
كلمة. فؤاد، اللي بقى دلوقتي المستشار الأول للملك، كان رجل في أواخر الستينات، شعره أبيض وملامحه هادية، لكن عينيه ما كانش فيهم أي دفء. أول ما سمع إن بنت ليلى ظهرت، فهم إن كل حاجة بناها على مدار السنين ممكن ټنهار في لحظة. رجع بهدوء للممر، وطلع تليفونه واتصل برقم محفوظ عنده من سنين. البنت ظهرت. جاله صوت من الطرف التاني متأكد؟ القفاز اختارها قدام الملك والأمير. سكت الطرف التاني ثواني، وبعدها قال يبقى لازم نتصرف قبل ما تفتح بوقها. فؤاد ابتسم ابتسامة باردة. سيبها عليا. في نفس الليلة، مريم رجعت أوضتها الصغيرة في جناح الخدم، لكنها ما قدرتش تنام. كانت قاعدة على طرف السرير، قدامها صورة أمها القديمة، بتحاول تلاقي في ملامحها أي دليل على الحياة اللي اتقال لها عنها. الصورة كانت لست شابة، عينيها واسعتين وابتسامتها هادية، وفي رقبتها سلسلة صغيرة على شكل زهرة لوتس. مريم لمست السلسلة اللي كانت لابساها من وهي طفلة، نفس الشكل بالظبط. وفجأة، افتكرت كلام أمها قبل ۏفاتها بأيام. يا مريم، لو جه يوم وحسيتي إن الدنيا كلها ضدك، افتكري إن الحقيقة عمرها ما بټموت، حتى لو اتدفنت تحت ألف كدبة. وقتها ما فهمتش الكلام. لكن دلوقتي، فهمت إن أمها كانت بتحاول تسيبلها مفتاح لحاجة أكبر من مجرد ذكرى. خبط خفيف على الباب قطع أفكارها. مريم خبّت الصورة تحت المخدة، وفتحت الباب بحذر. كان أدهم واقف في الممر، لابس بدلة بسيطة من غير أي مظاهر رسمية. ممكن أدخل؟ مريم اترددت. حضرتك الأمير، وأنا مجرد خدامة. أدهم ابتسم ابتسامة حزينة. بعد اللي حصل النهارده، أظن إن كلمة مجرد دي لازم تتشال من كلامنا. دخل وقعد على كرسي صغير، لكنه لاحظ إنها فضلت واقفة. أنا مش جاي أتكلم معاكي عن الجواز أو القفاز. أنا جاي أعتذر. مريم استغربت. تعتذر عن إيه؟ عن كل مرة شفتك فيها بتشتغلي في القصر، وما فكرتش أسأل إنتِ مين، أو حياتك عاملة إزاي. وعن كل مرة سمعت فيها حد من الحاشية بيهين الخدم وسكت. مريم بصت له باهتمام. يعني حضرتك كنت عارف إنهم بيعاملونا كده؟ أدهم نزل عينيه. كنت شايف أجزاء من الحقيقة، وكنت بتهرب منها بحجة إن دي مش مسؤوليتي المباشرة. مريم ردت بهدوء اللي
بيشوف الظلم ويسكت، ساعات بيبقى جزء منه. أدهم رفع عينيه ليها، وما حاولش يدافع عن نفسه. عندك حق. الكلمة البسيطة دي خلت مريم تبص له باستغراب، لأنها كانت متعودة إن أصحاب السلطة دايمًا يلاقوا مبرر لكل حاجة. أدهم كمل أنا عايز أساعدك توصلي للحقيقة، بس مش هضغط عليكي تقبلي مساعدتي. مريم فكرت للحظات، وبعدها قالت فيه حاجة واحدة ممكن تساعدني فيها. قولي. عايزة أشوف المكان اللي أمي عاشت فيه قبل ما تخرج من القصر. أدهم هز راسه. الجناح الشرقي مقفول من سنين، لكن هفتح لك بابه. تاني يوم الصبح، دخل أدهم ومريم الجناح الشرقي برفقة حارس عجوز اسمه عم صابر، كان خدم في القصر أيام الملك الراحل. المكان كان مغطى بالتراب، والستائر تقيلة من الزمن، والأثاث متساب في مكانه كأن أصحابه خرجوا منه من يومين مش من ستة وعشرين سنة. أول ما مريم دخلت، حسّت بريحة عطر خفيف مألوف. وقفت قدام مرآة كبيرة، ولمست إطارها بإيدها. أمي كانت هنا. عم صابر قرب منها، وعينيه مليانة دموع. كنت عارف إنك هتيجي يوم من الأيام. مريم التفتت له بسرعة. إنت تعرفني؟ أنا اللي وصلتك لدار الرعاية وإنتِ عندك أربع سنين. مريم حسّت إن قلبها هيقف. إنت؟! عم صابر أومأ بحزن. أمك كانت مريضة جدًا وقتها، وكانت خاېفة ټموت وتسيبك لوحدك. طلبت مني أوصلك لست أمينة، اللي ربتك، وادّتني ظرف وقالتلي ما أفتحهش غير لما بنتها ترجع للقصر. مريم مسكت إيده. والظرف فين؟ عم صابر طلع مفتاح صغير من جيبه. مخبيه في مكان محدش يعرفه. قادتهم خطواته إلى مكتبة قديمة في آخر الجناح، وهناك حرّك لوحة خشبية خلف أحد الرفوف، وفتح تجويفًا صغيرًا. كان جواه صندوق معدني أسود. أدهم فتح الصندوق، فوجدوا ظرفًا قديمًا عليه اسم مريم بخط أنيق. مريم مسكت الظرف بإيدين مرتعشتين، وفتحته ببطء. جواه رسالة وعدة أوراق وصورة لرجل شاب واقف جنب أمها. وفي أول سطر من الرسالة، قرأت إلى ابنتي مريم، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى إنتِ كبرتي، ويمكن تكوني عرفتي إن الناس اللي المفروض يحمونا هما نفسهم اللي ممكن يظلمونا. مريم بدأت تقرأ بصوت مسموع، وكل سطر كان بيكشف جزءًا جديدًا من الحكاية. أمها كانت محتفظة بنسخ أصلية من المستندات اللي
تثبت سړقة فؤاد لأموال الدولة، وكمان سجل فيه أسماء كل الأشخاص اللي ساعدوه. لكن المفاجأة الأكبر كانت في السطر الأخير. يا مريم، الراجل اللي في الصورة مش مجرد صديق للعيلة. ده والدك الحقيقي، واسمه يوسف النجار. وهو الوحيد اللي يقدر يثبت إن الأدلة اللي معايا أصلية، لأنه كان المحاسب المسؤول عن مراجعة حسابات القصر وقتها. مريم رفعت الصورة قدام عينيها. أبويا… كان عايش؟ عم صابر اتنهد. آخر مرة سمعت عنه، كان مسافر إسكندرية بعد ما اتهموه بتزوير الحسابات. محدش عرف عنه حاجة بعد كده. أدهم أخذ الأوراق وبدأ يراجعها. دي مش مجرد أدلة على سړقة. فيه توقيعات وأختام وأرقام حسابات. لكن قبل ما يكمل، سمعوا صوت باب بيتقفل بقوة. أدهم جري ناحية الباب، لكنه لقاه اتقفل من بره. وفي اللحظة نفسها، بدأت رائحة دخان تدخل من أسفل الباب. مريم شهقت. فيه حريقة! أدهم ضړب الباب بكتفه، لكن الباب كان متينًا ومقفولًا بمزلاج خارجي. عم صابر صړخ الشباك! لازم نخرج من الشباك! الدخان زاد بسرعة، ومريم ضمت الأوراق لصدرها. أدهم ساعد عم صابر يطلع فوق كرسي، وبعدها حاول يفتح الشباك، لكنه اكتشف إن القضبان الحديدية متثبتة من الخارج. حد قافل علينا! مريم بدأت تسعل، ودموعها نزلت من شدة الدخان. أدهم خلع جاكيته وبلله من إبريق ماء قديم، وغطى بيه فمها. بصيلي يا مريم. هنخرج من هنا، سامعاني؟ هزت راسها بصعوبة. عم صابر، رغم سنه، بدأ يضرب في جزء من الحائط الخشبي بجوار المكتبة. ساعدوني هنا! أدهم راح ناحيته، وبدأ يضرب معاه لحد ما قطعة من الخشب اتكسرت، وظهر وراها ممر ضيق كان مستخدم زمان لخدمة الجناح. ادخلوا! عم صابر دخل الأول، وبعده مريم، وأدهم فضل آخر واحد لحد ما اتأكد إنهم اتحركوا بعيد عن الڼار. خرجوا من الممر بعد دقائق طويلة، ووصلوا لمخزن قديم قريب من المطبخ. مريم وقعت على الأرض وهي بتنهج، وأدهم قعد جنبها يتأكد إنها بخير. عم صابر كان بيبص للأوراق بقلق. لو الورق ده اتحرق، كانت الحقيقة راحت. مريم ضمت الصندوق لصدرها. مش هسيب الحقيقة تضيع. لكن اللي ما كانوش يعرفوه إن فؤاد كان واقف في نهاية الممر، بيشوفهم وهم خارجين. كان فاكر إن الحريق هيخلص على كل




