روايات وقصص

خادمة الملك انجي الخطيب

في إيده برضاها. كانت أول مرة تختار فيها حاجة كبيرة في حياتها من غير خوف، ومن غير ما حد يفرض عليها قرارًا. بعد شهور، أعلن القصر خطوبة الأمير أدهم ومريم، لكن الإعلان ما كانش فيه استعراض مبالغ فيه ولا حفلات فخمة على حساب الناس. أصر أدهم إن الاحتفال يكون بسيطًا، وإن جزءًا كبيرًا من ميزانيته يروح للمؤسسة الطبية اللي اتأسست باسم الأميرة ليلى. وفي يوم الاحتفال، رجعت مريم إلى القاعة نفسها اللي اتضحك عليها فيها أول مرة. كانت القاعة مزينة بالورود البيضاء والذهبية، لكن المنصة الرخامية كانت مختلفة. في مكان القفاز الكريستال، اتحطت صورة كبيرة للأميرة ليلى، وتحتها جملة كتبتها مريم بنفسها القيمة الحقيقية للإنسان مش في اللي بيلبسه، لكن في اللي بيحمله جواه. فرح كانت واقفة بين المدعوين، ولما شافت مريم، قربت منها وقالت فاكرة أول يوم؟ مريم ابتسمت. فاكرة كل كلمة. فرح نزلت عينيها. أنا آسفة. مريم مسكت إيديها برفق. أنا سامحتك، بس مش عشان اللي حصل كان بسيط. سامحتك عشان مش عايزة أعيش بقلب مليان ڠضب. فرح دمعت عينيها، واحتضنتها. وبعد دقائق، دخل أدهم ببدلة أنيقة، ووقف قدام مريم. ما كانش فيه قفاز يختار بدلًا منها، ولا اختبار يحدد قيمتها، ولا قرار ملكي يفرض عليها مستقبلها. كان فيه سؤال واحد، وإجابة واحدة تخصهم هما الاتنين. أدهم قال بصوت واضح مريم، تقبلي تشاركيني حياتي، مش كجزء من واجبي الملكي، لكن كشريكتي اللي ليها نفس الحق في الاختيار والرأي والاحترام؟ مريم بصت له، وبعدها بصت للصورة اللي فوق المنصة. افتكرت أمها، والسنين اللي قضتها في المطبخ، والليالي اللي نامت فيها وهي مش عارفة أصلها، واللحظة اللي اتضحك عليها فيها قدام الناس. لكنها افتكرت كمان أبوها وهو بيحضنها لأول مرة، والملك وهو بيعترف بغلطه، وأدهم وهو بيقف جنبها من غير ما يطلب منها تكون ضعيفة أو مطيعة. ابتسمت وقالت أقبل، بشرط إننا نفضل فاكرين إننا اتنين بني آدمين قبل ما نكون أمير وأميرة. أدهم رد بابتسامة وعد. اتعلت التصفيقات في القاعة، لكن المرة دي ما كانش فيه حد بيضحك على مريم. الناس كانت بتصفق لبنت أثبتت إن الكرامة مش محتاجة تاج، وإن الماضي مهما كان قاسيًا، مش لازم يحدد النهاية. وبعد الاحتفال، وقف الملك محمود قدام مريم وأدهم، وسلمها القفاز الكريستال داخل صندوق مخملي. قال القفاز ده كان المفروض يبقى رمزًا لاختيار العائلة المالكة، لكنه بقى بالنسبة لي رمزًا لحقيقة كنت أعمى عنها سنين. مريم فتحت الصندوق، وبصت للقفاز طويلًا. أنا مش عايزاه يبقى وسيلة لاختيار حد تاني. الملك استغرب. أمال عايزاه يبقى إيه؟ مريم ابتسمت. عايزاه يتحط في متحف مفتوح للناس، ومعاه القصة الحقيقية لأمي. عشان كل واحد يشوفه يعرف إن أي تقليد مهما كان
قديم، لازم يخضع للعدل، وإن مفيش قطعة كريستال تقدر تحدد قيمة إنسان. الملك أومأ بإعجاب. زي ما تحبي. وبعد فترة قصيرة، اتفتح جناح جديد في المتحف الملكي، واتحط فيه القفاز خلف زجاج شفاف، جنب رسالة الأميرة ليلى وصورة يوسف النجار وسجل براءتها. كان الناس بييجوا من أماكن بعيدة عشان يشوفوا القفاز، لكن أغلبهم كان بيقف قدام الرسالة وقت أطول. لأن القصة الحقيقية ما كانتش عن قفاز سحري، ولا عن بنت فقيرة تحولت لأميرة في ليلة واحدة. كانت عن بنت اتظلمت، وقررت ما تسمحش للظلم إنه يكمل من خلالها. وعن ملك اكتشف متأخرًا إن الحفاظ على الكرامة أهم من الحفاظ على المظاهر. وعن أمير فهم إن الحب مش اختيار شخص من بين مجموعة، لكنه قرار يومي إنك تحترمه وتسمعه وتقف جنبه. وفي يوم افتتاح المؤسسة الطبية الجديدة، وقف يوسف النجار جنب بنته، وكان الملك محمود حاضرًا بنفسه. المبنى كان كبيرًا ومشرقًا، وفي مدخله لوحة مكتوب عليها اسم الأميرة ليلى، وتحتها عبارة هنا لا يُسأل الطفل عن ثروة أبيه، بل عن العلاج الذي يحتاج إليه. مريم قصت الشريط وسط تصفيق الحاضرين، وبعدها دخلت أول طفلة للمؤسسة، ماسكة إيد أمها وبتبص حواليها پخوف. مريم نزلت لمستواها، وابتسمت لها. مټخافيش يا حبيبتي. هنا كلنا هنساعدك. الطفلة بصت لها وسألت إنتِ الأميرة؟ مريم ضحكت بهدوء. أيوه، بس قبل ما أكون أميرة، أنا بنت كانت صغيرة وخاېفة زيك. الطفلة ابتسمت، ومسكت إيدها. ومن بعيد، كان أدهم بيتفرج عليهم بفخر. بعد انتهاء الافتتاح، مشي أدهم مع مريم في الحديقة الصغيرة الملحقة بالمؤسسة. قال لها عارفة إيه أكتر حاجة بتخليني فخور بيكي؟ مريم بصت له. إيه؟ إنك كان ممكن تطلبي أي حاجة لنفسك، لكن أول حاجة فكرتي فيها كانت الناس اللي محدش بيسمع صوتهم. مريم ردت عشان أنا كنت واحدة منهم. أدهم مسك إيدها. وأنا هفضل أفكرك إنك مش مطالبة تنقذي العالم كله لوحدك. ابتسمت. وأنا هفكرك إنك مش مطالب تبقى مثالي عشان تبقى ملك كويس. ضحك أدهم. اتفقنا. مرت السنوات، ومريم وأدهم بنوا حياتهم على الصراحة والاحترام، وأنجبوا طفلين، بنت اسمها ليلى وولد اسمه عمر، وكانوا بيحرصوا إن أول درس يتعلموه هو إن الناس مش بتتقاس بفلوسها أو نسبها أو شكلها. وكانت مريم كل سنة في ذكرى اليوم اللي لمست فيه القفاز، بتزور المتحف لوحدها لدقايق، وتقف قدامه وتتأمل انعكاس النور على الكريستال. وفي إحدى الزيارات، وقفت جنبها بنت صغيرة من أسرة بسيطة، وكانت بتبص للقفاز بانبهار. سألتها هو القفاز ده بيختار الأميرات فعلًا؟ مريم ابتسمت، ونزلت لمستواها. لا يا حبيبتي. القفاز مجرد حكاية قديمة. محدش يقدر يختار لك قيمتك، ولا يحدد مستقبلك غيرك. البنت فكرت شوية، وبعدين قالت يعني ممكن أبقى أي حاجة نفسي فيها؟
مريم ردت بثقة لو اتعلمتي، واجتهدتي، وحافظتي على قلبك وكرامتك، تقدري توصلي لحاجات كتير. ومهما بقيتي، افتكري إنك مش محتاجة تبقي أميرة عشان تستحقي الاحترام. البنت ابتسمت وجريت ناحية أمها، ومريم فضلت واقفة للحظة، وهي حاسة إن روح أمها قريبة منها. في المساء، رجعت القصر، ولقت أدهم مستنيها في الحديقة، ومعاه صندوق صغير. مريم بصت له باستغراب. إيه ده؟ أدهم فتح الصندوق، وكان جواه سوار بسيط من الفضة، عليه زهرة لوتس صغيرة. مش تاج، ومش مجوهرات ملكية، ومش حاجة هتحدد مستقبلك. شفته وافتكرت أمك، وافتكرتك. مريم مسكت السوار، وابتسمت. جميل أوي. أدهم قال كنت عايز أديكي حاجة تفتكرك إننا اخترنا بعض بإرادتنا، وإن الاختيار ده لازم يتجدد كل يوم. مريم لبست السوار، وبعدها قربت منه واحتضنته. أنا اخترتك النهارده، وهختارك بكرة، وطول ما إحنا بنحترم بعض ونسمع بعض. أدهم ضمھا إليه، والحديقة كانت هادية تحت ضوء القمر. وفي اللحظة دي، مريم افتكرت البنت اللي كانت واقفة وسط القاعة بفستان رمادي قديم، وإيديها المتشققة، والناس كلها بتضحك عليها. لو كانت تقدر ترجع بالزمن وتكلم نفسها في اللحظة دي، كانت هتقول لها إن الضحك مش نهاية الحكاية، وإن الإهانة مش حكم أبدي، وإن الإنسان ممكن يخرج من
أصعب أيامه وهو أقوى وأكثر رحمة. كانت هتقول لها إن الحقيقة ممكن تتأخر، لكنها تستحق إننا ندور عليها. وإن العيلة مش مجرد اسم في سجل، لكنها ناس تختار تقف جنبك لما الدنيا تضيق. وإن الحب الحقيقي مش شخص يرفعك فوق الناس، لكنه شخص يمشي جنبك ويخليك تشوفي نفسك من غير خوف. أما القفاز الكريستال، ففضل في المتحف، يلمع تحت الأضواء، لكن مابقاش حد بيعتبره حكمًا على مصير البنات. بقى رمزًا لدرس اتعلمته المملكة كلها إن العدل أهم من التقاليد، وإن التواضع أقوى من الغرور، وإن إيدين الشغل والتعب مش أقل جمالًا من إيدين مزينة بالمجوهرات. وفي آخر كل يوم، لما كانت مريم تدخل غرفتها وتبص لصورة أمها المعلقة جنب الشباك، كانت تبتسم وتهمس أنا عرفت الحقيقة يا أمي، ورجعت بابا، وخليت اسمك يرجع لمكانه. ويمكن مقدرتش أرجع السنين اللي راحت، لكن وعدك ليا ما ضاعش. كانت بتحس إن أمها بتبتسم لها من الصورة، وإن الحكاية اللي بدأت بضحك واستهزاء انتهت بأمل وكرامة وحب. وهكذا، البنت اللي دخلت القصر يومًا وهي شايلة صينية أطباق، خرجت من أصعب امتحان في حياتها وهي مش بس أميرة، لكنها إنسانة عرفت قيمة نفسها، وغيّرت حياة ناس كتير، وخلت المملكة كلها تفهم إن أعظم تاج ممكن يلبسه الإنسان هو ضميره، وإن أجمل قصر ممكن يعيش فيه هو قلب مطمئن، وإن السعادة الحقيقية مش في إن القدر يختارك، لكن في إنك تفضل تختار الخير حتى لما الدنيا كلها تختبرك.
تمت
حكايات الكاتبة انجي الخطيب

7 من 7التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى