عام

بعد. نص سنه شغل حكايات صافي هاني

جريت عليها وركعت قدامها.

“ماما! ماما، بصيلي، أنا مريم!”

رفعت عينيها بصعوبة.

فضلت تبصلي كأنها مش مصدقة.

وبعدين مدت إيدها المرتعشة ولمست وشي.

“مريم؟”

انهرت في العياط.

“أيوه يا حبيبتي، أنا مريم. أنا رجعت. أنا هنا يا ماما.”

حضنتني، لكن حضنها كان ضعيف لدرجة خوفت إنها تضيع مني.

فضلت تكرر اسمي وهي بتعيط.

“إنتي جيتي؟ إنتي بجد جيتي؟”

“أيوه يا ماما، أنا جيت. حقك عليا، حقك عليا إني سيبتك.”

هزت راسها بسرعة وقالت:

“لأ يا بنتي، إوعي تقولي كده. إنتي ماكنتيش تعرفي.”

قبل ما أسألها أي حاجة، سمعت صوت فادية من فوق وهي بتزعق:

“طلعيها من هنا! دي مش من حقها تدخل المكان ده!”

قمت من مكاني وطلعت السلم، وأنا ماسكة موبايل أمي اللي لقيته جنب المرتبة.

وقفت قدام فادية وقلت:

“من اللحظة دي، محدش هيقرب من أمي. والمكان ده هيتقفل لحد ما الشرطة تيجي.”

ضحكت بسخرية.

“الشرطة؟ وإنتي فاكرة نفسك مين؟”

طلعت عقد الملكية ووريتها اسمي في التحويلات البنكية، وقلت:

“أنا صاحبة البيت، ودي أمي. وإنتي هتتحاسبي على كل يوم عيشتيها فيه بالشكل ده.”

وشها اتغير، لكنها حاولت تضحك.

“إنتي مش فاهمة حاجة. أمك هي اللي وافقت على كل ده.”

“وافقت على إيه؟ إنها تتحبس في البدروم؟”

ردت بسرعة:

“هي اللي كانت بتعمل مشاكل، وكانت بتهددنا، وإحنا حاولنا نحميها.”

كنت على وشك أرد، لكن واحدة من الستات اللي كانوا واقفين في المطبخ اتكلمت بصوت واطي.

“الكلام ده مش حقيقي.”

فادية لفتت ناحيتها بسرعة.

“إنتي اخرسي!”

الست رجعت لورا، لكن بعد لحظات رفعت راسها وقالت:

“أنا مش هسكت أكتر من كده. الست دي كانت بتطلب مننا نوقّع على ورق، وكل ما مدام نادية ترفض، كانت تحبسها تحت.”

فادية قربت منها بغضب.

“إنتي اتجننتي؟”

لكن الست التانية تدخلت وقالت:

“وأنا عندي صور. أنا صورت جزء من اللي كان بيحصل.”

في اللحظة دي، عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف على بيت.

طلعت موبايل أمي من إيدي، وبدأت أراجع الرسائل الموجودة عليه.

لقيت رسائل كتير محذوفة، ومكالمات فائتة لأرقام غريبة، وصور لأوراق رسمية.

وفي وسط الصور، لقيت صورة عقد إيجار باسم فادية، وصورة توكيل مكتوب عليه اسم أمي.

التوكيل كان بيدي فادية صلاحيات واسعة للتصرف في البيت.

لكن أمي عمرها ما كانت هتوافق على توكيل بالشكل ده من غير ما أعرف.

حسيت إن فيه حد استغل غيابها أو أجبرها تمضي على حاجة مش فاهمها.

رفعت عيني لفادية.

“إنتي جبرتي أمي تمضي على التوكيل ده؟”

ردت بعصبية:

“أنا مش مطالبة أشرحلك حاجة.”

“هتشرحي كل حاجة قدام المحامي والشرطة.”

في اللحظة دي، ابتسمت ابتسامة غريبة.

“إنتي فاكرة إن الموضوع هيخلص لما تتصلي بالشرطة؟”

ما رديتش.

هي قربت مني وقالت بصوت واطي:

“إنتي لسه ما تعرفيش نص الحكاية يا مريم.”

الجملة دي فضلت ترن في ودني حتى بعد ما طلعت أمي من البدروم، وساعدتها تقعد على الكنبة.

طلبت إسعاف، واتصلت بمحامية كنت أعرفها من أيام الجامعة، اسمها نهى.

شرحتلها اللي حصل، وطلبت منها تيجي فورًا ومعاها أي مستندات تثبت ملكية البيت.

نهى وصلت بعد أقل من ساعة، ولما شافت حالة أمي، وشها اتغير.

قالتلي:

“مريم، لازم نثبت حالتها الطبية، ونقدم بلاغ رسمي، ونحافظ على كل المستندات زي ما هي. ماتواجهيش حد لوحدك.”

هزيت راسي، لكن عيني كانت على فادية اللي قاعدة في الصالة بتتكلم في تليفونها.

كانت هادية بشكل مستفز.

كأنها متأكدة إن محدش هيقدر يعمل لها حاجة.

وصلت عربية الإسعاف، وخدوا أمي للمستشفى، وأنا ركبت معاها.

طول الطريق كانت ماسكة إيدي ومش راضية تسيبها.

كل شوية تبصلي وتسألني:

“هترجعيني البيت يا مريم؟”

كنت ببوس إيديها وأقول:

“هرجعك يا ماما، بس المرة دي مش هسيبك لوحدك أبدًا.”

في المستشفى، الدكتور قال إن أمي محتاجة فحوصات كاملة، وإنها تعاني من سوء تغذية وإجهاد شديد، ولازم تفضل تحت الملاحظة.

قعدت جنب سريرها طول الليل.

لما نامت، طلعت موبايلها وراجعت الصور والمستندات واحدة واحدة.

كان فيه ملف صورته من كاميرا الموبايل، وفيه ورق متصور على عجل.

أول صفحة كانت كشف حساب بنكي.

تاني صفحة كانت إيصالات تحويل.

تالت صفحة كانت صورة عقد بيع البيت.

أما الصفحة الرابعة، فكانت اللي خلت إيدي تتجمد.

كانت ورقة عليها توقيع أمي، وتوقيع شخص تاني أعرفه كويس جدًا.

أو على الأقل كنت فاكرة إني أعرفه.

التوقيع كان باسم كريم عز الدين.

أخويا.

أخويا اللي كنت فاكرة إنه مسافر شغل في الإسكندرية، واللي كان بيكلمني كل أسبوعين ويقولي إنه بيحاول يقف على رجله.

كريم كان أصغر مني بأربع سنين، وبعد وفاة أبويا، كنت أنا اللي بساعده في مصاريفه، وكنت ببعتله فلوس عشان يفتح مشروع صغير.

هو الوحيد اللي كنت واثقة إنه مستحيل يأذي أمي.

بصيت للتوقيع مرة واتنين وتلاتة.

كان توقيعه فعلًا.

حسيت إن فيه حجر كبير نزل على صدري.

اتصلت بيه.

رن التليفون طويلًا، وبعدين رد بصوت نعسان.

“ألو؟”

قلت من غير مقدمات:

“إنت فين يا كريم؟”

سكت لحظة.

“في البيت، مالك؟”

“بيت مين؟”

“بيتي يا مريم، إنتي بتسألي ليه؟”

“إنت تعرف واحدة اسمها فادية عبدالسلام؟”

سمعت صوت حركة في الناحية التانية.

وبعدين قال:

“أيوه، دي واحدة أعرفها. فيه إيه؟”

“إيه علاقتك ببيت أمي؟”

سكت.

المرة دي، السكوت كان أطول.

قلت بصوت مرتعش:

“كريم، أنا في القاهرة. لقيت ماما محبوسة في البدروم، ولقيت توقيعك على ورق خاص بالبيت. عايزة أفهم.”

سمعت نفسه بيتغير.

وبعدين قال جملة واحدة:

“مريم، إنتي رجعتي ليه؟”

السؤال وجعني أكتر من أي اعتراف.

“يعني إيه رجعت ليه؟ دي أمي! وده بيتها!”

قال بسرعة:

“اسمعيني، ماتعمليش أي حاجة دلوقتي. أنا هاجيلك ونفهم بعض.”

“لا، أنا عايزة أفهم دلوقتي.”

“مش في التليفون.”

وقفل.

فضلت باصة للشاشة، مش قادرة أصدق إن أخويا قفل في وشي بعد ما عرف إن أمي كانت محبوسة في البدروم.

في الصبح، نهى وصلت المستشفى، ومعاها محامي متخصص في العقارات.

راجعنا المستندات، وبدأت تتضح لنا صورة أولية عن اللي حصل.

فادية كانت بتدير المكان باعتباره بيتًا مؤجرًا، وفيه أوراق بتشير إلى إنها استلمت مبالغ مالية مقابل استخدام أجزاء من العقار.

لكن الأغرب إن بعض التحويلات كانت خارجة من حساب أمي نفسه.

وده معناه إن فيه فلوس كانت بتتحرك باسمها، من غير ما أعرف مين اللي بيدير الحساب أو مين المستفيد الحقيقي.

المحامي قال:

“إحنا محتاجين نعرف التوكيل ده صحيح ولا فيه شبهة تزوير أو إكراه. ومحتاجين نطلع كشف رسمي بالتصرفات اللي تمت على العقار.”

سألته:

“يعني ممكن يكون البيت اتباع؟”

بصلي بجدية.

“مش هنقدر نجزم قبل ما نستخرج المستندات الرسمية.”

حسيت إن كل حاجة بنيتها خلال السنين دي ممكن تكون بتنهار.

لكن نهى مسكت إيدي وقالت:

“إحنا لسه في أول الطريق. أهم حاجة إن والدتك بأمان، وإننا مانسيبش أي دليل يضيع.”

في نفس اليوم، فادية اتصلت بيا.

رديت، وفتحت تسجيل المكالمة بعد ما تأكدت من قانونية الاحتفاظ بها، لكن ما قلتلهاش إني بجمع أدلة.

قالت بصوت هادي:

“أنا عارفة إنك زعلانة، بس لازم نتكلم بعقل.”

قلت:

“مفيش كلام بيني وبينك غير قدام القانون.”

ضحكت.

“القانون؟ طيب اسمعي مني حاجة واحدة. إنتي مش عارفة مين اللي فتحلي باب البيت.”

“قصدك إيه؟”

“اسألي أخوكي.”

وقبل ما أقفل، سمعتها بتقول:

“وعلى فكرة، عشاء النهارده الساعة سبعة. لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها، تعالي.”

قفلت المكالمة وبصيت لنهى.

قالتلي:

“دي غالبًا بتحاول تستفزك أو توقعك في مواجهة مش محسوبة.”

فكرت شوية، وبعدين قلت:

“أنا مش هروح لوحدي. هنروح ومعانا كل المستندات، ولو فيه أي تهديد هنمشي فورًا.”

نهى وافقت بشرط إننا مانعملش أي مواجهة خارج إطار القانون، وإننا نتواصل مع الجهات المختصة بدل ما نحاول ناخد اعتراف بالقوة.

طول اليوم، كنت بحاول أرتب أفكاري.

أمي كانت نايمة، ولما صحيت، قعدت جنبها وسألتها بهدوء:

“يا ماما، أنا محتاجة أعرف كل اللي حصل. مش هزعقلك، ومش هالومك على أي حاجة. بس لازم أفهم.”

أمي فضلت باصة للسقف شوية، وبعدين بدأت تتكلم.

بعد سفري بشهرين، كريم جه يزورها وقالها إنه واقع في مشكلة مالية، وإن فيه ناس بتطالبه بفلوس.

هي ساعدته في الأول، لأنها كانت فاكرة إنها أزمة وهتعدي.

لكن بعد فترة، فادية بدأت تزورها بحجة إنها صديقة كريم، وإنها تقدر تساعده يخرج من المشكلة.

كانت بتجيب معاها ورق، وتقول لأمي إنها مجرد إجراءات لضمان إن كريم يسدد ديونه.

أمي قالت إنها رفضت تمضي في البداية.

لكن كريم فضل يضغط عليها، ويقول إن مستقبله هيضيع لو ما ساعدتوش.

وفي يوم، جاب لها أوراق كتير وقال إن كل اللي محتاجاه مجرد توقيع على تفويض مؤقت.

أمي كانت تعبانة ومش مركزة، وصدقت كلامه.

بعدها بأيام، فادية بدأت تدخل البيت وتتصرف كأنها صاحبة المكان.

ولما أمي اعترضت، قالت لها إن فيه اتفاق وإنها لازم تلتزم بيه.

“كنت كل ما أقولها هكلم مريم، كانت تهددني إنها هتخليكي تخسري شغلك، وتقول إن معاها ورق يثبت إنك متورطة في تحويلات مش قانونية.”

مسكت إيد أمي.

“وإنتي صدقتيها؟”

دموعها نزلت.

“كنت خايفة عليكي يا بنتي. كنت فاكرة إني لو سكت هتخلص المشكلة، لكن كل يوم كان بيعدي كانت بتزيد.”

“طب ليه ما اتصلتيش بيا من أي رقم تاني؟”

أمي غمضت عينيها.

“كانت بتاخد موبايلي، وتفتش فيه، وتخليني أكلمك قدامها. وكانت بتقوللي لو اتكلمت، كريم هيدخل السجن.”

حسيت بغضب كبير، لكني حاولت أسيطر على نفسي.

“ومين اللي حطك في البدروم؟”

أمي اتنهدت وقالت:

“فادية. بعد ما رفضت أمضي على ورقة تانية، قالت إني بقيت خطر عليهم، وإن وجودي في الدور اللي فوق هيخلي المستأجرين يسألوا عن حقي في البيت. نقلتني تحت، وقالت إنها هتخليني أرجع لما أوافق.”

فضلت ساكتة.

كل كلمة كانت بتكشف قد إيه أمي اتعذبت وهي بتحاول تحمي ابنها.

لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان واحد.

هل كريم كان ضحية زيها، ولا كان شريك في اللي حصل؟

الساعة قربت من سبعة، فنهى وصلت ومعاها المحامي، وبعد ما اطمنا إن أمي تحت رعاية طبية، توجهنا للبيت.

لما دخلنا، لقينا فادية محضرة ترابيزة كبيرة في أوضة الأكل، وحواليها المستأجرين التلاتة، وراجلين ما شفتهمش قبل كده.

على الترابيزة كانت فيه ملفات، وصور، وورق متوزع بعناية.

فادية وقفت أول ما شافتني.

“أهلًا يا مريم. كويس إنك جيتي.”

ما رديتش.

حطيت الملف اللي معايا على الترابيزة، وقلت:

“أنا جاية أسمع الحقيقة، ومش جاية أعمل أي حاجة غير قانونية. كل اللي موجود هنا هيتسلم للمحامي والجهات المختصة.”

فادية ابتسمت، وبعدها أشارت للكرسي اللي على رأس الترابيزة.

“اتفضلي. النهارده هنخلص كل حاجة.”

قعدت، ونهى وقفت جنبي، والمحامي بدأ يصور المستندات الموجودة قدامه.

فادية قالت:

“أنا مش هأنكر إني كنت موجودة في البيت. لكن أنا ماخدتش حاجة غصب عن حد.”

قلت:

“يبقى تفسري لنا التوكيل والتحويلات، وليه أمي كانت محبوسة في البدروم.”

ردت:

“أمك كانت عارفة كل حاجة.”

“عندك دليل؟”

طلعت ورقة من الملف.

“عندي توقيعها.”

المحامي أخد الورقة وراجعها.

“التوقيع وحده مش كفاية لإثبات إن صاحبة التوقيع كانت مدركة لمحتوى المستند أو إنها وقعت من غير إكراه. هنحتاج نراجع أصل الورقة وظروف تحريرها.”

فادية بصتله بضيق.

“إنتوا جايين تحاكموني هنا؟”

نهى ردت بهدوء:

“إحنا جايين نفهم اللي حصل، وأي اتهام هيتحقق فيه رسميًا.”

فادية رجعت قعدت، وبعدها قالت:

“طيب، بما إنك عايزة الحقيقة، اسألي أخوكي.”

في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح.

سمعت صوت خطوات تقيلة على الأرض، وظهر راجل ضخم لابس جاكيت جلد، كتافه عريضة ووشه مكشر.

وقف عند باب أوضة الأكل، وبصلي نظرة طويلة.

كنت فاكرة إنه جاي يهددني أو يمنعني من الخروج.

لكنه ماطلعش كارنيه شرطة، ولا قال إنه تابع لأي جهة.

مد إيده جوه الجاكيت، وطلع ظرف بني كبير، ورماه على الترابيزة.

الورق اتزحلق قدامي، ووقفت عيني على أول صفحة.

كان مكتوب فيها اسم أبويا.

أبويا اللي مات من تلات سنين.

حسيت إن نفسي اتسحب من صدري.

رفعت الورقة بإيد مرتعشة، وبدأت أقرأ.

كانت صورة من مستند قديم متعلق بالبيت الأصلي اللي كان أبويا عايش فيه قبل ما يموت، ومعاه ورقة فيها بيانات تحويلات مالية تمت قبل وفاته بأيام.

بصيت للراجل وقلت:

“إنت مين؟”

رد بصوت خشن:

“اسمي حاتم. وأنا الشخص اللي كان المفروض يسلم الورق ده لوالدك من زمان.”

فادية قامت من مكانها بعصبية.

“حاتم، إنت بتعمل إيه هنا؟”

ما بصش لها حتى.

قاللي:

“أنا مش جاي أهددك، ولا جاي آخد منك حاجة. أنا جاي عشان فيه حقيقة اتدفنت مع أبوكي، والناس اللي قاعدة هنا كانت مستفيدة من إنك ماتعرفيهاش.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى