
“هخليه.”
قالت:
“بس افتكره مش عشان الأسرار.”
“أمال عشان إيه؟”
قالت:
“عشان تفتكر إنك في يوم دخلت أوضة وخوفت من اللي شفته… وخرجت منها أقوى.”
ابتسمت.
وبعدها قفلت عينيها.
الحاجة سكينة ماتت بعد أيام قليلة بهدوء.
مريم كانت جنبها.
وأنا كنت معاهم.
دفناها جنب ابنها سالم.
ولأول مرة بعد 25 سنة، بقى سالم مش مجرد اسم على ورقة.
بقى له قبر.
واسم.
ودعوة من أمه.
أما أنا فاحتفظت بالمفتاح.
وبعد سنوات، وأنا واقف قدام العمارة القديمة، افتكرت أول يوم شوفتها فيه.
ست عندها 80 سنة.
واقفـة قدام باب شقتها.
ومدّياني فلوس.
وقائلة:
“يا أحمد يا ابني… هاتلي 15 كيلو عضم.”
ضحكت لوحدي.
كنت وقتها فاكر إن أغرب حاجة في الحكاية هي العضم.
لكن الحقيقة إن أغرب حاجة كانت الإنسان نفسه.
الوجع.
الخوف.
الأمل.
والحب اللي ممكن يخلي أم تستنى ابنها 25 سنة.
وفي النهاية، عرفت إن الحاجة سكينة مكنتش بتجمع العضم.
هي كانت بتجمع خيوط الحقيقة.
قطعة ورا قطعة.
دليل ورا دليل.
لحد ما قدرت تبني منها حكاية كاملة.
حكاية ابن ضاع.
وبنت رجعت.
وأم رفضت تستسلم.
وشاب غريب دخل حياتها صدفة…
فبقى ابنها من غير دم.
ومن يومها وأنا كل ما أشوف جزار بيحط عضم في كيس، بفتكرها.
وأفتكر الجملة اللي قالتها لي قبل ما تموت:
“مش كل حاجة شكلها مقزز تبقى شر… ومش كل حاجة شكلها حلو تبقى خير.”
وأفتكر كمان آخر حاجة قالتها:
“خليك دايماً جنب اللي بيطلب منك المساعدة… يمكن تكون أنت آخر أمل عنده.”
وده كان سر الـ15 كيلو عضم.
مش كلب.
ولا حيوان.
ولا أي حاجة من اللي كنت متخيلها.
كان وراهم أم عجوز بتحاول تجمع الحقيقة قبل ما العمر يسبقها.
وقدرت.
وأخيراً…
رجع ابنها لأمه.
ورجعت بنتها لحضنها.
ورجعت الحقيقة لأصحابها.
أما أنا…
فخرجت من الحكاية وأنا فاهم إن بعض الأسرار لما تتفتح بتخوفك.
لكن بعضها…
بيحررك.



