روايات وقصص

ابويا حكايات صافي هاني

بعدها شريف قال:

— عندنا اجتماع مجلس الإدارة بكرة.

بصيت له.

— وأنا هحضره.

— متأكدة؟

— جدًا.

وبصيت لصورة أمي اللي كانت قدامي.

— المرة دي مش هخلي حد يتكلم مكاني.

المشهد الرابع

تاني يوم الصبح وصلت مقر الشركة.

المكان كله كان متوتر.

الموظفين واقفين في الممرات.

المدير المالي كان مرتبك.

وأعضاء مجلس الإدارة قاعدين جوه قاعة الاجتماعات.

دخلت.

الكل سكت.

طارق كان قاعد جنب أبويا.

داليا كانت في آخر القاعة.

وأول ما أبويا شافني وقف.

— أمينة.

قلت:

— صباح الخير.

طارق بص لأبويا.

واضح إنهم مكانوش متوقعين إني أجي.

شريف دخل ورايا.

حط الملف على الطاولة.

وقال:

— الاجتماع بدأ.

محسن حاول يتكلم:

— قبل أي حاجة أنا عايز أوضح إن اللي حصل امبارح كان خلاف عائلي.

قاطعته:

— لأ.

الكل بص لي.

— اللي حصل امبارح كان بداية كشف إن فيه فرق بين العيلة والشركة.

محسن اتوتر.

شريف فتح المستندات.

بدأ يعرض العقود والتحويلات.

طارق اتغير لون وشه.

محسن قال:

— دي تحويلات قانونية.

شريف رد:

— ممكن.

وبعدين بص له:

— لكن محتاجة تفسير.

طارق بدأ يتكلم:

— أنا كنت بشتغل مع الشركة.

قلت له:

— طب والعربية؟

بص لي.

— مالها؟

— دفعت إصلاحها؟

سكت.

قلت:

— لأني لحد دلوقتي مش ناسية إنك خبطت حاجة تخص أمي وضحكت.

طارق نزل عينه.

أبويا حاول يدافع:

— العربية تتصلح.

بصيت له.

— العربية مش المشكلة يا بابا.

سكت.

— المشكلة إنك عمرك ما شفتني كشخص بالغ. دايمًا كنت شايفني بنت صغيرة لازم تسمع كلامك.

محسن وشه انكسر لأول مرة.

قلت:

— امبارح لما قلت لي “متخرجيش من البيت لحد ما تعتذري”… كنت فاكر إنك بتعاقبني.

وقفت لحظة.

— لكن الحقيقة إنك كنت بتديني آخر سبب محتاجاه عشان أمشي.

سكتت القاعة.

شريف حط آخر ورقة.

— وفيه حاجة أخيرة.

بصيت له.

قال:

— بناءً على شروط الصندوق، أي تدخل مباشر من محسن الشاذلي في الإدارة بعد انتقال السيطرة لأمينة يعتبر مخالفة لشروط الإدارة.

محسن قعد مكانه ببطء.

أول مرة ميبقاش عنده رد.

وبعدين شريف بص لي:

— القرار ليكي.

بصيت لأبويا.

كان شكله أكبر بعشرين سنة.

متعب.

مكسور.

لكن جواه نفس الكبرياء.

قلت:

— أنا مش هنتقم منك.

رفع عينه لي.

— ومش هطردك من الشركة من غير حق.

طارق تنفس براحة.

لكن كملت:

— لكن هتسيب الإدارة.

وشه وقع.

— أمينة…

— الإدارة هتتراجع من البداية. وكل عقد وكل حساب وكل تحويل هيتراجع قانونيًا.

بصيت لطارق.

— وأي حد يثبت إنه استخدم أموال الشركة لمصلحته هيتحاسب.

وبعدين قلت:

— حتى لو كان أخويا.

طارق بص في الأرض.

خرجت من القاعة.

بعد أسبوعين رجعت للبيت.

مش عشان أرجع أعيش فيه.

رجعت آخد آخر حاجة.

عربية أمي.

بعد ما اتصلحت بالكامل.

وقفت قدامها ولمست الكبوت بإيدي.

افتكرت أمي.

افتكرت ضحكتها.

وافتكرت كل مرة كانت بتقول لي:

“العربية دي مش غالية عشان تمنها… غالية عشان الحكايات اللي عشناها فيها.”

ركبت.

ولأول مرة من سنين حسيت إن المكان ده بقى بتاعي فعلًا.

مش ملكًا للورق.

لكن ملكًا للذكرى.

وقبل ما أمشي، لقيت أبويا واقف عند باب البيت.

قال:

— هتمشي من غير ما تقولي حاجة؟

بصيت له.

— أقول إيه؟

— إني أبوكي.

ابتسمت بحزن.

— وأنا عمري ما نسيت إنك أبويا.

سكت.

— بس أنت اللي نسيت إني بنتك.

دموعه نزلت.

قال:

— ممكن أسألك سؤال؟

— اسأل.

— فيه فرصة تسامحيني؟

بصيت له طويلًا.

— التسامح مش معناه إني أنسى.

هز راسه.

— وأنا مش هطلب منك تنسي.

فتحت باب العربية.

وقبل ما أركب قلت:

— لما تتعلم تحترمني كإنسانة قبل ما تشوفني بنتك… ساعتها ممكن نبدأ من جديد.

ركبت.

وشغلت العربية.

وصوت الموتور القديم رجع يرن في الشارع.

ابتسمت.

كانت نفس العربية.

نفس الذكريات.

لكن المرة دي أنا اللي كنت ماسكة الدريكسيون.

ومشيت.

وفي اليوم اللي بعدها، وصلني آخر خطاب من شريف.

كان فيه صورة من آخر صفحة في وصية أمي.

وتحتها جملة قصيرة بخط إيدها:

“أنا مش بسيب لبنتي فلوس وبس… أنا بسيبلها حقها في إنها تختار حياتها بنفسها.”

قفلت الورقة وحطيتها جنب صورتها.

وساعتها فهمت إن أمي مكنتش بتجهزني عشان أورث بيت أو شركة.

كانت بتجهزني للحظة اللي أقف فيها قدام الناس كلهم وأقول:

“أنا مش طفلة.”

أنا أمينة الشاذلي.

والنهارده لأول مرة…

أنا صاحبة قراري.

ومن يومها اتغير كل شيء.

الشركة اتعمل لها إعادة هيكلة كاملة.

الديون اتراجعت.

طارق اتحاسب على كل حاجة أثبتها التحقيق.

وأبويا خرج من الإدارة لكنه فضل أبوي.

أما أنا…

فمبقتش البنت اللي كانوا بيضحكوا عليها على سفرة الغداء.

بقيت الست اللي عرفت إن أهدى قرار ممكن تاخديه في حياتك أحيانًا…

يكون أقوى من ألف خناقة.

وأقوى رد على اللي حاولوا يحبسوك…

إنك تمشي بهدوء.

وتقفلي الباب وراكي.

وتبدأي حياتك من جديد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى