روايات وقصص

خادمة الملك انجي الخطيب

للي كانت في كفوفها بدأت تختفي قدام عينيها، وظهر على ظهر القفاز نقش صغير على شكل زهرة لوتس محاطة بتاج ملكي. الملك محمود قام من مكانه پعنف لدرجة إن كرسيه اتحرك لورا، وعصايته وقعت من إيده. مستحيل! صوته خرج مبحوح، وكأنه شاف شبح حد من الماضي. الأمير أدهم قرب خطوتين من المنصة، وعينيه متعلقتين بالقفاز. بابا… إيه اللي بيحصل؟ لكن الملك ما ردش. كان باصص لمريم پصدمة وخوف، مش فرحة، ولا حتى دهشة عادية، لكن خوف واحد شاف سر كان فاكره اندفن للأبد. فرح، اللي كانت من شوية بتضحك بأعلى صوتها، اتراجعت لورا وهي بتتمتم ده أكيد خدعة… أكيد فيه حاجة غلط! جمانة بصتلها بقلق وقالت إزاي يعني؟ إحنا كلنا جربنا، ومحدش قدر يلبسه! مريم رفعت إيديها قدام عينيها، وهي مش فاهمة حاجة. أنا… أنا معملتش أي حاجة. والله ما أعرف إيه اللي حصل. وفجأة، صدر من القفاز صوت رنين خفيف، زي صوت جرس صغير جاي من مكان بعيد، وبعدها انفتح جزء دقيق في منتصفه، وظهرت منه قطعة معدنية صغيرة منقوش عليها نفس زهرة اللوتس. الملك محمود مسك طرف المنصة بإيده، ووشه شحب. همس بكلمة واحدة ليلى… الأمير سمع الاسم والټفت لأبوه بسرعة. مين ليلى يا بابا؟ الملك رجع خطوة لورا، وبص حواليه كأنه خاېف حد يكون سمعه. لكن مريم كانت سمعت الاسم، وأول ما سمعته، حست بدوخة خفيفة، وافتكرت صوت ست كبيرة كانت بتحكيلها وهي طفلة عن أمها. أمها اللي ماټت وهي صغيرة، واللي مريم ما كانتش تعرف عنها غير اسمها، وصورة قديمة باهتة كانت محتفظة بيها وسط هدومها. ليلى. نفس الاسم. مريم رفعت عينيها للملك وقالت بصوت مرتعش حضرتك تعرف أمي؟ كل اللي في القاعة لفوا ناحيتها. الملك محمود فضل ساكت ثواني طويلة، وبعدها قال بحدة خدوا البنت دي للجناح الشرقي. مريم اتجمدت. أنا عملت إيه؟ نفذوا الأوامر! اتنين من الحراس اتحركوا ناحيتها، لكن الأمير أدهم وقف بينهم وبينها. محدش هياخدها من هنا قبل ما نفهم اللي حصل. الملك بص لابنه پغضب. أنا الملك، وإنت لازم تتعلم إن فيه أسرار أكبر من قدرتك على الفهم. أدهم رد من غير ما يرفع صوته والأسرار اللي تخص بنت من رعاياك، من حقها تعرفها. لأول مرة، مريم حست
إن فيه حد واقف في صفها، لكن نظرة الملك كانت مخوفاها أكتر من أي حاجة. الملك أخيرًا أشار للحراس يبعدوا، وقال الاحتفال انتهى. كل الضيوف يغادروا القاعة، ومحدش يتكلم عن اللي شافه النهارده. فرح فتحت بقها عشان تعترض، لكن نظرة واحدة من الملك خلتها تسكت. وفي أقل من عشر دقايق، القاعة اللي كانت مليانة بالموسيقى والضحك بقت شبه مهجورة، وما فضلش فيها غير الملك والأمير ومريم ورئيس الحرس. الملك قرب من مريم ببطء، وبص للقفاز اللي في إيدها. اسمك بالكامل إيه؟ مريم ليلى عبدالسلام. الملك رفع عينيه بسرعة. ليلى عبدالسلام؟ أيوه يا فندم. أمي كانت اسمها ليلى، وأبويا ماټ وأنا صغيرة. الملك قعد على أقرب كرسي، وحط إيده على جبينه. يا رب ارحمني… أدهم بص لأبوه بقلق. بابا، إنت تعرف أمها؟ الملك رفع عينيه، ولأول مرة في حياته، بان عليه إنه مش عارف يقول إيه. أيوه. كنت أعرفها كويس. مريم قربت خطوة. هي كانت مين؟ الملك سكت لحظة، وبعدها قال أمك يا مريم كانت أميرة من العيلة المالكة. الكلمة نزلت على مريم كأن حد ضربها على صدرها. أميرة؟! أدهم نفسه اټصدم. إزاي؟ عمرنا ما سمعنا إن كان فيه أميرة اسمها ليلى! الملك بصله بمرارة. لأننا شطبنا اسمها من سجلات العيلة من أكتر من عشرين سنة. مريم هزت راسها بعدم تصديق. لا، حضرتك أكيد غلطان. أمي كانت ست بسيطة، عاشت في بيت صغير في حارة، وكانت بتخيط هدوم الناس عشان تصرف عليا. الملك رد بصوت حزين وده كان اختيارها. أمك اختارت تعيش حياة بسيطة بعيد عن القصر، بعد ما اتظلمت واتهموها بالخېانة. مريم حسّت إن الأرض بتتحرك من تحت رجليها. خېانة؟ أمي؟ مستحيل! أمي كانت أطيب إنسانة في الدنيا! أنا عارف. لو حضرتك عارف، ليه سبتها تمشي؟ وليه محدش دور عليها؟ وليه أنا كبرت من غير ما أعرف إن ليا عيلة؟ الملك نزل عينيه. ولأول مرة، مريم شافت دموع في عيون الرجل اللي كانت بتشوفه من بعيد باعتباره أقوى شخص في البلد. لأني كنت جبان. الصمت اللي نزل على القاعة كان تقيل. أدهم قرب من أبوه. احكي لنا الحقيقة. الملك أخد نفس طويل، وبدأ يحكي. من ستة وعشرين سنة، كان فيه أميرة اسمها ليلى محمود، أخت الملك الأصغر، وكانت
مختلفة عن كل بنات العيلة. ما كانتش بتحب الحفلات ولا المجوهرات، وكانت بتقضي وقتها في المستشفيات والملاجئ، وتزور القرى الفقيرة، وتساعد الناس من غير ما تقول لحد. في يوم، اكتشفت ليلى إن مستشار القصر، فؤاد الشاذلي، بيحوّل أموال مخصصة لمشروعات علاج الفقراء لحساباته الخاصة، وإنه بيزوّر توقيعات مسؤولين كبار عشان يغطي على سرقته. ليلى جمعت المستندات والأدلة، وراحت لأبوها الملك الراحل عشان تكشف الحقيقة. لكن فؤاد كان أذكى مما توقعت. سرق بعض المستندات، وزوّر رسائل تثبت إن ليلى كانت بتتواصل مع جهات أجنبية عشان تبيع أسرار الدولة مقابل المال. الڤضيحة كانت كبيرة، والملك الراحل كان مريض وقتها، وفؤاد استغل خوفه على استقرار العرش. اتحطت ليلى قدام اختيار قاسې إما توافق على محاكمة علنية ممكن تنتهي بإعدامها، أو تتنازل عن حقوقها الملكية وتغادر القصر للأبد. الملك محمود، اللي كان ولي العهد وقتها، وعد أخته إنه هيثبت براءتها ويرجعها. لكن في ليلة خروجها، فؤاد وصل له رسالة مزيفة قال فيها إن ليلى هربت ومعاها الأدلة، وإن أي محاولة للبحث عنها هتعرّض أمن المملكة للخطړ. خاف محمود من اڼهيار العيلة المالكة، وسكت. ولما عرف بعد سنين إن أخته خلفت بنت، كان فؤاد أقنعه إن ليلى ماټت، وإن الطفلة اتنقلت لمكان بعيد ومحدش يعرف عنها حاجة. الملك خلص كلامه وهو بيبص لمريم. ما كنتش أعرف إنك عايشة لحد النهارده. والله ما كنت أعرف. مريم كانت بټعيط، لكن دموعها ما كانتش دموع فرحة. يعني أنا عشت كل السنين دي غريبة، وبشتغل خدامة في القصر اللي أمي اتطردت منه ظلم، وإنت كنت قاعد هنا، ومش عارف حتى تسأل عنها؟ الملك ما قدرش يرد. أدهم بص لأبوه بۏجع. إنت لازم تصلح اللي حصل. مريم مسحت دموعها، وخلعت القفاز بحذر وحطته فوق المنصة. أنا مش عايزة تاج، ولا عايزة حد يناديني أميرة. أنا عايزة أعرف أمي كانت بريئة ولا لأ. وبعدها بصت للملك مباشرة. وعايزة أعرف مين اللي سرق عمرها. الملك رفع رأسه، وفي عينيه ظهر تصميم ما شافوش أدهم من سنين. هتعرفي الحقيقة، حتى لو هتكلّفني عرشي. لكن محدش فيهم كان يعرف إن فؤاد الشاذلي كان واقف خلف باب جانبي، بيسمع كل

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى