
ا تلمي نفسك يا بت وإنتي واقفة قدام حضرة الظابط!” ضحكت ضحكة مستفزة، وبصتله من فوق لتحت وهي بتقول بجرأة: “وألم نفسي إزاي بس يا باشا، وأنا كاشفة رجلي طول الوقت؟!” الكلمة نزلت على المكتب زي القنبلة، والضحكة اللي خرجت من بوقها كانت كفيلة إنها تشعل غضب كل اللي موجودين.
سليم باشا العلاليلي، رئيس مباحث قسم مصر الجديدة، قام من على كرسيه ببطء، وسند بإيده على المكتب، وبصلها بنظرة خلت الابتسامة تتجمد على وشها للحظة، وساد الصمت في المكتب كله. حتى العساكر اللي كانوا واقفين على الباب سكتوا فجأة، وكأن كل واحد فيهم مستني يشوف رد فعل رئيس المباحث اللي محدش بيقدر يختبر صبره.
كان قدامه مجموعة بنات اتقـ*ـبض عليهم من الشارع بتهمة مما*رسة أفعا*ل مخـ*ـلة بالآد*اب، وكل واحدة فيهم كانت بتحاول تبرر وجودها في المكان. لكن وسط المجموعة دي، كانت فيه بنت واقفة على جنب، بعيدة عنهم، وبتعيط في صمت.
البنت دي بالذات هي اللي لفتت نظر سليم باشا ملامحها مختلفة عن الباقيين، مفيش نقطة ميك أب على وشها، ولا حتى كانت بتحاول تتصنع الدلع أو تلفت انتباه حد. لبسها بسيط وقديم، وشعرها ملموم بعشوائية، وملامحها البريئة وجمالها الهادي كانوا أقرب لملامح ملاك تايه وسط مكان مش شبهه.
رفع سليم عينه ناحية العسكري وقال بنبرة آمرة: “يا عسكري، هاتلي البنت اللي واقفة على جنب دي، تقف قدامي.” العسكري اتحرك ناحيتها، ومسكها من دراعها بعنف، فشهقت البنت وبدأت تعيط أكتر، وحاولت تبعد إيده عنها وهي بتقول بخوف: “أنا همشي مع حضرتك، والله همشي، بس متشدنيش من إيدي لو سمحت!
” العسكري اتنرفز من طريقتها، وشتمها بلفظ جارح، فما كانش منها غير إنها رفعت عينيها ليه، ورغم دموعها قالت بوجع: “ليه تغلط في أمي؟ ترضى حد يغلط في والدتك؟” العسكري اتصدم من ردها، ووشه احمر من الغضب، فصرخ فيها: “إنتي هتعملي فيها محترمة يا بنت الـكل.
….؟ بتردي عليا كمان؟! ” ورفع إيده عشان يضـ,ـربها، لكن صوت سليم دوّى في المكتب: “بس يا عسكري!” إيد العسكري وقفت في الهوا، والتفت لسليم بسرعة. سليم بصله بحدة وقال: “أنا مش قولتلك هاتها قدامي؟ مين اداك الحق تمد إيدك عليها؟ هاتها وإنت ساكت!
” العسكري نزل إيده، ومسك البنت من دراعها تاني، لكن المرة دي من غير ما يتكلم، لحد ما وقفها قدام المكتب. كانت البنت بتترعش، وبتحاول تمسح دموعها بطرف كمها، لكن كل ما ترفع إيدها لوشها، كانت دموع جديدة تنزل مكان اللي مسحتها.
سليم قعد على كرسيه، وسند ضهره عليه، وبص لها من فوق لتحت بنظرة فاحصة، قبل ما يسألها ببرود: “وإنتي بقى كنتي معاهم؟” البنت هزت راسها بالنفي بسرعة. ضيّق عينيه وقال: “مش شايفة نفسك صغيرة على الكلام ده؟ ولا إنتي من النوع اللي بيصطاد الزباين، ولما تلاقي حد مناسب تقلبّيه؟
ولا إنتي من النوع اللي بيصطاد الزباين، ولما تلاقي حد مناسب تقلبّيه؟ ولا بتروحي معاهم بنفسك؟” شهقت البنت من كلامه، ورفعت عينيها ليه بصدمة، كأن اتهامه وجعها أكتر من أي إهانة سمعتها طول اليوم. لكن سليم ما اهتمش لدموعها، وخبط بإصبعه على سطح المكتب وقال بنفاد صبر: “خلصي بقى!
أنا زهقت من حوار الدموع ده. كل واحدة بنمسكها تعمل نفسها مظلومة، وتفضل تعيط لحد ما الناس تصدقها. انطقي يا بت، خلينا نخلص ونقفل المحضر!” البنت بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت تتكلم، لكن صوتها كان ضعيف ومخنوق: “أنا… أنا مكنتش معاهم يا باشا.
” سليم رفع حاجبه وقال بسخرية: “أمال كنتي بتعملي إيه في الشارع معاهم؟” ردت وهي بتبص للأرض: “أنا كنت بشحت.” قالتها بصوت واطي لدرجة إن سليم ما سمعهاش كويس، فخبط بكفه على المكتب وقال: “إيه؟ ارفعي صوتك! أنا مش هفضل أطلع الكلام منك بالعافية!
” انتفضت البنت من صوته، ورفعت عينيها بسرعة وهي بتقول: “كنت بشحت يا باشا!” سليم سكت لحظة، وبعدين سألها بحدة: “بتشحتِي؟ وإيه اللي جابك في الوقت ده للمكان اللي اتقبض عليكي فيه؟” البنت مسحت دموعها، لكن إيديها كانت بتترعش، وقالت بصوت متقطع: “أنا بقالي كام يوم مدوقتش الأكل يا باشا.
.. والله العظيم ما أكلتش حاجة تسد جوعي. كنت بلف على المحلات، وأترجى أصحابها يشغلوني، حتى لو هنضف أو أمسح الأرض، أي حاجة أقدر أشتغلها وآكل من تمنها.” سليم فضل باصصلها من غير ما يقاطعها، وهي كملت، وصوتها بدأ يتهز أكتر: “بس محدش رضي يشغلني.
كل ما أدخل محل، صاحب المحل يبصلي من فوق لتحت، ويسألني أسئلة ملهاش علاقة بالشغل، ولما يفهم إني لوحدي ومليش حد يسأل عليا، يطردني كأني عملت جريمة.” نزلت دمعة على خدها، فمسحتها بسرعة “لحد ما دخلت محل في آخر الشارع، وطلبت من صاحبه يشغلني.
قلتله إني جعانة، ومستعدة أعمل أي حاجة بالحلال عشان آكل. في الأول وافق، وقاللي إنه هيساعدني، وأنا فرحت وفكرت إن ربنا بعتلي حد يرحمني من اللي أنا فيه.” وقفت فجأة، وكأنها مش قادرة تكمل. سليم مال بجسمه لقدام وقال: “وبعدين؟
” البنت ضمت إيديها لبعض بقوة، وهمست: “بس لما المحل فضي، حاول يقرب مني… وقاللي إنه مش هيشغلني غير لما أوافق على اللي هو عايزه.” ملامح سليم اتغيرت بشكل بسيط، لكنه فضل ساكت، فالبنت كملت بسرعة، وكأنها عايزة تخلص من الكلام اللي بيخنقها: “أنا خفت منه، وقلتله يبعد عني، لكنه مسمعش كلامي، ومسكني بالعافية.
حاولت أزقه وأهرب، بس هو كان أقوى مني، ولما لقيته مش راضي يسيبني، لقيت حاجة قدامي على الترابيزة، فضـ,ـربته بيها على دماغه وجريت!” سليم عقد حواجبه، وسألها بتركيز: “ضـ,ـربتيه بإيه؟” “بقطعة حديد صغيرة كانت على الترابيزة يا باشا.” “وقع على الأرض؟” هزت راسها وهي بتعيط: “أيوه.



