
ـ بأيام.
الصمت نزل علينا.
أنا سألت:
ـ طب ليه عماد ظهر دلوقتي؟
مديحة ما ردتش.
طارق بصلي.
وبعدين لأمه.
ـ إنتِ بتقابليه من إمتى؟
ـ بقالنا فترة.
ـ قد إيه؟
سكتت.
قلبي دق.
ـ سنتين؟!
طارق قام.
ـ من وقت جوازي أنا ونورهان؟
مديحة سكتت.
طارق ضحك.
ـ يا نهار أسود.
قالت بسرعة:
ـ مكنش قصدي أضرك.
ـ مكنش قصدك تضريني؟!
ـ أنا كنت بحاول أحل المشكلة.
ـ أي مشكلة؟
ـ المشكلة اللي أبوك سابهالي.
ـ وإيه علاقتها بنورهان؟
أول ما قال اسم نورهان، حماتي بصتلي.
النظرة دي تحديدًا خلت جسمي كله يتجمد.
كأنها كانت مستنية السؤال ده.
قالت:
ـ هي ما لهاش علاقة.
ـ أمال ليه كنتِ بتراقبي مواعيدنا؟
سكتت.
ـ ماما!
مديحة قامت.
ـ أنا كنت خايفة.
ـ من إيه؟
ـ إن حد يدخل الشقة.
أنا ضحكت.
ـ يدخل شقتنا؟!
ـ آه.
مين؟
ما ردتش.
طارق بصلي.
وبعدين قال:
ـ ماما… حد كان بيحاول يدخل شقتي؟
هزت راسها.
ـ آه.
ـ مين؟
ـ مش عارفة.
ـ ماما!
ـ معرفش اسمه.
ـ طب إنتِ عرفتي منين؟
ـ كنت بشوفه.
ـ فين؟
ـ قدام العمارة.
ـ إمتى؟
ـ بالليل.
ـ وإنتِ عملتي إيه؟
ـ ولا حاجة.
ـ ليه؟
ـ كنت خايفة.
طارق قرب منها.
ـ وإنتِ كنتِ بتخليني أسيب نورهان لوحدها وأجيلك عشان تحميني من واحد واقف قدام العمارة؟
مديحة قالت:
ـ كنت خايفة عليكي.
ـ عليا أنا؟!
ـ آه.
ـ ولا على حاجة تانية؟
سكتت.
أنا حسيت إن الموضوع بيتفتح طبقة ورا طبقة.
قلت:
ـ طارق، افتح الدوسيه كله.
مديحة صرخت:
ـ لأ!
طارق بص لها.
ـ ليه؟
ـ عشان فيه حاجات تخص أبوك.
ـ أبويا مات من تسع سنين.
ـ بس أسراره لسه عايشة.
الكلمة دي خلتنا نسكت.
طارق فتح الدوسيه.
كان فيه عقود قديمة.
صور بطاقات.
إيصالات.
أوراق بنكية.
وصور.
صور كتير.
طارق بدأ يقلب.
وفجأة وقف.
سحب صورة.
بص فيها.
أنا قربت.
الصورة كانت قديمة.
أبو طارق واقف جنب عماد.
وفي الخلفية مبنى تحت الإنشاء.
وعلى الصورة تاريخ من حوالي عشر سنين.
طارق قال:
ـ دي فين؟
مديحة ردت:
ـ في مشروعهم.
ـ مشروع إيه؟
ـ مشروع النخبة.
طارق عقد حواجبه.
ـ المشروع اللي اتوقف؟
ـ آه.
قلب الصورة.
وراها كان مكتوب بخط اليد: “الأرض باسم مديحة”.
طارق رفع عينه.
ـ ليه الأرض باسمك؟
مديحة ما ردتش.
قلب صورة تانية.
نفس الأرض.
نفس المشروع.
وبعدين لقينا صورة لشخص ثالث.
راجل في منتصف العمر.
واقف مع أبو طارق وعماد.
طارق قرب الصورة من عينه.
ـ ده مين؟
مديحة بصت.
وشها اتغير.
ـ معرفوش.
قلت:
ـ واضح إنك عارفاه.
ـ قلتلك معرفوش.
طارق حط الصورة قدامها.
ـ ماما، أنا عارف وشك.
ـ إنت مش فاهم حاجة.
ـ يبقى فهميني.
ـ مش وقته.
ـ إمتى وقته؟
ـ لما تكون لوحدك.
طارق سكت.
أنا بصيت له.
ـ تقصد إيه؟
مديحة قالت:
ـ نورهان لازم تروح.
اتخنقت من جوايا.
ـ أنا؟!
ـ آه.
ـ ليه؟
ـ الموضوع عائلي.
ضحكت.
ـ من سنتين وأنا عيلتك لما تكوني تعبانة، ولما الموضوع بقى فيه عقود وراجل غريب وصور، بقيت مش من العيلة؟
مديحة بصتلي بحدة.
ـ إنتِ مش فاهمة.
ـ يمكن عشان محدش بيقولي.
طارق قال:
ـ نورهان هتفضل.
مديحة قامت.
ـ طارق، اسمع كلامي.
ـ لأ.
ـ أنا أمك.
وأنا جوز نورهان.
الكلمة وقعت عليها كأنها صفعة.
أنا بصيت له.
لأول مرة أحس إنه واقف في صفي قدام أمه.
مديحة قعدت تاني.
وبصوت منخفض قالت:
ـ طيب.
ـ طيب إيه؟
ـ هقولكم.
سكتنا.
قالت:
ـ عماد مش شريك أبوك.
طارق قال:
ـ أمال مين؟
ـ هو الشخص اللي أبوك كان بيحاول يهرب منه.
سكتنا.
ـ يهرب منه ليه؟
ـ عشان أبوك كان اكتشف حاجة.
ـ إيه؟
مديحة مسحت دموعها.
ـ إن الأرض اللي كانوا بيبيعوها للناس… ما كانتش بتاعتهم.
طارق اتجمد.
ـ يعني إيه؟
ـ كانت ملك ناس تانية.
ـ مين الناس دي؟
ـ ناس كبار.
ـ كبار إزاي؟
ـ ناس لو اتكلمنا عليهم… مش هتقدروا تحمونا.
قلبي بدأ يخبط.
قلت:
ـ وإيه علاقة شقتنا؟
مديحة بصتلي.
ـ الشقة دي كانت آخر حاجة أبوك حط فيها دليل.
طارق قال:
ـ دليل على إيه؟
ـ كل حاجة.
ـ فين؟
ـ في الشقة.
ـ شقتي؟
ـ آه.
ـ أنا فتشتها ألف مرة. مش هتلاقيه.
ـ ليه؟
ـ عشان أبوك ما خباهش في مكان عادي.
طارق وقف.
ـ ماما… إنتِ بتقولي إن أبويا ساب دليل في الشقة؟
ـ آه.
ـ وإنتِ عارفة مكانه؟
سكتت.
ـ ماما!
قالت:
ـ عارفة.
طارق اتجه للباب.
ـ يلا.
ـ رايح فين؟
ـ الشقة.
ـ استنى.
ـ مش هستنى.
ـ لو رحت دلوقتي، ممكن حد يكون مستنيك.
وقف.
ـ مين؟
ـ مش عارفة.
ـ إنتِ بتقoil إيه؟
ـ عماد مش لوحده.
أنا بصيت لطارق.
ـ طيب إحنا نعمل إيه؟
مديحة قالت:
ـ لازم نرجع البيت.
ـ بيتنا؟
ـ آه.
ـ ليه؟
ـ عشان الدليل هناك.
خرجنا.
بس قبل ما ننزل، مديحة مسكت إيد طارق.
وقالت:
ـ ابني…
بصلها.
ـ لو لقيت حاجة في الشقة…
سكتت.
ـ ما تثقش في أي حد.
طارق سأل:
ـ حتى إنتِ؟
مديحة دموعها نزلت.
ـ خصوصًا أنا.
ونزلنا.
في العربية، أنا وطارق ما اتكلمناش.
كل واحد كان غرقان في أفكاره.
لحد ما قلت:
ـ طارق.
ـ نعم؟
ـ إنت مصدقها؟
ـ مش عارف.
ـ أنا حاسة إنها بتقول جزء من الحقيقة وتخبي جزء أكبر.
ـ وأنا كمان.
ـ طب مين بعت الرسالة؟
ـ دي أهم حاجة.
ومين كان بيراقبنا؟
ومين كان عايز يعرف مواعيد خروجنا؟
طارق سكت.
وبعدين قال:
ـ يمكن كانوا مستنيين البيت يفضى.
بصيت له.
ـ عشان يدخلوا؟
ـ آه.
ـ بس ليه ما دخلوش؟
ـ يمكن دخلوا.
الجملة دي نزلت عليا كالصاعقة.
ـ إيه؟
ـ يمكن دخلوا قبل كده وإحنا مش عارفين.
ـ طارق، متخوفنيش.
ـ أنا مش بخوفك.
ـ أمال بتقول إيه؟
ـ بقول إننا لازم نراجع كل حاجة.
وصلنا العمارة.
دخلنا الشقة.
أول حاجة عملتها إني بصيت حواليا.
كل حاجة شكلها طبيعي.
الصالون.
المطبخ.
غرفة النوم.
الحمام.
ولا حاجة باينة إنها اتلمست.
طارق قال:
ـ ماما قالت إن الدليل هنا.
بدأنا ندور.
فتحنا الدولاب.
الأدراج.
المكتبة.
النيش.
ولا حاجة.
بعد ساعة كاملة، كنت تعبت.
ـ طارق، مفيش حاجة.
ـ لازم تكون موجودة.
ـ يمكن مامتك غلطت.
ـ لأ.
ـ يمكن كانت بتكذب.
سكت.
قلت:
ـ يمكن هي أصلًا عايزاك تيجي هنا عشان حد يتبعنا.
طارق وقف.
ـ استني.
ـ إيه؟
ـ قلتِ إيه؟
ـ بقول يمكن…
ـ لأ.
قرب مني.
ـ ماما قالت إن الدليل هنا.
ـ آه.
ـ وهي عارفة إننا جينا هنا.
ـ أيوه.
ـ ولو كانت عايزة حد يعرف إننا رجعنا…
ـ طارق!
في اللحظة دي سمعنا صوت.
صوت حاجة وقعت من المطبخ.
اتجمدنا.
بصينا لبعض.
طارق أشارلي أستخبى ورا الحيطة.
ومشي ناحية المطبخ ببطء.
أنا قلبي كان هيقف.
سمعنا صوت باب الدولاب بيتفتح.
طارق دخل.
ثواني.
وبعدين قال:
ـ نورهان.
طلعت.
ـ إيه؟
كان واقف قدام شباك المطبخ.
ـ بصي.
قربت.
في الشارع تحت العمارة، عربية سوداء كانت واقفة.
جواها شخص.
وأول ما قربنا من الشباك، العربية اتحركت.
طارق قال:
ـ شوفتي؟
ـ آه.
ـ نفس العربية كانت واقفة قدام الشغل الأسبوع اللي فات.
بصيت له.
ـ إنت متأكد؟
ـ آه.
ـ وإنت ما قلتليش؟
ـ كنت فاكرها صدفة.
رجعنا للصالة.
طارق قعد.
مسك الموبايل.
فتح الصور.
وبدأ يكبر صورة عماد.
وبعدين صورة الراجل الثالث.
وفجأة قال:
ـ استني.
ـ إيه؟
ـ أنا شفت الراجل ده قبل كده.
ـ فين؟
ـ فين…؟
فضل ساكت.
وبعدين فتح صور قديمة على موبايله.
قلب.
قلب.
لحد ما وقف عند صورة من يوم فرحنا.
أنا ظهرت في الصورة بفستان الفرح.
طارق جنبي.
أهله ورا.
عماد موجود.
والراجل الثالث…
واقف في الخلفية.
قريب من مديحة.
قلت:
ـ مين ده؟
طارق قال:
ـ معرفش.
ـ بس إنت قلت إنك شفته.
ـ شفته في مكان تاني.
ـ فين؟
حط إيده على راسه.
ـ عند أبويا.
ـ يعني؟
ـ الراجل ده كان موجود يوم وفاة أبويا.
سكت.
ـ طارق…
ـ أنا كنت فاكره دكتور.
ـ دكتور؟
ـ آه.
ـ طب كان بيعمل إيه يومها؟
ـ معرفش.
ـ وإنت كنت كام سنة؟
ـ كنت موجود في المستشفى.
قلب في الصور.
وبعدين قال:
ـ استني.
فتح صورة تانية.
كانت صورة قديمة لوالده في المستشفى.
وعلى طرف الصورة ظهر نفس الرجل.
طارق قرب الموبايل من وشه.
ـ ده مش دكتور.
ـ أمال مين؟
ـ معرفش.
في اللحظة دي، الموبايل رن.
نفس الرقم الغريب.
طارق بصلي.
ـ رد.
ـ ألو؟
صوت رجل جه من الناحية التانية.
صوت هادي جدًا.
ـ رجعتوا الشقة؟
طارق اتجمد.
ـ إنت مين؟
ـ أهم حاجه إنك ما تفتحش الحيطة اللي ورا مكتبة أبوك.
طارق بص للمكتبة فورًا.
ـ إنت بتراقبنا؟
الرجل قال:
ـ أنا بحاول أنقذك.
ـ من مين؟
سكت لحظة.
وبعدين قال:
ـ من أمك.
وقفل.
طارق فضل ماسك الموبايل.
قلت:
ـ قال إيه؟
بصلي.
ـ قال ما نفتحش الحيطة اللي ورا المكتبة.
بصينا على بعض.
وبعدين الاتنين بصينا ناحية المكتبة.
قلت:
ـ دي مش مكتبة أبوك.
ـ إيه؟
ـ إنت عمرك ما قلتلي إنها كانت بتاعت أبوك.
طارق قام.
قرب من المكتبة.
حركها.
ما اتحركتش.
حاول تاني.
ـ تقيلة.
ـ يمكن مربوطة في الحيطة.
قربت.
لقينا فعلًا مسمارين كبار مثبتينها.
طارق جاب مفك.
بدأ يفك.
بعد حوالي عشر دقايق، المكتبة اتحركت.
وظهر جزء صغير من الحيطة وراها.
كان فيه لون مختلف.
كأن في جزء اترمم.
طارق بصلي.
ـ دي هي.
ـ إنت متأكد؟
ـ آه.
جاب شاكوش.
وأنا وقفت بعيد.
خبط أول خبطة.
جزء من المحارة وقع.
خبطة تانية.
وبعدين تالتة.
وفجأة ظهر صندوق حديد صغير داخل الحائط.
طارق وقف.
إيده بدأت ترتعش.
ـ لقيته.
ـ افتحه.
ـ المفتاح مش معايا.
بص للصندوق.
كان عليه قفل رقمي.
أربع أرقام.
قلت:
ـ تاريخ ميلاد أبوك؟
جرب.
ـ غلط.
ـ تاريخ جوازه؟
ـ غلط.
ـ تاريخ ميلادك؟
ـ غلط.
ـ تاريخ وفاته؟
ـ غلط.
طارق قعد على الأرض.
ـ مش فاهم.
بصيت للصندوق.
كان عليه حرف واحد محفور: “م”.
قلت:
ـ مديحة.
طارق بصلي.
ـ إيه؟
ـ الحرف. م. اسم أمك.
سكت.
جرب تاريخ ميلادها.
القفل فتح.
اتفتح الصندوق.
جواه فلاشة صغيرة.
ومظروف بني.
ومفتاح.
وصورة.
طارق مسك الصورة.
وشه اتغير.
الصورة
كانت لأبوه.
ومدّيها لحد.
الشخص اللي واقف قدامه كان…
عماد.
لكن المفاجأة كانت في التاريخ المكتوب خلف الصورة.
قبل وفاة والده بأيام.
وفي أسفل الصورة جملة بخط اليد: “لو حصل لي حاجة، مديحة تعرف كل حاجة”.
طارق وقع الصورة من إيده:
ـ أمي كانت عارفة.
قلت:
ـ افتح المظروف.
ـ مش دلوقتي.
ـ لازم.
فتحناه.
كان جواه ورقة واحدة.
أول سطر فيها: “إلى ابني طارق… لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مت”.
طارق بدأ يقرأ. وشفت الدموع في عينيه.
ـ أنا عارف إن أمك هتقولك إن الشقة اتباعت، وعارف إنها ممكن تحاول تمنعك من الوصول للأوراق…
طارق وقف. بصلي.
ـ كمل.
رجع يقرأ:
ـ بس أهم حاجه لازم تعرفها إن الشقة دي ما اتباعتش.
اتخنقت.
طارق قلب الورقة:
ـ والفلوس اللي أمك قالت إنها سددت بيها ديوني… ما راحتش كلها في الديون.
سكت. قلب الصفحة:
ـ أنا حطيت جزء من الفلوس باسمك.
طارق قال:
ـ إيه؟
ـ كمل.
ـ لكن الفلوس دي مرتبطة بحساب لا يعرفه غير مديحة وعماد.
أنا بصيت له:
ـ عماد؟
هز راسه.
الرسالة كانت أطول:
ـ عماد هيحاول يقنع أمك إنها تبيع الشقة. لو باعتها، هتضيع كل الأدلة.
طارق بدأ يتنفس بسرعة:
ـ لكن يا ابني، لو أمك وصلت للمرحلة دي، يبقى لازم تعرف إن الموضوع مش عن الشقة.
سكت.
آخر سطر كان: “الموضوع عنك أنت”.
طارق رفع عينه:
ـ عني أنا؟
وقبل ما نلحق نفهم، سمعنا صوت مفتاح في باب الشقة.
أنا وطارق بصينا لبعض.
حد بيفتح الباب.
طارق بسرعة حط الورق في الصندوق. وقفل المكتبة. وطَفّى النور.
دخلنا غرفة النوم.
الباب اتفتح.
خطوات دخلت الصالة.
خطوة. اتنين. تلاتة.
حد كان بيتحرك جوه بيتنا.
طارق مسك إيدي.
الصوت قرب.
وبعدين سمعنا صوت راجل:
ـ أكيد حاطينه هنا.
صوت تاني رد:
ـ مديحة قالت إنهم وصلوا.
طارق قرب ودنه من الباب. أنا كنت بترعش.
الرجل الأول قال:
ـ لازم نلاقي الفلاشة قبل ما طارق يعرف.
التاني رد:
ـ ولو عرف؟
سكتوا.
وبعدين الأول قال:
ـ ساعتها هنضطر نعمل اللي اتعمل مع أبوه.
أنا حسيت إني هقع.
طارق شد إيدي. وفجأة…
موبايل طارق اهتز في جيبه.
الاثنين اللي في الصالة سكتوا.
واحد منهم قال:
ـ حد جوه.
خطواتهم بدأت تقرب من غرفة النوم.
طارق بصلي. وأشار ناحية البلكونة.
فهمت.
فتحنا باب البلكونة بهدوء. طلعنا.
الشقة في الدور الرابع. مفيش مكان نهرب منه.
طارق بص للجانب. كان فيه سلم حديد خارجي صغير خاص بالتكييفات.
همس:
ـ انزلي.
ـ إنت مجنون؟!
ـ انزلي يا نورهان.
ـ وأنا هسيبك؟
ـ انزلي!
نزلت أول درجة. طارق ورايا.
وفي نفس اللحظة باب غرفة النوم اتفتح بعنف.
سمعنا الراجل بيصرخ:
ـ البلكونة!
جرينا. نزلنا درجتين. تلاتة.
لكن فجأة… صوت طلقة دوّى في المكان.
أنا صرخت. طارق شدني لتحت. الرصاصة ضربت الحيطة فوق راسنا.
ـ طارق!
ـ انزلي!
نزلنا لحد الدور التالت. دخلنا شقة الجيران القديمة اللي كانت فاضية.
طارق قفل الباب. وسند عليه.
نفسه كان متقطع. وأنا كنت بترعش.
قلت:
ـ إنت اتصبت؟
ـ لأ.
ـ متأكد؟
ـ آه.
سكتنا.
بعد ثواني سمعنا باب شقتنا بيتقفل. وبعدين خطوات على السلم.
طارق مسك الموبايل. اتصل بالشرطة.
وبعدين بصلي:
ـ نورهان…
ـ نعم؟
ـ لازم نطلع من العمارة.
ـ ليه؟
ـ لأنهم عارفين إن الفلاشة معانا.
ـ بس الفلاشة في الصندوق.
ـ لأ.
ـ إيه؟
ابتسم ابتسامة مرعبة:
ـ أنا أخدت الفلاشة قبل ما نقفل الصندوق.
طلعتها من جيبه.
دي اللي كانوا بيدوروا عليها.
بصيت لها. كانت صغيرة جدًا. لكن شكلها كان كأنه شايل مصيرنا كله.
قلت:
ـ طيب لازم نعرف فيها إيه.
ـ مش هنا.
ـ نروح فين؟
ـ عند واحد أثق فيه.
ـ مين؟
سكت.
ـ طارق؟
ـ أخويا.
ـ إنت ما عندكش إخوات.
بصلي:
ـ مش أخويا بالدم.
ـ مين؟
قال:
ـ صاحب أبويا القديم.
خرجنا من الشقة المهجورة من باب خلفي، ونزلنا من سلم الخدمة لحد الجراج. ركبنا العربية.
وأول ما خرجنا من العمارة، تليفون طارق رن.
أمي كانت بتتصل. أقصد… أمه.
بص للشاشة. ما ردش.
اتصلت تاني. ما ردش.
بعتت رسالة: “طارق، متروحش لأي حد”.
وبعدها رسالة تانية: “أنا كنت بحاول أحميك”.
وبعدها: “لو فتحت الفلاشة، هتندم”.
طارق قفل الموبايل.
قلت:
ـ هي عارفة.
ـ عارفة إيه؟
ـ إن الفلاشة معانا.
سكت.
وبعد دقايق وصلنا لمكان غريب في مصر الجديدة.
عمارة قديمة.
طلعنا الدور الخامس. طارق خبط ثلاث خبطات. وبعدين خبطتين.
الباب اتفتح.
راجل كبير في السن ظهر. أول ما شاف طارق، وشه اتغير:
ـ إنت ابن أحمد؟
طارق قال:
ـ آه.
الراجل بصلي. وبص للشارع. وقال:
ـ ادخلوا بسرعة.
دخلنا. قفل الباب.
بالمفتاح.
وبعدين قفل قفل تاني.
وقفل السلسلة.
وقال:
ـ مديحة عرفت إنك جيت هنا؟
طارق قال:
ـ لأ.
الراجل تنفس براحة:
ـ الحمد لله.
قلت:
ـ حضرتك مين؟
قال:
ـ اسمي فؤاد.
وبص لطارق:
ـ وأنا كنت آخر واحد شاف أبوك قبل ما يموت.
طارق اتجمد:
ـ كنت معاه في المستشفى؟
فؤاد هز راسه:
ـ لأ.
ـ أمال فين؟
فؤاد بص لنا:
ـ في مكتبه.
ـ قبل ما يموت بكام؟
ـ تلات ساعات.
طارق قرب:
ـ وإيه اللي حصل؟




