منوعات

طوق نجاه انجي الخطيب

ده إحنا عندنا قضية قتـ,ـل كمان! وإيه تاني؟ كملي، ما دام ابتدينا نحكي يبقى نسمع الحكاية للآخر!” البنت رفعت راسها بسرعة، وعينيها اتملت رعب: “قتـ,ـل إيه يا باشا؟! أنا مقـ,ـتلتوش، والله ما قـ,ـتلته! أنا ضـ,ـربته عشان يسيبني، وبعدها جريت. أنا معرفش هو حصله إيه!

” سليم قعد على كرسي المكتب، وحط إيده تحت دقنه، وبصلها بنظرة كلها شك وارتياب، وقال ببطء: “يعني إنتي عايزة تفهميني إنك بنت غلبانة، جعانة، نازلة تشحت، وفجأة تلاقي نفسك في مكان فيه مجموعة متهمة في قضية آد*اب، وبعدها تضـ,ـربي راجل بقطعة حديد على دماغه وتجري، وكل ده صدفة؟

! ” هزت راسها بعنف، والدموع بتغرق وشها: “أيوه يا باشا! والله العظيم دي الحقيقة!” سليم خبط بإصبعه على المكتب، وقال بصرامة: “اسمك إيه؟” سكتت البنت. رفع عينه ليها وقال: “بكلمك! اسمك إيه؟” ردت بصوت مبحوح: “مريم.” “مريم إيه؟” نزلت عينيها للأرض، وفضلت ساكتة.

 

سليم كرر السؤال بنبرة أشد: “اسمك بالكامل يا مريم!” البنت بدأت تتنفس بسرعة، وشحبت ملامحها بشكل ملحوظ، وكأن مجرد السؤال عن اسمها الكامل فتح جواها باب لخوف أكبر من خوفها من الحبس. سليم لاحظ التغيير المفاجئ ده، فعدل قعدته وبصلها بتركيز.

“إيه يا بنتي؟ مالك؟ هو اسمك فيه إيه؟” مريم هزت راسها وهي بترجع خطوة لورا: “مقدرش أقول يا باشا.” سليم وقف كلامه للحظة، وبعدين قال ببطء: “ماتقدريش؟ ولا مش عايزة؟” “والله ما أقدر!” “طب ليه؟ خايفة من مين؟

” مريم فتحت بقها عشان ترد، لكن صوتها اختفى، وعينيها اتحركت ناحية باب المكتب، كأنها بتتأكد إن مفيش حد واقف وراها. سليم تابع نظراتها، وملامحه بدأت تتبدل من الغضب للشك الحقيقي. “بصيلي يا مريم.” رفعت عينيها ليه بصعوبة.

قال بنبرة هادية لكنها حاسمة: “إنتي مش هتخرجي من هنا غير لما أفهم إيه اللي بيحصل. ولو حد مهددك، قوليلي مين، وأنا هتصرف.” مريم ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة، وقالت: “حضرتك فاكر إن أي حد يقدر يحميني؟

” سليم ضيّق عينيه. “قصدك إيه؟ ” مريم قربت خطوة من المكتب، وبصتله بنظرة مختلفة تمامًا عن نظرة البنت المكسورة اللي كانت واقفة من شوية. وقالت بصوت واطي: “لو قلتلك اسمي الحقيقي، ممكن حضرتك بنفسك تندم إنك سألتني عنه.” سليم سكت، وعينيه ثبتت على وشها.

ولأول مرة من ساعة ما دخلت مكتبه، حس إن البنت اللي قدامه مش مجرد بنت غلبانة اتورطت في قضية، وإن فيه سر كبير مستخبي ورا دموعها وخوفها. لكنه ما كانش من النوع اللي بيتراجع قدام التهديدات، فمال بجسمه لقدام وقال بصرامة: “اسمعي يا مريم، أنا سليم العلاليلي، رئيس مباحث مصر الجديدة.

شفت قضايا كتير، وسمعت حكايات أغرب من حكايتك، فبلاش تحاولي تخوفيني بكلمتين. يا تقولي اسمك الحقيقي، يا هوديكي تعملي فيش واكتشف انا بنفسي مريم بصتله ثواني طويلة، وبعدها نزلت عينيها، وشفايفها بدأت ترتعش. “حاضر يا باشا… هقولك.

سليم أشار للعسكري اللي واقف جنب الباب: “اطلع بره وخد اابنات دول مهاك نزلهم الحجز واقفل الباب، ومحدش يدخل غير لما أطلبه.” العسكري خرج، والباب اتقفل وراه. مريم فضلت واقفة مكانها، بتبص للأرض، لحد ما سليم قال: “أنا سامعك. ” رفعت وشها ببطء، وفتحت بوقها عشان تنطق…

لكن قبل ما تقول أول حرف، تليفون سليم رن على المكتب. بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، ملامحه اتجمدت للحظة. كان اتصال من المأمور نفسه. رد سليم بسرعة: “أيوه يا فندم.” جاله صوت المأمور متوتر على غير عادته: “سليم، البنت اللي عندك دلوقتي. .. اسمها إيه؟

” سليم بص لمريم، اللي كانت بتراقبه برعب، ورد: “لسه بحقق معاها يا فندم. بتقول إن اسمها مريم، بس رافضة تقول اسمها بالكامل.” سكت المأمور ثانيتين، وبعدها قال بصوت منخفض: “اسمعني كويس يا سليم… البنت دي متخليهاش تمشي، ومتخليش أي حد يقرب منها، مهما حصل. مفهوم؟

 

” سليم عقد حواجبه وقال: “فيه إيه يا فندم؟ حضرتك تعرفها؟” المأمور اتنفس بقلق، ورد بجملة خلت سليم يعتدل في قعدته فجأة: “اللي أعرفه إنك لو عرفت هي بنت مين، هتفهم ليه ناس كتير مستعدة تعمل أي حاجة عشان تختفي من هنا!

” وفي اللحظة دي، اتسمع صوت خبطة عنيفة على باب المكتب، وبعدها دخل العسكري ، ووشه مخطوف من الرعب. “الحق يا باشا!!”سليم وقف مرة واحدة، وحط التليفون على المكتب: “في اية ؟ اتكلم!” العسكري بلع ريقه، وبص لمريم بخوف، وبعدها قال: “فيه عربية سودا وقفت قدام القسم، ونزل منها رجالة شكلهم تبع راجل مهم ومعاهم محامي كبير .

.. وبيقولوا إنهم جايين عشان يطلعوا البنت اللي اسمها مريم !” سليم بص لمريم اللي كانت رجليها مش شايلاها. لكن قبل ما يتحرك ناحية الباب، مريم مسكت طرف مكتبه وهي بتترعش، وهمست بكلمتين خلوا الدم ينسحب من وشه: “يا باشا.

.. متسلمّنيش ليهم… دول مش جايين ياخدوني عشان يرجعوني البيت. ” سليم ثبت عينيه عليها وسألها: “أمال جايين يعملوا إيه؟” مريم بلعت ريقها، والدموع نزلت من عينيها وهي بترد بصوت مكسور: “جايين يقـ,ـتلو*ني…”طيب أنا قبل ما أسمح لحد يدخل مكتبي، عايز أعرف منك إنتي مين بالظبط واسمك إيه؟

” مريم فضلت باصة للأرض، وصوابعها متشابكة في بعض بقوة، وكأنها بتحاول تتمسك بآخر ذرة شجاعة جواها. كانت عارفة إن اللحظة دي هتغير كل حاجة، وإن أول ما تنطق باسمها الحقيقي، مش هتقدر ترجع تاني لنقطة البداية.

رفعت عينيها لسليم ببطء، وقالت بصوت مرتعش: “أنا مريم عزام. ” سليم اتجمد مكانه، وعينيه وسعت من الصدمة، وكأنه مش مستوعب الاسم اللي سمعه. “إنتي قولتي إيه؟!” مريم بلعت ريقها بصعوبة، وكررت كلامها وهي بتحاول تثبت صوتها: “مريم عزام يا باشا.

” سليم قام من مكانه مرة واحدة، ولف حوالين المكتب لحد ما وقف قدامها، وبصلها بذهول ممزوج بالشك. “عيلة عزام؟! إنتي بنت أكبر عيلة في البلد؟! إيه اللي وصلك للحالة دي؟ وإزاي بنت من عيلة بالحجم ده تبقى في الشارع، وتبات من غير أكل، وتتقبض عليها بالشكل ده؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى