كانت مكتوب فيها جملة واحدة:
“الصندوق مش أهم حاجة… اللي في البيت هو الأهم.”
المقدم بصلي.
وأنا فهمت.
أنا.
أنا اللي كانوا عايزينها.
مش الصندوق.
مش دانيال.
أنا.
سألت:
— ليه؟
المقدم قال:
— لأنك غالبًا عندك معلومة إنتِ مش عارفة إنك عندك.
افتكرت.
حاولت أفتكر أي حاجة.
فجأة افتكرت يوم من شهور.
كنت في مكتب دانيال.
كنت بدور على فاتورة.
وقتها فتحت درج بالغلط.
ولقيت فلاشة صغيرة.
دانيال دخل فجأة وخدها مني.
وقال:
— دي حاجات شغل.
وقتها مااهتمتش.
لكن دلوقتي افتكرت.
قلت للمقدم:
— فيه فلاشة.
— فين؟
— مش عارفة.
دانيال قال:
— في المكتب.
رجعنا ندور.
بعد نص ساعة لقيناها.
لكن الفلاشة كانت مشفرة.
المقدم قال:
— هنحتاج متخصص.
في اللحظة دي تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
صوت رجل قال:
— كنتي فاكرة إنك أذكى منهم؟
قلت:
— مين؟
— سامر.
قلبي دق بسرعة.
— إنت عايز إيه؟
ضحك.
— الصندوق.
— مش معايا.
— عارف.
— أمال عايز إيه؟
سكت لحظة.
— الفلاشة.
بصيت للمقدم.
هو أشارلي أكمل.
قلت:
— لو عايزها، تعالى خدها.
ضحك.
— لا.
وبعدين قال:
— أنا عايزك إنتِ.
وقفل.
المقدم قال:
— كويس.
بصيتله.
— كويس إزاي؟
— لأنه أخيرًا بدأ يغلط.
بعد ساعات، كان فيه خطة للقبض على سامر.
لكن سامر كان أذكى مما توقعنا.
أرسل رسالة جديدة.
“تعالي لوحدك الساعة ١٢ بالليل عند المخزن القديم، ومعاكي الفلاشة. لو جبتي الشرطة، دانيال .”
دانيال قال:
— ماتروحيش.
قلت:
— هروح.
— لأ.
— لو ماجيتش، ممكن حد تاني.
المقدم قال:
— إحنا هنكون معاكي.
دانيال مسك إيدي.
— أنا السبب في كل ده.
بصيتله.
— أيوه.
اتوجع من الكلمة.
لكنني كملت:
— بس مش هسيبك بسبب غلطة إنت عملتها.
الساعة قربت من ١٢.
وصلنا المخزن.
نزلت لوحدي.
الفلاشة في إيدي.
المكان كان ضلمة.
سمعت صوت خطوات.
وبعدين ظهر سامر.
ابتسم.
— كنت عارف إنك هتيجي.
قلت:
— سيب دانيال.
ضحك.
— لسه بتحبيه؟
ماجاوبتش.
قال:
— رغم إنه كان هيسلمك؟
قلت:
— أنا مش جاية عشانه.
— أمال؟
قلت:
— جاية علشان أنهي الموضوع.
ابتسم.
— إنتِ قوية.
— وإنت جبان.
وشه اتغير.
— إديلي الفلاشة.
رفعتها.
— الأول وريني دانيال.
أشار ناحية باب جانبي.
خرج دانيال.
إيده كانت مربوطة.
بصلي.
— ارجعي!
سامر ضربه.
صرخت:
— سيبه!
سامر قال:
— الفلاشة.
رميتها على الأرض.
سامر انحنى ياخدها.
وفي اللحظة دي انطلقت الأضواء.
— شرطة! ماتتحركش!
سامر حاول يهرب.
لكن الضباط حاصروا المكان.
جري ناحية باب خلفي.
دانيال وقع على الأرض.
أنا جريت عليه.
المقدم مسك سامر قبل ما يهرب.
سامر صرخ:
— مش هتقدروا تثبتوا حاجة!
المقدم ابتسم.
— بالعكس.
رفع الفلاشة.
— دي كانت فاضية.
سامر اتجمد.
— إيه؟
قلت:
— الفلاشة الحقيقية معانا من بدري.
سامر بصلي.
— إنتِ…
ابتسمت لأول مرة.
— اتعلمت من جوزي.
المقدم قال:
— والتسجيلات اللي عليها كفاية.
سامر بدأ يصرخ.
لكن خلاص.
انتهى كل شيء.
بعد شهور من التحقيق، اتكشفت الشبكة كلها.
دانيال اعترف بكل حاجة.
ماكانش بريئًا.
وده كان أصعب جزء في الموضوع.
هو ساعدهم.
حتى لو تحت التهديد.
حتى لو كان خايف.
لكن الخوف مش دايمًا عذر.
حكم عليه بعدين بعقوبة أقل بسبب تعاونه مع التحقيق.
أما سامر فكانت قضيته أكبر بكتير.
ولورا اعترفت بكل اللي تعرفه.
وأنا؟
رجعت البيت لوحدي.
فتحت باب الشقة.
بصيت على صورنا المعلقة على الحيطان.
صورة فرحنا.
صورة أول سفرية.
صورة يوم اشترينا البيت.
كنت فاكرة إن الصور دي ذكريات.
لكن اكتشفت إنها كانت مجرد لحظات بين شخصين، واحد منهم كان عايش بحقيقة والتاني عايش بكذبة.
بعد أسبوع، دانيال طلب يقابلني.
روحت.
قعد قدامي.
كان شكله متغير.
قال:
— أنا آسف.
سكت.
— عارف إن كلمة آسف مش كفاية.
قلت:
— مش كفاية فعلًا.
— بس أنا بحبك.
بصيتله.
— الحب من غير أمان ملوش معنى.
دمعت عينه.
— ممكن نبدأ من جديد؟
هزيت راسي.
— لأ.
اتصدم.
قلت:
— مش عشان أنا بكرهك.
— أمال؟
— عشان أنا أخيرًا حبيت نفسي.
فضل ساكت.
قمت.
قبل ما أمشي قال:
— لو رجع الزمن، كنت هعمل إيه؟
بصيتله.
— كنت هتقول الحقيقة من أول لحظة.
وسبت المكان.
خرجت وأنا حاسة إن حمل تقيل جدًا نزل من على صدري.
بعد كام شهر، غيرت البيت.
بدأت شغل جديد.
ورجعت أعيش لنفسي.
وفي يوم وأنا خارجة من مكان شغلي، لقيت ظرف صغير في عربيتي.
فتحته.
جواه صورة للصندوق الأسود.
وتحتها ورقة مكتوب فيها:
“إنتِ لسه ماعرفتيش الصندوق كان فيه إيه.”
اتجمدت.
قلبت الورقة.
كان فيه سطر تاني:
“اللي قبضتوا عليهم كانوا مجرد البداية.”
وقفت في مكاني.
رفعت عيني وبصيت حوالي.
الشارع كان طبيعي.
الناس ماشية.
العربيات بتعدي.
لكن إحساس غريب سيطر عليا.
لأنني كنت فاكرة إن القصة انتهت.
طلعت تليفوني واتصلت بالمقدم حسام.
رد بسرعة.
قلت:
— حضرتك… لازم أشوفك.
— حصل إيه؟
قلت:
— وصلتني رسالة.
سكت.
وبعدين قال:
— ماتلمسيش الظرف.
— ليه؟
— لأنه لو اللي في بالي صح… يبقى الشخص اللي بعت الرسالة كان بيراقبك من وقت ما خرجتي من المحكمة.
بصيت ورايا.
ولأول مرة من شهور…
حسيت بالخوف تاني.
لكن المرة دي ماكنتش لوحدي.
رفعت الظرف قدام عيني.
وقلت لنفسي:
“لو هم بدأوا اللعبة من جديد…
المرة دي أنا اللي هحدد نهايتها.”
وبالفعل، لما قابلت المقدم حسام، فتح الظرف بحذر.
الصورة كانت قديمة.
لكن في خلفيتها كان مكتوب عنوان.
عنوان شركة دانيال القديمة.
المقدم بصلي وقال:
— الشركة دي اتقفلت من سنة.
قلت:
— يبقى ليه العنوان موجود؟
قلب الصورة.
كان فيه تاريخ.
نفس تاريخ يوم فرحنا.
قلت:
— إيه العلاقة؟
المقدم ماجاوبش.
فضل يبص للصورة فترة طويلة.
وبعدين قال:
— يمكن إحنا فهمنا كل حاجة غلط.
— إزاي؟
— يمكن دانيال ماكانش بيستخدمك علشان ينقل الصندوق.
سكت.
— يمكن الصندوق كان بيتنقل علشان يوصل لحد تاني.
— مين؟
المقدم بصلي.
— والدك.
وقتها الدنيا وقفت.
والدي كان متوفي من ست سنين.
قلت:
— بابا؟ مستحيل.
المقدم قال:
— إحنا لقينا اسمه في مستندات الشركة.
— بابا ماله بالشركة دي؟
— دي النقطة اللي لازم نعرفها.
رجعت البيت وأنا مش عارفة أصدق.
فتحت صندوق ذكريات والدي.
صور قديمة.
أوراق.
خطابات.
دفتر صغير.
وبين الصفحات لقيت نفس الرمز اللي كان مرسوم على الصندوق الأسود.
اتصلت بالمقدم.
قلت:
— لقيته.
— لقيتي إيه؟
— الرمز.
— فين؟
— في دفتر بابا.
سكت.
وبعدين قال:
— ماتفتحيش الدفتر.
قلت:
— ليه؟
— لأن لو الرمز هو نفسه اللي عندنا… يبقى أبوكي كان يعرف الحقيقة من زمان.
قفلت المكالمة.
قعدت على الأرض.
وأنا لأول مرة أدركت إن القصة ماكانتاش عن جوزي.
ولا عن لورا.
ولا حتى عن سامر.
القصة كانت بدأت قبل ما أعرف دانيال أصلًا.
قبل جوازنا.
وقبل ما أحط أول مرة شنطتي على سير التفتيش.
رفعت الدفتر.
فتحت أول صفحة.
ولقيت جملة مكتوبة بخط أبويا:
“لو بنتي وصلت للصفحة دي… يبقى الخطر وصل لها.”
اتجمدت.
قلبت الصفحة.
وكانت الجملة اللي بعدها:
“ما تثقيش في أي حد يقول لك إن الصندوق انتهى.”
وقتها فهمت.
الصندوق الأسود اللي بدأ كل الحكاية…
ماكانش نهاية المؤامرة.
كان أول باب.
والباب ده كان مستخبي في حياة والدي من سنين.
أما أنا…
فكنت لسه واقفة على عتبته.




