
قالت:
«سمعت، ولسه مصممة على رأيي».
بعد شوية، طلع مدير المدرسة على المسرح، ومعاه أعضاء لجنة التحكيم.
بدأ يعلن النتائج، ولما وصل للمركز الأول، وقف لحظة قبل ما ينطق الاسم.
«المركز الأول في مسابقة الموسيقى لهذا العام… أحمد محمود».
أحمد اتجمد مكانه.
بص لمايا، وهي صرخت بفرحة:
«أنا قلت لك!»
القاعة كلها صفقت، والأستاذ شريف نزل من على المسرح وساعد أحمد يطلع يستلم الجائزة.
كانت شهادة تقدير، ومعاها منحة لدروس موسيقى متخصصة، وفرصة إنه يشارك في برنامج تدريبي صيفي للطلبة الموهوبين.
أحمد مسك الشهادة، وبص للجمهور، وبعدين قال في الميكروفون:
«أنا بشكر مدرستي ومدرس الموسيقى وأهلي. وفيه حد لازم أشكره كمان».
لف ناحية مايا.
«صاحبتي مايا علمتني إن الحاجة اللي بنحبها مش دايمًا لازم تكون أغلى حاجة عندنا. ساعات فيه حاجة أهم، زي إن حد نقدر نساعده يعيش يومه من غير تعب».
القاعة سكتت، ومايا حطت إيدها على فمها وهي بتعيط.
أحمد كمل:
«بس أنا كمان اتعلمت إننا لازم نطلب المساعدة من أهلنا، وإننا مش لازم نعمل كل حاجة لوحدنا. عشان كده، أنا عايز أشكر كل حد ساعدني أرجع أعزف».
وبعدين رفع الشهادة وابتسم.
«وشكرًا لكل حد شجعني».
التصفيق رجع تاني، وأحمد نزل من المسرح وهو مش قادر يصدق اللي حصل.
بعد المسابقة بأسبوع، المدرسة نظمت يومًا مفتوحًا للأنشطة.
مايا شاركت بلوحاتها، وأحمد عزف مع مجموعة من الطلبة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن مدير المدرسة أعلن عن مبادرة جديدة اسمها «كلنا نقدر».
المبادرة كانت هدفها مساعدة الطلبة اللي بيواجهوا صعوبات في الوصول للفصول أو المشاركة في الأنشطة، سواء بسبب أدوات غير مناسبة أو احتياجات خاصة أو ظروف مادية بتمنعهم من شراء مستلزمات مهمة.
المدرسة اتفقت مع مجموعة من أولياء الأمور على إنشاء صندوق للمساعدة، لكن بشروط واضحة تحفظ كرامة أي طالب محتاج.
محدش هيضطر يحكي تفاصيل ظروفه قدام زملائه، ومحدش هيطلب منه يتنازل عن حاجة غالية عليه عشان يثبت إنه يستحق المساعدة.
وأول ما أعلنوا عن المبادرة، أحمد رفع إيده وقال:
«أنا ممكن أساعد في تنظيمها».
مدير المدرسة ابتسم.
«طبعًا يا أحمد، لكن لازم توازن بين ده وبين دراستك».
أحمد رد:
«حاضر يا فندم».
مايا قالت:
«وأنا ممكن أعمل رسومات للمبادرة».
المدرسة وافقت، وبدأوا يجهزوا لوحة كبيرة تتحط في مدخل المدرسة.
في وسط اللوحة، رسمت مايا مجموعة طلبة واقفين جنب بعض، وكل واحد فيهم بيساعد التاني بطريقة مختلفة.
ما كانش فيه حد في اللوحة باين إنه أقوى من غيره، ولا حد محتاج شفقة.
كلهم كانوا زملاء.
ولما خلصت اللوحة، وقفت تتفرج عليها طويلًا.
أحمد سألها:
«إنتي رسمتيها ليه بالشكل ده؟»
قالت:
«عشان المساعدة مش معناها إن حد واقف فوق وحد تحت. المساعدة معناها إننا كلنا واقفين جنب بعض».
أحمد ابتسم.
«دي أحسن جملة سمعتها النهارده».
ضحكت مايا.
«اكتبها بقى في كراستك بدل ما تنساها».
مرت شهور، وأحمد فضل يتدرب على الجيتار، ومايا بدأت تشارك في الأنشطة الفنية، وبقت تدخل المدرسة وهي واثقة من نفسها.
الكرسي الجديد ساعدها تتحرك براحة أكبر، والمدرسة عملت تعديلات بسيطة في الممرات عشان تبقى مناسبة ليها ولأي طالب عنده احتياجات مشابهة.
وفي يوم، وأنا برتب أوضة أحمد، لقيت علبة صغيرة تحت المكتب.
فتحتها، ولقيت فيها شوية فلوس ورقية ومعدنية، ومعاها ورقة مكتوب عليها بخطه:
«تحويش الجيتار».
ابتسمت من غير ما أحس.
كنت فاكرة إنه هيصرف كل فلوسه على أي حاجة تانية، لكنه بدأ من جديد، واحدة واحدة، وبقى يحوش من مصروفه ومن الهدايا اللي بياخدها.
دخل أحمد الأوضة، وشافني ماسكة العلبة.
احمر وشه وقال:
«كنت عايز أوريهالك لما يبقى فيها مبلغ أكبر».
ضحكت وقلت:
«وليه تستنى؟ أنا فرحانة إنك بدأت».
قعد جنبي وقال:
«المرة دي مش هبيع حاجة من غير ما أقول لكم».
قلت له:
«اتفقنا».
وبعدين سألته:
«إنت نفسك تجيب جيتار جديد ولا عايز ترجع لنفس النوع القديم؟»
فكر شوية، وقال:
«نفسي أجيب جيتار كويس، بس مش مستعجل. أنا معايا واحد أقدر أتمرن عليه، ولما أحوش كفاية هختار اللي يناسبني».
بصيت له بفخر.
الولد اللي كان فاكر إن عليه ينقذ الموقف لوحده، بدأ يفهم إن المسؤولية مش معناها إنه يشيل الدنيا فوق كتفه.
وإنه ممكن يكون كريم، وفي نفس الوقت يحافظ على أحلامه.
وفي نهاية السنة الدراسية، المدرسة عملت احتفالًا صغيرًا للطلبة المشاركين في المبادرة.
مدير المدرسة طلب من أحمد ومايا يطلعوا المسرح مع بعض.
أحمد كان لابس قميصه الأبيض المعتاد، ومايا كانت لابسة فستانًا بسيطًا، وعلى رجليها لوحة صغيرة ملفوفة بشريط.
المدير وقف قدام الميكروفون وقال:
«النهارده إحنا مش بنكرم طالب عشان باع حاجة غالية عليه، ولا بنكرم طالبة عشان استلمت كرسي جديد. إحنا بنحتفل باتنين من أولادنا فكرونا إن المدرسة مش مكان للتعليم بس، لكنها مكان بنتعلم فيه إزاي نشوف بعض، وإزاي نساعد من غير ما نجرح، وإزاي نقبل المساعدة من غير ما نحس إننا أقل من غيرنا».
وبعدين طلب من أحمد يحكي للطلبة عن اللي حصل.
أحمد مسك الميكروفون، وبص لمايا، وبعدها بص لأهالي الطلبة.
قال:
«أنا لما لاحظت إن مايا بتتعب وهي بتحاول تتحرك بالكرسي القديم، كنت فاكر إن الحل الوحيد إني أجيب لها كرسي جديد. ما فكرتش في أي حاجة تانية، وما قلتش لأهلي. كنت فاكر إن لو اتكلمت، الموضوع هياخد وقت طويل، وإنها هتفضل تعبانة».
سكت لحظة، وكمل:
«أنا لسه شايف إن مساعدة مايا كانت حاجة مهمة، لكن لو رجع بيا الوقت، كنت هتكلم مع ماما وبابا الأول. مش عشان ما أساعدهاش، لكن عشان نقدر نساعدها بطريقة أفضل، من غير ما أخسر حاجات مهمة ليا».
بص للجمهور، وقال:
«أنا اتعلمت إن النية الحلوة مهمة، لكن كمان لازم نفكر ونطلب المساعدة من الناس اللي بتحبنا».
وبعدين سلم الميكروفون لمايا.
مايا مسكته وقالت:
«أنا كنت ساعات بزعل لما حد يعرض يساعدني، لأني كنت بحس إنه شايفني ضعيفة. لكن أحمد ما خلانيش أحس بكده. هو عاملني كصديقة، وشاف إني محتاجة حاجة تساعدني أتحرك، من غير ما يتعامل معايا كأني عاجزة عن أي حاجة».
عينيها لمعت بالدموع.
«وأنا اتعلمت إن قبول المساعدة مش عيب، وإن من حقي أطلب اللي يساعدني أعيش يومي براحة، من غير ما أعتذر عن احتياجي».
القاعة كلها صفقت.
وأنا كنت قاعدة في الصف الأول، جنب والد أحمد، والدموع بتنزل من عيني من غير ما أحاول أمنعها.
بعد الاحتفال، مايا جت ناحيتي وحضنتني.
وقالت:
«شكرًا يا طنط سارة إنك ما زعلتيش من أحمد أوي».
ضحكت وقلت:




