روايات وقصص

ابويا حكايات صافي هاني

جواه ظرف قديم.

وصورة ليا وأنا طفلة قاعدة على رجل أمي.

وفوق الصورة ورقة مكتوب عليها بخط إيدها:

“لأمينة… لو وصلتي للورقة دي، يبقى الوقت جه.”

إيدي بدأت ترتعش.

فتحت الرسالة.

وكان أول سطر فيها:

“لو أبوكي حاول يخليكي تصدقي إنك محتاجة إذنه عشان تعيشي حياتك… افتكري إنك مش ملك لأي حد.”

دموعي نزلت من غير ما أحس.

كملت القراءة.

أمي كانت كاتبة إنها كانت عارفة إن محسن شخص مسيطر.

وعارفة إنه هيحاول بعد وفاتها يفضل متحكم في كل حاجة.

لكنها كانت مجهزة كل شيء.

حتى الشركة.

حتى البيت.

حتى العربية.

وفي آخر الرسالة كتبت:

“والأهم من كل ده… فيه سبب محدد خلاني أسيب الأغلبية في الشركة ليكي أنتِ، مش لأبوكي ولا لأخوكِ.”

رفعت عيني لشريف.

— السبب إيه؟

شريف سكت.

وبعدين قال:

— لازم تعرفيه من التسجيل بنفسك.

وطلع جهاز تسجيل صغير.

ضغط زر التشغيل.

وصوت أمي خرج من السماعة.

صوتها اللي مفتقداه من أربع سنين.

قالت:

“أمينة… لو بتسمعيني دلوقتي، يبقى محسن وصل لمرحلة مكنتش عايزة أوصلها معاه.”

سكت التسجيل لحظات.

وبعدين قالت:

“أنا مش خايفة على فلوسي… أنا خايفة على الشركة.”

المشهد الثالث

التسجيل كمل.

أمي كانت بتتكلم بهدوء شديد.

قالت إنها اكتشفت قبل وفاتها إن فيه تحويلات مالية اتعملت من حسابات الشركة من غير موافقة مجلس الإدارة.

مبالغ كبيرة.

وملفات اتقفلت.

وعقود اتوقعت من غير الرجوع للمساهمين.

لكنها مكانتش متأكدة وقتها مين المسؤول.

عشان كده حطت كل حاجة في صندوق قانوني.

وقالت إنها لو ماتت قبل ما تكشف الحقيقة فالمستندات هتفضل محفوظة لحد ما أمينة تتم الرابعة والعشرين.

بصيت لشريف.

— يعني ماما كانت شاكه في بابا؟

قال:

— كانت شاكه في أكتر من شخص.

كمل التسجيل.

“أمينة… متصدقيش أي حد يقول لك إن الشركة بتاعة أبوكي. الشركة دي أنا بنيتها من الصفر. وهو ساعدني فيها ووقف جنبي، وده حقه يتقدر. لكن المساعدة مش معناها الملكية.”

دموعي زادت.

وبعدين قالت جملة خلتني أحس إن الأرض اتحركت تحتي:

“ولو طارق حاول ياخد العربية من غير إذنك… متسامحيهوش بسهولة.”

بصيت لشريف بدهشة.

هو قال:

— كريمة كانت عارفة إن طارق بيحب يسوقها.

سمعنا آخر جزء.

“العربية مش مجرد عربية يا أمينة. دي الحاجة الوحيدة اللي أبوكي حاول يبيعها زمان وأنا رفضت. خليها عندك. لأنها هتفضل شاهدة على حاجات كتير.”

التسجيل وقف.

سكتنا.

وفجأة شريف فتح ملف تاني.

— فيه حاجة أخطر.

— إيه؟

— التحويلات اللي كريمة كانت شاكه فيها… لقينا جزء منها.

قرب الملف مني.

كان فيه أسماء شركات.

وأرقام حسابات.

وتواريخ.

ولما بدأت أقرأ، لقيت اسم شركة بيتكرر أكتر من مرة.

شركة مملوكة لطارق.

بصيت لشريف.

— طارق؟

هز راسه.

— للأسف.

حسيت بغضب شديد.

مش عشان الفلوس.

عشان العربية.

عشان ضحكته وهو بيقولي إني درامية.

عشان أبويا وقف يدافع عنه من غير حتى ما يسمعني.

قلت:

— هو كان بياخد من فلوس الشركة؟

شريف رد:

— محتاجين تحقيق رسمي عشان نقول ده بشكل قاطع.

وبعدين حط قدامي ورقة تانية.

— لكن فيه تحويلات خرجت من الشركة لحساب شركة طارق.

في اللحظة دي تليفوني رن.

رقم أبويا.

رديت.

صوته كان مختلف.

مفيهوش غرور.

— أمينة… تعالي البيت.

— ليه؟

— نتكلم.

— عن إيه؟

— عن كل حاجة.

— لأ.

سكت.

وبعدين قال:

— أنا غلطت.

الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تخليني أسكت.

أول مرة في حياتي أسمع أبويا يقولها.

لكن بعدها قال:

— بس لازم ترجعي.

ضحكت بهدوء.

— لا يا بابا.

— أمينة…

— أنا مش هرجع.

— دي مش نهاية الدنيا.

— بالنسبة لي دي بداية حياتي.

وقفلنا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى