منوعات

ابني الي عنده 13

أحمد احمر من الكسوف، وحاول يقوم، لكن مدرس الموسيقى طلب منه يفضل مكانه.

وقال للطلبة:

«النهارده مش هنتكلم عن المسابقة بس. هنتكلم عن حاجة أهم، وهي إن الموهبة محتاجة تدريب، وإن الإنسان يقدر ينجح لما يلاقي اللي يشجعه. أحمد طالب مجتهد، ومايا كمان عندها موهبة في الرسم، وإحنا هنساعد كل طالب فيكم يكتشف الحاجة اللي بيحبها».

بعض الطلبة بصوا لمايا، وهي رفعت راسها بفخر.

وبعد الحصة، راحت لمايا لأحمد وقالت له:

«أنا هعمل لك رسمة وإنت بتعزف، وأديها لك يوم المسابقة».

أحمد ابتسم.

«وأنا هعزف المقطوعة اللي إنتي بتحبيها».

قالت له:

«بس مش عايزاك تعمل حاجة صعبة عشان ترضيني. اعزف اللي إنت بتحبه».

ضحك وقال:

«حاضر يا فندم».

بعد أسبوع، المدرسة أعلنت موعد التصفيات الأولى للمسابقة.

أحمد بدأ يتدرب كل يوم بعد ما يخلص واجباته، ومدرس الموسيقى كان بيخصص له وقتًا إضافيًا في غرفة النشاط.

وأنا كنت أحيانًا أقعد وراه وأسمعه، وأحيانًا أطلب منه يريح إيده شوية لما أحس إنه تعب.

في إحدى الليالي، دخل عليا المطبخ وهو شايل الجيتار.

قال لي:

«يا ماما، ممكن أقول لك حاجة؟»

قلت له:

«قول يا حبيبي».

قعد قدامي، وفضل يبص للأوتار.

«أنا ساعات بفتكر الجيتار القديم، وبزعل شوية».

مسحت إيدي في الفوطة وقعدت جنبه.

«طبيعي تزعل يا أحمد. إنت كنت بتحبه، ومن حقك تفتقده».

هز راسه.

«بس بعدين بفتكر مايا وهي بتتحرك في المدرسة من غير ما تتعب، فبحس إني مش ندمان».

قلت له:

«ممكن تكون فرحان إنك ساعدتها، وفي نفس الوقت زعلان على حاجة كنت بتحبها. المشاعر دي مش متعارضة يا حبيبي».

بص لي باستغراب.

«يعني ينفع أكون فرحان وزعلان في نفس الوقت؟»

ضحكت وقلت:

«طبعًا ينفع. الإنسان مش لازم يحس بحاجة واحدة بس».

فضل ساكت شوية، وبعدين قال:

«أنا كمان اتعلمت إني لو احتجت مساعدة، أقول لكم».

حضنته وقلت:

«وده أهم درس في الحكاية كلها».

في اللحظة دي، رن جرس الباب.

قمت أفتح، ولقيت محمود ومايا واقفين بره، ومعاهم كرتونة صغيرة.

رحبت بيهم ودخلوا.

مايا كانت ماسكة الكرتونة بإيديها، ولما شافت أحمد، قالت:

«أنا جبت لك حاجة».

أحمد بص للكرتونة وسألها:

«إيه دي؟»

قالت:

«افتحها».

قعد أحمد على الكنبة، وفتح الغطا.

جوا الكرتونة كانت فيه لوحة مرسومة بإيد مايا.

اللوحة كانت فيها صورة ولد صغير قاعد على كرسي، ماسك جيتار، وقدامه بنت قاعدة على كرسي متحرك جديد، والاتنين بيضحكوا.

وفي الخلفية، كان فيه مبنى المدرسة، وشجرة كبيرة، وسماء مليانة نور.

أحمد فضل باصص للوحة من غير كلام.

مايا قالت بخجل:

«أنا عارفة إنك مش هترجع الجيتار القديم، بس أنا رسمت لك اللوحة دي عشان تفتكر إنك لما ساعدتني، إنت ما خسرتش كل حاجة. إنت كسبت صديقة هتفضل تشجعك طول ما إنت بتعزف».

أحمد رفع عينيه، وكانت دموعه نازلة.

«دي أجمل هدية جت لي في حياتي».

مايا ابتسمت وقالت:

«بس فيه حاجة تانية».

محمود طلع من جيبه ظرف صغير ومده لأحمد.

«إحنا مش هنقدر نرجع لك الجيتار اللي بعته، ومش عايزينك تحس إننا بندفع لك تمن اللي عملته. لكن لما عرفنا إنك كنت بتحوش من عيدياتك عشان تشتري الجيتار، أنا ووالدتك قررنا نحط مبلغ بسيط في الظرف ده».

أحمد بدأ يرفض.

«لأ يا عمو، أنا مش عايز فلوس».

محمود رفع إيده وقال:

«استنى بس، اسمعني للآخر. الفلوس دي مش مقابل الكرسي. دي هدية من أسرة لأسرة، زي ما إحنا بنقبل مساعدتك لمايا، إنت كمان لازم تعرف إن قبول المساعدة مش عيب. لو مش محتاجها، ممكن تحوشها لحاجة نفسك فيها، أو تستخدمها في دروس الموسيقى. القرار قرارك».

أحمد بص لي، وأنا قلت له:

«فكر فيها بهدوء يا حبيبي. مش لازم ترفض كل حاجة عشان تثبت إنك عملت اللي عملته من غير مقابل».

أحمد أخد الظرف، وقال لمحمود:

«شكرًا يا عمو. أنا هحوش الفلوس عشان لو احتجت أشتري معدات للمسابقة».

محمود ابتسم.

«ده قرار جميل».

وبعد ما قعدوا شوية، خرج محمود ومايا، لكن قبل ما تمشي، مايا رجعت بصت لأحمد وقالت:

«بكرة هاجي المدرسة بدري، عشان نتمرن على العرض».

أحمد رد:

«هستناكي».

ولما الباب اتقفل، بصيت للوحة اللي كانت لسه في إيده.

علقتها له فوق المكتب، مكان حامل الجيتار القديم.

ومن يومها، بقت أول حاجة يشوفها كل صباح.

جت ليلة المسابقة، والبيت كله كان في حالة استعداد.

أحمد كان لابس قميص أبيض وبنطلون غامق، والجيتار في الجراب على ضهره.

كنت بظبط له ياقة القميص، وهو بيحاول يخبي توتره.

سألته:

«إنت خايف؟»

قال:

«شوية».

«من إيه؟»

«من إني أغلط قدام الناس».

ابتسمت وقلت:

«إنت اتدربت كتير، وعملت اللي عليك. النتيجة مش كل حاجة. المهم إنك تطلع وتقدم أحسن ما عندك».

والده دخل الصالة وقال:

«وبعدين إنت مش رايح تحارب يا ابني، إنت رايح تعزف مزيكا».

ضحك أحمد، والتوتر اللي كان في وشه خف شوية.

وصلنا قاعة المدرسة، وكانت مليانة أولياء أمور وطلبة ومدرسين.

مايا كانت هناك مع والدتها، قاعدة في الصف الأمامي، وعلى رجليها لوحة صغيرة كانت عاملاها مخصوص للمسابقة.

أول ما شافت أحمد، رفعت إبهامها تشجيعًا له.

هو ابتسم لها، وبعدين راح يقعد جنب المدرس.

بدأت الفقرات واحدة ورا التانية، لحد ما جه دور أحمد.

المذيع أعلن اسمه، وأحمد طلع على المسرح بخطوات بطيئة.

حط الجيتار على رجله، وعدل مكانه، وبص للجمهور.

في اللحظة دي، لمحني في الصف التاني، وأنا ماسكة إيد والده.

ابتسمت له.

أخد نفس عميق، وبدأ يعزف.

أول جزء من المقطوعة كان هادي، وبعدها بدأ اللحن يتغير، ويبقى أقوى وأوضح.

كان فيه لحظات حسيت فيها إنه مش بيفكر في الجمهور، ولا في لجنة التحكيم، ولا حتى في النتيجة.

كان بيعزف من قلبه.

ولما وصل للنهاية، ساب آخر نغمة تمتد في القاعة، وبعدها رفع إيده عن الأوتار.

لثانية واحدة، ساد الصمت.

وبعدين القاعة كلها انفجرت بالتصفيق.

أحمد بص للجمهور بدهشة، وبعدين ابتسم ابتسامة واسعة.

مايا كانت أول واحدة وقفت تصفق، وأمها كانت بتصور المشهد وهي بتضحك.

بعد ما نزل من المسرح، جري علينا.

والده حضنه وقال:

«عاش يا بطل!»

وأنا حضنته وفضلت أبوس راسه.

«أنا فخورة بيك أوي يا أحمد».

هو كان بيضحك، لكن عينيه مليانة دموع.

«كنت خايف أنسى اللحن».

قلت له:

«بس إنت ما نسيتوش».

رد:

«عشان كنت ببص لكم».

بعد انتهاء كل الفقرات، لجنة التحكيم طلبت من المشاركين ينتظروا إعلان النتائج.

أحمد قعد جنب مايا، وهي قالت له:

«إنت كنت أحسن واحد».

ضحك وقال:

«إنتي لسه ما سمعتيش كل الناس».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى