عام

بعد. نص سنه شغل حكايات صافي هاني

بصيت لنهى، لقيتها بتطلب منه يوضح صفته وسبب وجوده، وإن أي مستند لازم يتسلم بالطريق القانوني.

حاتم هز راسه وطلع بطاقة هويته، وبعدها قدم للمحامي مجموعة أوراق أصلية وصور مستندات.

المحامي بدأ يراجعها واحدة واحدة، وكل ما يقلب صفحة، ملامحه كانت بتتغير.

سألته بقلق:

“فيه إيه؟”

رفع عينيه وقال:

“المستندات دي بتشير إلى وجود نزاع قديم على ملكية عقار كان باسم والدك، وفيه تحويلات محتاجة فحص ومراجعة. لكن لسه ما نقدرش نعتبر أي ورقة دليل نهائي قبل التحقق منها.”

حاتم قرب الكرسي وقعد.

“أبوكي قبل ما يموت اكتشف إن فيه حد بيستخدم بياناته في معاملات مالية، ولما حاول يعرف الحقيقة، اكتشف إن الموضوع له علاقة بشخص قريب منه جدًا.”

حسيت إن قلبي بيخبط في ضلوعي.

“مين الشخص ده؟”

حاتم بص ناحية فادية.

هي كانت واقفة جامدة، ووشها شاحب.

وبعدين قال:

“الشخص اللي بدأ الحكاية مش فادية.”

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“الشخص ده هو اللي جاب فادية للبيت، وهو اللي وفر لها المستندات، وهو اللي كان بيحول الفلوس من حساب لحساب.”

بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب.

“مين؟”

حاتم ما ردش فورًا.

بدل ما يجاوب، فتح ظرف تاني، وطلع منه صورة قديمة لأبويا واقف قدام محل صغير، وبجانبه راجل أصغر منه بسنين.

أول ما شفت الصورة، عرفت الراجل التاني.

كان عمي، أخو أبويا، محمود عز الدين.

عمي اللي حضر جنازة أبويا، ووقف جنبي وأنا بعيط، وقاللي إنه هيعتبرني بنته، وإنه عمره ما هيسيبني أنا وكريم.

عمي اللي كان بيزور أمي كل فترة، ويقول لها إنه بيطمن عليها.

عمي اللي كنت ببعتله أحيانًا فلوس عشان يساعد أمي في أي حاجة تحتاجها وأنا مسافرة.

حسيت إن الغرفة كلها بتلف بيا.

“إنت بتقول إيه؟ عمي محمود ملوش علاقة بالموضوع!”

حاتم رد بهدوء:

“أنا ما اتهمتش حد. أنا بقولك إن اسمه موجود في مستندات لازم تتراجع، وإن فيه تحويلات اتعملت لحساب مرتبط بيه.”

فادية حاولت تقاطعه.

“الورق ده مالوش أي قيمة!”

لكن المحامي رفع إيده وقال:

“هنسيب المستندات تتراجع رسميًا. محدش هنا هيصدر أحكام.”

في اللحظة دي، موبايل فادية رن.

بصت للشاشة، واتغير لون وشها.

رفضت المكالمة، لكن التليفون رن تاني.

المرة دي ردت، وقالت بصوت منخفض:

“مش وقته.”

سمعت صوت راجل من الناحية التانية، لكن ماقدرتش أميز الكلام.

فادية قالت بسرعة:

“أنا قلتلك كل حاجة تحت السيطرة.”

وبعدين سكتت، ووشها بقى أبيض تمامًا.

قفلت المكالمة ورفعت عيني ناحيتي.

لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت، ماكانش في وشها أي تحدي.

كان فيه خوف حقيقي.

حاتم لاحظ ده، وقال:

“هو عرف إن الورق ظهر؟”

فادية ما ردتش.

نهى طلبت منها بهدوء إنها ماتتحركش من المكان لحد ما نفهم سبب المكالمة، لكن فادية خطفت شنطتها وحاولت تخرج.

المحامي وقف بعيد عن الباب وقال:

“محدش هيمنعك بالقوة، لكن لو فيه مستندات تخص القضية، لازم تتسلم بالطريقة الرسمية، وأي محاولة لإخفائها ممكن تعقد موقفك.”

فادية وقفت، وبصتلي بكره.

“إنتي فاكرة إنك كده كسبتي؟”

قلت:

“أنا مش داخلة أكسب على حد. أنا عايزة أعرف مين أذى أمي، ومين استغل ثقتي.”

ضحكت ضحكة باهتة.

“يبقى اسألي كريم.”

وبعدين خرجت.

ماحدش حاول يمنعها، لكن نهى سجلت وقت خروجها، والمحامي احتفظ بنسخ المستندات اللي كانت على الترابيزة، واتفقنا إننا نبلغ الجهات المختصة بكل التفاصيل.

بعد ما خرجت، فضلت قاعدة مكاني، ببص للصورة القديمة اللي فيها أبويا وعمي.

كان فيه سؤال واحد بيطاردني.

لو عمي فعلًا متورط، ليه استنى كل السنين دي؟

وليه كريم كان بيوقع على أوراق تخص البيت؟

وليه فادية قالت إن أخويا هو اللي فتح لها الباب؟

رجعنا المستشفى بعد ما سلمنا نسخة من المستندات للمحامي، ولما دخلت أوضة أمي، لقيتها صاحية ومستنياني.

أول ما شافت وشي، سألتني:

“عرفتي حاجة؟”

قعدت جنبها وقلت:

“لسه يا ماما، بس فيه حاجات كتير محتاجة تتكشف.”

مسكت إيدي بقوة، وقالت:

“مريم، لو قابلتي عمك محمود، ماتخليهوش يخدعك بكلامه.”

اتجمدت مكاني.

“إنتي تعرفي حاجة عن عمي؟”

أمي غمضت عينيها، ودموعها بدأت تنزل.

“قبل ما أبوكي يموت بأسبوع، جه البيت وكان بيتخانق معاه. أنا سمعت صوتهم عالي، وأبوكي كان بيقوله إنه مش هيسمح له ياخد حقك وحق كريم.”

حسيت إن قلبي وقف.

“حقنا في إيه يا ماما؟”

أمي هزت راسها.

“ماعرفش كل التفاصيل. أبوكي ماكانش بيحب يدخلني في مشاكل شغله، لكنه في اليوم ده قاللي جملة عمري ما نسيتها.”

قربت منها أكتر.

“قال إيه؟”

ردت بصوت مبحوح:

“قاللي: لو جرالي حاجة، خلي بالك من مريم، لأن اللي هيحصل بعدي مش هيكون بسبب غريب.”

فضلت ساكتة.

الجملة دي كانت كفاية تخلي كل ذكرياتي عن أبويا تتغير.

تاني يوم الصبح، اتصل كريم.

المرة دي رديت، وما سمحتلوش يغير الموضوع.

“إنت لازم تيجي المستشفى.”

قال:

“مريم، أنا محتاج أتكلم معاكي لوحدنا.”

“مفيش كلام لوحدنا. هتيجي وتقعد قدام المحامي، وهتشرح كل حاجة.”

سكت، وبعدين قال:

“أنا ماكنتش عايز ده يحصل.”

صرخت فيه:

“إنت كنت عارف إن ماما محبوسة؟”

ما ردش.

“كريم! كنت عارف ولا لأ؟”

سمعت صوته وهو بيعيط.

“أنا كنت فاكر إنها هتقعد معاهم كام يوم بس.”

قفلت عيني من شدة الصدمة.

“كام يوم؟ إنت كنت عارف إنها مش في بيتها، وعارف إن فيه ناس بتتصرف في البيت، وسبتها؟”

قال بصوت مكسور:

“أنا غلطت.”

“غلطت؟ دي أمنا يا كريم!”

بدأ يشرح، لكني طلبت منه ييجي المستشفى، وقلتله إن أي تفاصيل تخص الواقعة لازم تتقال بوضوح ومن غير ضغط على حد.

وصل بعد ساعتين.

كان شكله مرهق، ووشه شاحب، ولما دخل أوضة أمي، وقف عند الباب ومقدرش يقرب.

أمي بصتله طويلًا.

“تعالى يا كريم.”

قرب منها، وركع جنب السرير، وبدأ يعيط.

“سامحيني يا أمي.”

أمي ما ردتش.

فضلت تبصله، وبعدين قالت:

“إنت كنت عارف إني تحت الأرض، وكنت بتنام في سريرك؟”

كريم حط إيده على وشه.

“ماكنتش عارف إنهم هيحبسوكي بالشكل ده.”

“لكن كنت عارف إنهم أخدوا البيت مني.”

سكت.

“وكنت عارف إنهم منعوني أكلم أختك.”

بدأ يهز راسه، والدموع بتنزل على وشه.

“أيوه.”

أمي لفت وشها بعيد عنه.

“قوم يا كريم.”

رفع راسه بصدمة.

“يا أمي، اسمعيني.”

قالت بحزم رغم ضعف صوتها:

“أنا سمعتك كتير، وصدقتك كتير، وخفت عليك كتير. لكن دلوقتي أنا تعبانة، ومش قادرة أسمع أي تبرير.”

كريم قام، وبصلي كأنه مستني مني أساعده.

لكن أنا ماقدرتش.

خرجنا من الأوضة، وقعدنا في طرقة المستشفى.

سألته:

“عايزة أعرف كل حاجة من الأول.”

فضل ساكت شوية، وبعدها بدأ يحكي.

بعد وفاة أبويا، كريم كان عنده ديون بسبب مشروع صغير فشل فيه. في البداية، حاول يخبي الموضوع عني وعن أمي، لكنه اقترض فلوس من أكتر من شخص، ولما عجز عن السداد، لجأ لعمي محمود.

عمي قال له إنه يقدر يساعده، بشرط إنه يمضي على أوراق تخص بعض ممتلكات العيلة.

كريم صدقه.

كان فاكر إن الموضوع مؤقت، وإنه هيسدد الفلوس ويرجع كل حاجة زي ما كانت.

لكن عمي قدمه لفادية، وقال له إنها هتدير بعض الأمور المالية.

فادية بدأت تطلب منه توقيعات جديدة، وتقول له إن ده ضروري عشان تسوية الديون.

وفي وسط ده كله، دخل بيت أمي في الموضوع، لأن البيت كان باسمها، ولأنني أنا اللي كنت بسدد أقساطه.

كريم قال إنه ماكانش فاهم كل تفاصيل الأوراق، لكنه كان عارف إن فيه تصرفات بتحصل من غير علمي.

سألته:

“ليه ماقولتليش؟”

رد وهو بيبص للأرض:

“كنت خايف.”

“من إيه؟”

“من إنك تعرفي إني خسرت كل حاجة، ومن إنك تكرهيني.”

ضحكت بمرارة.

“فقررت تخليني أرجع ألاقي أمي محبوسة، وبيتي متاخد، وأخويا بيوقع على أوراق ضدنا؟”

ماقدرش يرد.

قلتله:

“أنا مش هقدر أسامحك دلوقتي يا كريم. ومش هقدر أصدق أي كلمة منك غير لما الحقيقة كلها تظهر.”

هز راسه.

“أنا مستعد أقول كل حاجة للمحامي.”

وبالفعل، نهى رتبت مع المحامي إن كريم يدلي بأقواله رسميًا، ويسلم أي مستندات موجودة عنده، من غير ما يحاول يتواصل مع فادية أو عمي بشأن الأوراق.

في الأيام اللي بعدها، بدأ التحقيق ياخد مساره.

اتراجع عقد البيت، والتوكيل، والتحويلات المالية، واتطلبت أصول المستندات من الجهات المختصة.

ظهر إن فيه اختلافات بين نسخ من الأوراق، وإن بعض التوقيعات محتاجة فحص فني، وإن مبالغ مالية اتحولت لحسابات مختلفة من غير ما يكون واضح مين المستفيد النهائي منها.

لكن أخطر حاجة اكتشفناها كانت في ملف قديم خاص بأبويا.

الملف ده كان فيه وصية مكتوبة بخط إيده، وموقعة قبل وفاته بشهور، ومذكور فيها إنه عايز يحافظ على حقوقي وحقوق كريم، وإنه كان قلقان من خلافات مالية مع أخوه.

الوصية ماكنتش لوحدها كفاية لحسم أي نزاع، لكنها فتحت باب جديد للتحقيق في معاملات حصلت بعد وفاة أبويا.

وفي نفس الوقت، بدأنا نعرف إن فادية كانت بتستخدم البيت في تأجيره لأكتر من شخص، وإن فيه مبالغ اتجمعت باسمها، رغم إن ملكية العقار نفسها كانت محل نزاع بسبب المستندات اللي قدمتها.

أما أمي، فبدأت تستعيد صحتها تدريجيًا.

رجع لون وشها، وبدأت تاكل أحسن، ولما خرجت من المستشفى، أخدتها تقعد معايا مؤقتًا في شقة قريبة من نهى، لحد ما نضمن إن البيت بقى آمن وإن مفيش حد يقدر يضغط عليها.

أول ليلة قضيناها مع بعض، صحيت على صوتها وهي بتعيط.

جريت عليها.

“مالك يا ماما؟”

قالتلي:

“حلمت إني لسه في البدروم، وإنك جيتي تنقذيني، بس الباب اتقفل قبل ما توصليلي.”

حضنتها وفضلت أطبطب عليها لحد ما هديت.

قلت لها:

“إنتي هنا معايا. الباب مفتوح، ومحدش هيحبسك تاني.”

لكن رغم إن أمي كانت بدأت تتعافى، أنا كنت عارفة إن المعركة الحقيقية لسه ما خلصتش.

لأن عمي محمود كان لسه بره، ولسه ماقدمش تفسير واضح للمستندات اللي ظهر فيها اسمه.

وبعد أسبوع تقريبًا، جالي اتصال من رقم مجهول.

رديت، وسمعت صوت راجل بيقول:

“أنا محمود.”

عمي.

فضلت ساكتة.

قال:

“أنا عارف إنك زعلانة، وعارف إن فيه كلام كتير اتقال عني.”

رديت ببرود:

“لو عندك حاجة تقولها، قولها للمحامي.”

قال:

“أنا عايز أشوفك، وأديكي حاجة تخص أبوكي.”

“أي حاجة تخص أبويا تتسلم رسميًا.”

تنهد.

“يا مريم، فيه حاجات لو عرفتيها هتكرهي نفسك قبل ما تكرهيني.”

قفلت المكالمة.

ماكنتش هسمح له يستخدم خوفي أو فضولي عشان يخليني أقابله لوحدي.

بلغت نهى بالاتصال، وطلبنا إن أي مستندات جديدة تتسلم من خلال المحامي، وإن أي مقابلة تحصل تكون في إطار رسمي واضح.

بعد يومين، وصل ظرف لمكتب المحامي عن طريق مندوب، وكان جواه مفتاح صغير، وصورة قديمة، وخطاب مكتوب بخط أبويا.

المحامي اتصل بيا وطلب مني أروح مكتبه.

لما وصلت، حط الخطاب قدامي.

كان مكتوب على الظرف:

“إلى مريم، لو جه يوم واضطريتي تعرفي الحقيقة.”

إيدي بدأت ترتعش.

فتحت الخطاب ببطء.

أبويا كان كاتب إنه اكتشف قبل وفاته إن أخوه محمود بيحاول يتصرف في بعض ممتلكات العيلة من غير موافقته، وإنه واجهه أكتر من مرة، لكنه ماكانش عايز يعمل فضيحة عائلية.

كتب كمان إنه كان خايف إن كريم يتورط بسبب ديونه، وإنه حاول يساعده، لكنه رفض يديله فلوس من غير ما يعرف هتروح فين.

وفي آخر الخطاب، كانت فيه جملة خلت عيني تدمع.

“يا مريم، لو إنتي اللي بتقري الكلام ده، افتكري إن الحق مش معناه إنك تنتقمي، والرحمة مش معناها إنك تتنازلي عن حقك. خليكي عادلة، حتى لو اللي قدامك من دمك.”

فضلت ماسكة الورقة، وبعيط في صمت.

أبويا كان عارف إن فيه مشكلة، وكان بيحاول يحميّنا، لكنه مات قبل ما يقدر يوضح كل حاجة.

المفتاح اللي وصل مع الخطاب كان عليه رقم صغير.

المحامي بدأ يسأل عن مصدره، وبعد مراجعة التفاصيل، اتضح إنه مفتاح لخزنة صغيرة في مكتب قديم كان أبويا بيستخدمه قبل وفاته.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى