روايات وقصص

خادمة الملك انجي الخطيب

القاهرة. وبعد بحث طويل، توصلت الشرطة إلى سجل قديم في أحد المستشفيات بالإسكندرية، فيه بيانات رجل اتعالج تحت اسم مستعار بعد حاډث سيارة من ستة وعشرين سنة. كان الرجل اسمه يوسف النجار. مريم سافرت مع أدهم إلى الإسكندرية، وقلبها بيدق بقوة طول الطريق. لما وصلوا للمكان، دخلوا بيتًا صغيرًا قريبًا من البحر، حيث كان يعيش رجل مسن شعره أبيض ووجهه مليان خطوط الزمن. كان قاعد جنب الشباك، بيبص للموج، ولما سمع صوت الباب، الټفت. مريم وقفت مكانها. ملامحه كانت مختلفة عن الصورة، لكن عينيه كانت نفس العينين. قالت بصوت ضعيف بابا؟ الرجل اتجمد. مين؟ مريم طلعت الصورة القديمة من حقيبتها. أنا مريم… بنت ليلى. الصورة وقعت من إيده. قام بصعوبة، وعينيه امتلوا بالدموع. مريم؟ بنتي؟ مريم جريت ناحيته، واحتضنته وهي بټعيط. يوسف ضمھا بقوة، كأنه خاېف تصحى من حلم وتختفي. كنت فاكر إنك متي… قالوا لي إن الحريق اللي حصل في البيت اللي كنتِ فيه أخدك. مريم رفعت رأسها. أنا عشت. أمي ربّتني لحد ما تعبت، وبعدها ست أمينة اهتمت بيا. يوسف مسح دموعه. كنت بدور عليكم، لكن فؤاد كان مهددني، وكل مرة كنت أقرب من الحقيقة كان يحصل حاجة تبعدني عنها. ولما حاولت أرجع القاهرة، اتعرضت لحاډث خلاني أقعد في المستشفى شهور، ولما خرجت، كنت خاېف أعرّضك للخطړ. مريم مسكت إيده. أنا مش جاية ألومك يا بابا. أنا جاية أرجعك لحياتنا. يوسف بصلها بۏجع. أمك كانت هتبقى فخورة بيكي. مريم ابتسمت وسط دموعها. أنا نفسي كنت عايزة تسمع مني الحكاية دي. قضوا ساعات طويلة بيتكلموا عن ليلى، وعن طفولة مريم، وعن كل السنين اللي اتسرقت منهم. وقبل ما يرجعوا للقاهرة، يوسف وافق يشهد قدام النيابة ويقدم شهادته عن تزوير الحسابات. ولما رجعوا القصر، كان الملك محمود مستنيهم في الحديقة. أول ما شاف يوسف، وقف من مكانه. يوسف… يوسف بص له بمرارة. جلالة الملك. محمود قرب منه. أنا عارف إن كلمة آسف مش هترجع السنين اللي ضاعت، ولا هتمسح اللي حصل لأختي. يوسف رد بهدوء لا، مش هترجعها. لكن ممكن تمنع اللي حصل لنا يتكرر مع حد تاني. الملك نزل رأسه. أنا هعلن براءة ليلى رسميًا، وهعيد اسمها لسجلات العائلة، وهصرف تعويضًا من أموالي الخاصة لكل الناس اللي اتضررت من جرائم
فؤاد. يوسف بص له طويلًا. الاعتراف بالحقيقة بداية كويسة، لكن المهم اللي هتعمله بعدها. الملك أومأ. عندك حق. بعد أسابيع، اتعملت جلسة رسمية في القصر، حضرها ممثلون عن المؤسسات القضائية وأفراد من العائلات الكبيرة وناس من المجتمع. وقف الملك محمود أمام الجميع، وأعلن أن الأميرة ليلى كانت بريئة من كل الاټهامات التي وُجهت إليها، وأن ما حدث كان نتيجة تزوير وخېانة استغل فيها فؤاد الشاذلي سلطته. وأعلن إعادة اسمها إلى السجل الملكي، وتكريم ذكراها بإطلاق اسمها على مؤسسة طبية لعلاج الأطفال غير القادرين، وهي المؤسسة اللي كانت ليلى نفسها بتحلم بإنشائها. مريم كانت واقفة في الصف الأول، جنب أبوها وأدهم. ولما الملك خلص كلامه، الټفت لها وقال مريم ليلى محمود، باسم العائلة المالكة، أعتذر لكِ عن كل ظلم تعرضتِ له، وعن كل سنة عشتِ فيها بعيدة عن حقيقتك. مريم اتقدمت خطوة. أنا بقبل اعتذارك، لكن عندي طلب. الملك أشار لها تتكلم. عايزة المؤسسة اللي باسم أمي تكون مفتوحة لكل طفل محتاج، من غير ما يسألوا عن اسم عيلته أو فلوس أهله. وعايزة كل العاملين في القصر يبقى ليهم حقوق واضحة، وميكونش فيه حد يقدر يهينهم أو يهددهم عشان محتاجين شغل. القاعة سكتت للحظات، وبعدها الملك ابتسم. أوعدك إن ده هيحصل. أدهم بص لمريم بفخر، لكنه ما قالش حاجة. بعد انتهاء الجلسة، بدأت حياة القصر تتغير تدريجيًا. اتفتحت السجلات للمراجعة، واتعملت قواعد جديدة لحماية العاملين، واتخصص جزء من أموال الدولة لمشروعات العلاج والتعليم في المناطق الفقيرة. أما فؤاد، فاستمرت محاكمته، وظهرت أدلة وشهادات جديدة أكدت چرائمه، وصدر حكم بإدانته في قضايا الفساد والتزوير والاعتداء على حقوق الآخرين، إلى جانب الأحكام المتعلقة بالچرائم الأخرى التي أثبتتها المحكمة. فرح كمان قررت تواجه مسؤوليتها عن سكوتها ومشاركتها غير المباشرة في بعض الأعمال المالية الخاصة بعائلتها. قدمت شهادتها للنيابة، وبدأت تشتغل مع مؤسسة ليلى في تنظيم برامج تعليمية للفتيات، وكانت كل مرة تشوف مريم بتحاول تساعدها من غير ما تذلها، تحس إنها بتتعلم درسًا جديدًا عن معنى الاحترام. وفي يوم، دخلت فرح مكتب مريم الصغير داخل المؤسسة، وقالت أنا عارفة إن الاعتذار مش بيمسح اللي حصل،
بس حبيت أقولك إني فعلًا اتغيرت. مريم ابتسمت. التغيير مش إنك تقولي إنك اتغيرتي، التغيير إنك تعملي الصح حتى لما محدش يكون شايفك. فرح أومأت. هفضل أحاول. مرت الشهور، ومريم بدأت تتعلم تفاصيل تاريخ العائلة المالكة، لكنها رفضت تنتقل إلى الجناح الملكي الكبير، وفضّلت تحتفظ بأوضتها البسيطة لفترة، لحد ما حسّت إنها مستعدة تبدأ مرحلة جديدة من حياتها. كانت بتقضي الصبح في المؤسسة، وبعد الظهر بتزور أبوها، وفي المساء تقعد في الحديقة مع أدهم يتكلموا عن الكتب والمشروعات وأحلام المستقبل. ومع مرور الوقت، بدأت مشاعرهم تتغير. أدهم ما بقاش يشوف مريم باعتبارها البنت اللي اختارها القفاز، لكنه بقى يشوفها باعتبارها الإنسانة اللي علمته إن القوة مش في الأوامر، وإن العدل مش كلمة بتتقال في الخطب، وإن احترام الناس بيبدأ من أبسط تصرف. أما مريم، فكانت بتشوف فيه شابًا بيحاول يصلح أخطاءه، وما بيهربش من الحقيقة حتى لما بتكون مؤلمة. وفي ليلة هادية، كانوا واقفين على شرفة تطل على حدائق القصر، والهواء بيحرك الستائر البيضاء برفق. أدهم قال مريم، ممكن أسألك سؤال من غير ما تفتكري إني بضغط عليكي؟ ابتسمت. اسأل. لو مفيش قفاز، ولا تاج، ولا عرش، ولا حد قال إنك أميرة… كنتِ ممكن تختاري تعيشي حياتك معايا؟ مريم فضلت ساكتة لحظة، وبعدين بصت له. أنا عمري ما كنت بحلم أعيش في قصر. كنت بحلم ألاقي مكان أحس فيه بالأمان، وأكون مع حد يسمعني من غير ما يحاول يقرر بدالي. أدهم قرب خطوة، لكنه حافظ على المسافة بينهم. وأنا مش عايزك تختاريني عشان أنا أمير. أنا عايزك تختاريني لو شفتيني أدهم الإنسان، بكل عيوبي وأخطائي. مريم ابتسمت. أنا شايفة أدهم الإنسان. أدهم أخد نفسًا عميقًا. يعني فيه فرصة؟ مريم ضحكت بخفة. فيه فرصة، بس عندي شروط. أدهم رفع حاجبه. شروط؟ أول شرط، مفيش قرار يخص حياتي يتاخد من غير ما أكون موجودة. موافق. تاني شرط، المؤسسة تفضل مستقلة، ومحدش يستخدم اسم أمي للدعاية أو لمصلحة شخصية. موافق. تالت شرط، لو اختلفنا، نتكلم بدل ما كل واحد يهرب للتاج أو للسلطة. أدهم ابتسم. ده أصعب شرط، بس هحاول ألتزم بيه. مريم ضحكت. يبقى نبدأ بالمحاولة. أدهم مد إيده لها، لكنها ما مسكتهاش فورًا. بصت له لحظة، وبعدها حطت إيدها

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى