
«يعني أنا ممكن أشارك في حاجة في المدرسة من غير ما أفضل قاعدة لوحدي؟»
محمود قرب منها وقال:
«إنتي تقدري تشاركي في كل حاجة تناسبك يا بنتي. والكرسي الجديد هيساعدك تتحركي براحة، والمدرسة هتجهز المكان عشان تقدري توصلي لكل الأنشطة».
مايا بدأت تضحك وهي بتمسح دموعها.
«أنا عايزة أعمل لوحة كبيرة للمسابقة».
أحمد قال لها:
«وأنا هعزف فيها».
ردت بسرعة:
«بس بشرط».
«إيه هو؟»
«ما تبيعش الجيتار الجديد مهما حصل من غير ما تقول لي».
ضحكنا كلنا، حتى العسكريين اللي كانوا واقفين عند الباب.
وأحمد قال:
«وإنتي كمان لو احتجتي أي حاجة، تقولي لي. بس المرة الجاية هنكلم الكبار الأول».
مايا مدت إيدها وصافحته بجدية مصطنعة.
«اتفقنا».
بعد ما خرجنا من المستشفى، رجعنا البيت وإحنا حاسين إن يوم واحد غيّر حاجات كتير في حياتنا.
أول ما دخلنا، أبو أحمد كان لسه راجع من شغله الليلي، وواقف في الصالة بيشرب قهوته.
بص لنا باستغراب، ولما شاف الجيتار في إيد ابنه، قام من مكانه.
«إيه ده؟ مش ده شبه الجيتار اللي بعته؟»
أحمد بص لي، وبعدها بدأ يحكي له كل اللي حصل من أول ما العسكريين خبطوا على الباب، لحد ما مايا استلمت الكرسي، ولحد ما مدرس الموسيقى جاب له الجيتار الجديد.
والده فضل ساكت طول الحكاية.
ولما أحمد خلص، قام وقرب منه.
كنت خايفة يزعق له على إنه باع حاجاته من غير إذننا، لكنه عمل حاجة ما كنتش متوقعاها.
حضنه.
حضنه جامد، وبعدين قال له:
«أنا فخور بيك يا ابني، بس عندي عتاب صغير».
أحمد رفع راسه.
«إيه يا بابا؟»
والده قال:
«إنت كنت تقدر تيجي تقول لي إن مايا محتاجة مساعدة. يمكن ما كناش هنقدر نشتري الكرسي كله، لكن كنا هنحاول. أنا زعلان إنك حسيت إنك لازم تشيل المسؤولية لوحدك».
أحمد نزل عينيه.
«أنا آسف يا بابا».
والده رفع دقنه بإيده وقال:
«أنا مش عايزك تعتذر عن إنك ساعدت حد. أنا عايزك تتعلم إنك مش لوحدك، وإنك مش لازم تتخلى عن كل حاجة بتحبها عشان تكون إنسان كويس».
وبعدين بص للجيتار الجديد وقال:
«أما بقى الجيتار ده، فده لازم تحافظ عليه. مش عشان تمنه، لكن عشان يفضل يفكرك إن الدنيا لسه فيها ناس بتحب الخير».
أحمد ابتسم، وراح أوضته يحط الجيتار في مكانه.
وأنا دخلت المطبخ أجهز الفطار، لكن قبل ما أخلص، سمعت صوت أوتار الجيتار من أوضته.
كانت أول مرة أسمع صوته من يوم ما اكتشفت إنه باع آلته القديمة.
وقفت عند باب المطبخ وغمضت عيني.
الصوت كان مختلفًا شوية، لكن اللحن كان هو نفسه اللي كان بيعزفه كل يوم.
نفس اللحن اللي كان بيكرره عشرات المرات لحد ما يظبطه.
المرة دي، كان بيعزفه من غير ما يتوقف، وكأنه بيبدأ فصلًا جديدًا من حياته.
بعد الفطار، قعدنا كلنا نتكلم عن اللي حصل.
والده سأل أحمد:
«هو إنت كنت عارف إن مايا هتعيط لما تعرف إنك بعت الجيتار؟»
أحمد فكر شوية، وبعدين قال:
«لأ. أنا كنت فاكر إنها هتفرح بالكرسي وخلاص».
قلت له:
«وده اللي حصل فعلًا. بس هي كمان بتحبك كصديق، ومش عايزة تكون سبب في إنك تخسر حاجة مهمة بالنسبالك».
أحمد هز راسه.
«أنا فهمت ده دلوقتي».
وبعد لحظة صمت، سألني:
«يا ماما، هو أنا عملت حاجة غلط لما بعت الجيتار من غير ما أقول لكم؟»
السؤال ده كان محتاج إجابة صادقة.
قعدت جنبه وقلت:
«إنت ما غلطتش في إنك عايز تساعدها، لكن القرار نفسه كان كبير، وكان لازم تتكلم معانا قبل ما تتصرف. إحنا مش هنمنعك من الخير، بالعكس، إحنا هنساعدك تعمل الخير بطريقة صح. لو كنت قلت لنا، كنا ممكن نتصرف أسرع، ويمكن كنت احتفظت بجيتارك كمان».
أحمد بص للجيتار الجديد وقال:
«يمكن».
وبعدين ابتسم.
«بس أنا فرحان إن مايا بقت عندها كرسي جديد».
قلت له:
«وأنا كمان يا حبيبي».
في اليوم ده، اتعلمت إن الأطفال ساعات بيشوفوا حاجات إحنا الكبار بنتعود عليها ومبنبقاش نلاحظها.
إحنا كنا بنشوف مايا وهي داخلة المدرسة بكرسيها القديم، ونقول في نفسنا إنها متعودة، وإن أهلها أكيد هيتصرفوا.
لكن أحمد شاف إنها بتتأخر عن الفصل، وإنها بتخبي زعلها، وإنها بتحاول تضحك عشان محدش يحس إنها متضايقة.
هو ما استناش حد يطلب منه المساعدة.
لكنه كمان اتعلم إن المساعدة مش معناها إنه يضحي بكل حاجة لوحده.
عدت الأيام، وجت أول مرة رجع فيها أحمد المدرسة بالجيتار الجديد.
من الصبح، كان متحمس لدرجة إنه صحي قبل المنبه، وفضل يراجع الأوتار ويظبط الحقيبة.
قبل ما يخرج، وقف قدامي وقال:
«يا ماما، إنتي ممكن تيجي المدرسة النهارده؟»
سألته:
«ليه؟ فيه حاجة؟»
قال:
«مايا هتستخدم الكرسي الجديد لأول مرة في المدرسة، وأنا عايزك تكوني موجودة».
ابتسمت وقلت:
«طبعًا يا حبيبي».
وصلنا المدرسة قبل بداية اليوم الدراسي بشوية.
ولما دخلنا الفناء، شفت مايا جاية مع والدتها، قاعدة على الكرسي الجديد، وبتتحرك بيه بنفسها من غير ما تحتاج حد يدفعها.
كان وشها منور بفرحة ما شفتهاش عليها قبل كده.
أول ما شافت أحمد، رفعت إيدها ولوحت له.
«أحمد! بص أنا بعرف أتحرك بيه لوحدي!»
أحمد جري ناحيتها، لكنه وقف على مسافة مناسبة عشان يسيب لها المساحة تتحرك براحتها.
«شايفك يا مايا! إنتي بقيتي أسرع مني كمان».
ضحكت وقالت:
«استنى لما نجرب السباق في الطرقة».
أمها ضحكت، وأنا حسيت إن الدموع هتنزل من عيني.
مايا دخلت المدرسة من البوابة الرئيسية، وعدت من الممر الواسع لحد الفصل، والناس حواليها بيسلموا عليها.
كان فيه ولدين واقفين عند باب الفصل، ولما شافوها، واحد منهم قال بصوت واطي لصاحبه:
«أهو الكرسي الجديد وصل».
مايا سمعت الجملة، ووشها اتغير للحظة.
لكن قبل ما أحمد يرد، الولد التاني قال:
«بصراحة، الكرسي شكله مريح. مبروك يا مايا».
الأول اتكسف، وبص في الأرض.
مايا ما قالتش حاجة، لكنها كملت طريقها.
أحمد مشي جنبها، ولما وصلوا للفصل، حط شنطته على المقعد، وطلع الجيتار.
مدرس الموسيقى كان مستنيه، وقال له:
«جاهز يا بطل؟»
أحمد بص لمايا، وبعدين قال:
«جاهز».
في حصة النشاط، المدرسة كانت مجهزة فقرة صغيرة عشان تشجع الطلبة على المشاركة في المسابقة.
أحمد قعد على كرسي قدام الفصل، وحط الجيتار على رجله، وبدأ يعزف اللحن اللي كان بيتدرب عليه من شهور.
أول نغمة خرجت، الفصل كله سكت.
كان بيعزف بهدوء في البداية، وبعدين زود قوة اللحن تدريجيًا، لحد ما بقى الصوت مليان إحساس.
أنا كنت واقفة عند باب الفصل، وبصيت لمايا.
كانت قاعدة في الصف الأول، عينيها على أحمد، وابتسامتها بتكبر مع كل نغمة.
ولما خلص، الفصل كله صفق.




