
قالت إن سالم كان عنده تسجيلات.
لكنها كانت ضايعة.
هي لقتها بعد سنين في مكان كانت مريم مخبياه.
شغلنا التسجيل.
وصوت سالم ظهر.
“لو حد سمع التسجيل ده… يبقى أنا غالباً مت.”
الحاجة سكينة بدأت تبكي.
سالم كمل:
“أنا مش خايف على نفسي. أنا خايف على أمي ومريم.”
ثم ذكر أسماء.
أسماء ناس كانوا شركاء في الجريمة.
بعضهم مات.
وبعضهم هرب.
وبعضهم غير اسمه.
لكن اسم واحد اتكرر.
“شريف.”
مريم قالت:
“شريف هو اللي ساعدني أهرب.”
أنا بصيت لها.
“إزاي؟”
قالت:
“أبويا كان عايز يسلمني للناس اللي شغالين معاه. شريف كان وقتها شاب ومش موافق على اللي بيحصل. ساعدني أخرج.”
الحاجة سكينة بصت لها وقالت:
“طب ليه مقاليش إنك عايشة؟”
مريم دموعها نزلت.
“لأنه كان خايف.”
سالم في التسجيل كمل:
“لو مريم عاشت… يبقى لازم تعرف الحقيقة.”
وبعدين التسجيل توقف.
لكن كان فيه ملف تاني.
فتحناه.
صوت رجل تاني.
كان شريف.
قال:
“أنا مش قاتل سالم.”
وبعدين ذكر مكان.
“الحقيقة كلها موجودة في الحائط.”
رجعنا للبدروم.
الشرطة كانت هناك.
فتشنا الحيطان.
وفي جزء قديم لقينا تجويف.
جواه صندوق معدني.
الصندوق كان مليان أوراق.
عقود.
صور.
أسماء.
وتسجيلات.
الدليل الكامل.
كل اللي حصل.
كل عمليات التزوير.
كل الضحايا.
والأخطر إن فيه ورقة باسم سالم.
كان مكتوب فيها:
“لازم نوقفه قبل ما يفضحنا.”
التوقيع كان باسم والد شريف.
لكن كان فيه توقيع تاني.
لشخص مكنش حد متوقعه.
الجزار القديم.
الحاجة سكينة قعدت على الأرض.
وقالت:
“يبقى أنا كنت صح.”
لكن المفاجأة الأكبر إن الجزار الحالي قال:
“أنا عارف مين اللي قتل سالم.”
كلنا بصيناله.
قال:
“أبويا حكى لي قبل ما يموت.”
“مين؟”
قال اسم شخص.
شريف.
الحاجة سكينة اتصدمت.
“إنت بتقول إيه؟”
قال:
“شريف كان موجود ليلة موت سالم.”
الظابط قبض عليه فوراً.
لكن شريف أنكر.
قال:
“أنا دخلت بعد ما كل حاجة خلصت.”
وبعد مواجهة طويلة، ظهرت تسجيلات قديمة تثبت إن شريف كان موجوداً.
لكنها أثبتت حاجة تانية.
إن شريف حاول ينقذ سالم.
ولما فشل، هرب مريم.
أما الشخص اللي نفذ الجريمة فكان والد شريف ومعه الجزار القديم.
شريف أخفى الحقيقة خوفاً من والده.
ومع مرور السنين عاش بعقدة الذنب.
الظابط سأله:
“ليه مقلتش؟”
قال:
“لأني كنت جبان.”
الحاجة سكينة بصتله وقالت:
“أنت كنت جبان… بس أنقذت بنتي.”
وبعد أيام بدأت محاكمة المتورطين اللي لسه عايشين.
أما شريف فاعترف بكل اللي يعرفه.
والجزار الحالي تعاون مع الشرطة.
وبكده اتقفلت واحدة من أغرب القضايا اللي حصلت في المنطقة.
لكن أنا؟
أنا مكنتش بخير.
لأن اللي شفته في الأوضة فضل يطاردني.
صورة العضم.
صوت الخبط.
السر اللي عاش 25 سنة.
وفوق كل ده…
الحاجة سكينة كانت بتطلب مني كل يوم 15 كيلو عضم.
لكن لما القضية انتهت…
بطلت تطلبه.
ومرت أسابيع.
وفي صباح يوم جمعة…
لقيتها بتخبط على بابي.
فتحت.
كانت ماسكة كيس صغير.
قالت:
“يا أحمد… أنا محتاجة منك آخر خدمة.”
قلت:
“اتفضلي يا حاجة.”
ابتسمت.
وقالت:
“تعالى معايا.”
دخلت شقتها.
ومدتلي ظرف.
“ده ليك.”
فتحته.
لقيت جواب مكتوب بخط سالم.
ومكتوب فوقه:
“إلى الشاب اللي هيعرف الحقيقة بعدي.”
أنا اتجمدت.
وبدأت أقرأ.
—
المشهد الخامس والأخير
“يا أحمد…
أنا معرفش أنت مين.
ومعرفش هتقرأ الكلام ده إمتى.
لكن لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى أمي أخيراً لقت حد تثق فيه.
أمي طول عمرها أقوى مما الناس فاكرة.
يمكن سنها كبير.
يمكن جسمها ضعيف.
لكن قلبها عمره ما استسلم.
لو عرفت الحقيقة عني، متخليش موتي يكون سبب في كرهك للدنيا.
أنا مكنتش عايز أكون بطل.
كنت عايز أحمي أمي وأختي.
ولو فشلت…
فأنا آسف.
لكن لو أمي قالت لك في يوم إنها محتاجة مساعدة…
ساعدها.
مش عشان أنا طلبت.
عشان هي تستاهل.”
أنا خلصت القراءة ودموعي نزلت.
بصيت للحاجة سكينة.
كانت قاعدة وبتبتسم.
قلت:
“ليه مدياني الجواب ده دلوقتي؟”
قالت:
“عشان أنا عايزة أقولك إنك عملت أكتر من اللي كنت متخيلة.”
قلت:
“أنا؟”
قالت:
“أيوه.”
وبعدين قالت:
“أنا طلبت منك العضم مش بس عشان اللي كنت بعمله.”
استغربت.
“أمال ليه؟”
قالت:
“عشان كنت بخاف أنزل الشارع لوحدي.”
سكت.
قالت:
“من أول يوم شفتك فيه وأنا حسيت إنك زي ابني سالم.”
ضحكت وسط دموعها.
“كنت بتضايق لما أطلب منك كل يوم… بس كنت عارفة إنك هتيجي.”
بصيت للأرض.
فهمت أخيراً.
الـ15 كيلو عضم كانوا جزء من بحثها.
لكن كانوا كمان حجة.
حجة تخليها تطرق باب حد.
حد تسنده.
حد يفضل قريب.
حد لو حصل لها حاجة يلاحظ.
أنا قلت:
“يا حاجة سكينة… إنتي كنتي ممكن تقوليلي إنك محتاجة حد.”
قالت:
“أنا عمري ما حبيت أكون عبء على حد.”
قعدت جنبها.
وقلت:
“إنتي مش عبء.”
ابتسمت.
“ربنا يرضى عنك يا ابني.”
بعد القضية، أنا كملت دراستي.
وتخرجت.
وسافرت شوية عشان شغلي.
لكن عمري ما نسيت الحاجة سكينة.
كانت بالنسبة لي أكتر من مجرد جارتي.
كانت آخر فصل في حكاية طويلة بدأت قبل ما أولد.
وبعد سنة تقريباً رجعت أزورها.
خبطت على الباب.
محدش رد.
خبطت تاني.
برضه مفيش رد.
قلبي اتقبض.
ناديّت:
“يا حاجة سكينة؟”
سمعت صوت من جوه:
“ادخل يا أحمد.”
فتحت.
لقيتها قاعدة في البلكونة.
كبرت أكتر.
لكن وشها كان مرتاح.
جنبها كانت مريم.
ابتسمت لما شافتني.
قالت:
“ماما كانت مستنياك.”
قعدت معاهم.
وبعد شوية الحاجة سكينة قالت:
“عارف يا أحمد؟”
“نعم؟”
قالت:
“أنا أخيراً بطلت أحلم بسالم.”
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“عشان بقيت بحلم بيه وهو بيضحك.”
وسكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“يمكن دي علامة إن ابني أخيراً ارتاح.”
أنا بصيت للسما.
وقلت:
“ربنا يرحمه.”
قالت:
“آمين.”
وبعد لحظة مريم قالت:
“على فكرة… عندي حاجة ليك.”
طلعت صندوق صغير.
فتحته.
جواه مفتاح.
بصيتله.
قلت:
“مفتاح إيه؟”
قالت:
“مفتاح الأوضة.”
ضحكت.
“الأوضة السرية؟”
قالت:
“أيوه.”
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“عشان خلاص مفيش أسرار.”
احتفظت بالمفتاح.
لكنني عمري ما استخدمته.
لأن بعض الأبواب مش لازم تتفتح تاني.
بعض الأبواب بتفضل مقفولة احتراماً للناس اللي عاشوا وماتوا جوه أسرارها.
أما الحاجة سكينة…
فعاشت بعدها سنين هادية.
مريم رجعت تعيش جنبها.
والعمارة اللي كانت مليانة خوف بقت مكان عادي.
الجزار فتح محله تاني.
وبقى كل ما يشوفني يضحك ويقول:
“يا هندسة… عايز 15 كيلو عضم؟”
وأنا أضحك وأقوله:
“لا يا عم، كفاية عليا اللي شوفته.”
وفي يوم سألت الحاجة سكينة:
“هو ليه العضم بالذات؟”
ضحكت وقالت:
“عشان كنت محتاجة سبب يخليك تفتكرني كل يوم.”
ضحكت.
لكن الجملة فضلت في دماغي.
لأنها كانت الحقيقة كلها.
أنا كنت فاكر إني أنا اللي بساعد ست عجوز.
لكن بعد كل اللي حصل فهمت إن هي كمان كانت بتديني حاجة.
كانت بتعلمني إن الإنسان ممكن يفضل واقف حتى بعد ما الدنيا تاخد منه أغلى ما عنده.
وإن الحقيقة ممكن تتأخر…
لكن مش معنى كده إنها ماتجيش.
وإن أكتر الناس اللي شكلهم ضعيف ممكن يكونوا شايلين جواهم حكايات أقوى من أي حد.
مرت شهور.
وفي صباح هادي، جالي اتصال من مريم.
صوتها كان متوتر.
قالت:
“أحمد… ماما تعبت.”
روحت فوراً.
لقيت الحاجة سكينة على السرير.
كانت بتتنفس بصعوبة.
مسكت إيدي.
وقالت:
“متخافش.”
أنا دموعي نزلت.
قالت:
“أنا مش خايفة.”
وبعدين أشارت للصندوق.
“خلي المفتاح معاك.”
قلت:




