
وقال:
“أنا جاي أبلغك إنك لازم تقفل القبر فورًا.”
ضحكت ضحكة غريبة من شدة الصدمة.
“تقفله؟”
قال:
“أيوه.”
قلت:
“ابني مش موجود فيه!”
اتغير وشه للحظة.
لكن رجع هادي بسرعة.
“ده موضوع مش من اختصاصك.”
صرخت:
“مش من اختصاصي؟! ده ابني!”
قال:
“لو فتحت القبر مرة تانية، هتدخل نفسك في مشكلة قانونية كبيرة.”
بصيت لأخويا.
لقيته بيبص للمحامي بطريقة غريبة.
المحامي لاحظ.
فقال:
“وأخوك عارف كويس أنا بتكلم عن إيه.”
اتصدمت.
“إنت تعرف أخويا؟”
سكت.
قلت:
“إنت تعرفه منين؟”
مردش.
قربت منه.
“مين بعتك؟”
قال:
“مش مهم.”
قلت:
“بالنسبالي مهم.”
قال:
“اقفل القبر يا عبد السميع، وانسى عمر.”
الكلمة دي كانت كفيلة إنها تخرج أسوأ حاجة جوايا.
قلت:
“أنسى ابني؟”
قال:
“أيوه.”
قلت:
“إنت مش عارف بتقول إيه.”
قال:
“أنا عارف أكتر مما تتخيل.”
وبعدين بص ناحية أخويا وقال:
“وهو كمان عارف.”
في اللحظة دي أخويا انهار.
قعد على الأرض وبدأ يعيط.
وقال:
“كفاية.”
المحامي بصله.
“إنت وعدتني.”
رفع أخويا عينه وقال:
“أنا مش هخبي أكتر من كده.”
المحامي اتوتر.
“إوعى.”
قال:
“أنا ضيعت أخويا زمان.”
بصيتله.
“يعني إيه ضيعت أخوك؟”
قال:
“عمر كان بيدور على الحقيقة.”
المحامي قال:
“اسكت!”
لكن أخويا كمل.
“وكان لازم حد يسكتّه.”
صرخت:
“مين؟!”
قال:
“أنا.”
سكت المكان كله.
قلت:
“إنت؟”
هز راسه وهو بيعيط.
“أنا اللي خدت منه الفلاشة.”
“فلاشة إيه؟”
“الفلاشة اللي كان عليها كل حاجة.”
“فينها؟”
رفع عينه.
وقال:
“مع عمر.”
قلت:
“عمر مات.”
هز راسه ببطء.
“عشان كده أنا مش فاهم.”
سكت.
“إزاي؟”
قال:
“لأن عمر قبل الحادث بساعات بعتلي رسالة.”
طلع موبايله.
فتح الرسائل.
مدهالي.
كانت رسالة من عمر.
مكتوب فيها:
“لو حصل لي حاجة، الفلاشة مش معايا.”
وتحتها مباشرة:
“الفلاشة عند بابا.”
حسيت بصدمة.
“عندي أنا؟”
أخويا قال:
“عمر كان عارف إنك الشخص الوحيد اللي ممكن يثق فيه.”
دخلت إيدي في جيبي من غير تفكير.
كنت لابس نفس الجاكيت اللي كنت لابسه يوم دفنه.
وفجأة افتكرت.
قبل ما ندفن عمر، كان فيه عامل المشرحة سلمني حاجاته في كيس صغير.
ساعة.
محفظة.
مفاتيح.
وميدالية صغيرة على شكل مفتاح بيتنا.
أنا حطيت الميدالية في جيب الجاكيت.
ومن يومها نسيتها.
طلعتها.
الميدالية كانت مفتاحًا صغيرًا.
لكن مش مفتاح بيتنا.
بصيت لأخويا.
قال:
“ده هو.”
قلت:
“هو إيه؟”
قال:
“مفتاح المكان اللي عمر كان مخبي فيه الحقيقة.”
وقبل ما أسأله المكان فين…
المحامي فجأة اندفع ناحية المفتاح وخطفه من إيدي.
صرخت:
“إنت بتعمل إيه؟!”
رجالة البلد مسكوه.
وقع المفتاح منه.
وانحنى أخويا وخده.
وبصلي.
“دلوقتي فهمت ليه عمر قال لك متدفنيش.”
قلت:
“ليه؟”
قال:
“لأن عمر مكنش خايف من الموت.”
سكت.




