منوعات

ابني الي عنده 13

«أيوه، أنا مامته. ممكن أفهم إيه اللي حصل؟»

قام محمود من على ركبته، ومسح وشه بإيده، وقال:

«تعالوا معايا، أنا عايز أوريكم حاجة قبل ما مايا تصحى».

مشينا وراه لحد غرفة انتظار صغيرة، وكان فيه ترابيزة عليها ملف ورقي، وكيس فيه علبة شوكولاتة، وصورة لبنت صغيرة قاعدة على كرسيها القديم وبتضحك.

محمود سحب كرسي وقعد، وبعدها أشار لنا نقعد.

وقال:

«أنا عارف إن اللي ابنك عمله حاجة كبيرة، بس أنا عايزكم تعرفوا إن الموضوع بالنسبة لنا مش مجرد كرسي».

بص للصورة اللي على الترابيزة.

«مايا عندها تلاتاشر سنة. من وهي صغيرة، اتعودت إنها تحاول تعمل كل حاجة بنفسها، حتى لما تكون محتاجة مساعدة. كانت بتكره إن حد يشيل عنها شنطتها أو يدفع كرسيها من غير ما تستأذن. وكانت دايمًا تقول لي: يا بابا، أنا عايزة الناس تشوفني أنا، مش تشوف الكرسي».

صوته بدأ يترعش.

«لما كرسيها القديم بدأ يتعب، حاولت أصلحه كذا مرة. كل شهر كنا بندفع فلوس للدكتور والعلاج الطبيعي والمشاوير. وأنا شغال طول اليوم، ووالدتها بتشتغل من البيت على قد ما تقدر، ومع ذلك كنا بنحاول نحوش».

بص لي وقال:

«الكرسي اللي يناسب احتياجاتها سعره كان فوق قدرتنا. مش لأننا مش عايزين نجيبه، لكن لأننا كنا كل ما نجمع جزء من المبلغ، يحصل ظرف جديد. مرة علاج، ومرة إصلاح في البيت، ومرة مصاريف مدرسة».

وبعدين بص لأحمد.

«لكن اللي كسر قلبي يا ابني، مش إننا ما قدرناش نشتري الكرسي. اللي كسر قلبي إن بنتي بدأت ترفض تروح المدرسة».

أحمد رفع عينيه بسرعة.

«مايا كانت هتبطل المدرسة؟»

هز محمود راسه.

«كانت بتقول إنها تعبانة، وإنها مش عايزة تتأخر عن أصحابها، وإن كل ما تدخل من باب الفصل، فيه حد يبص للكرسي أو يعلق عليه. كانت بتحاول تخبي عني إنها بتعيط، لكني كنت بسمعها بالليل وهي بتتكلم مع أمها».

سكت شوية، وبعدين كمل:

«وأنا كنت كل يوم أوعدها إننا هنجيب الكرسي قريب، وهي كانت تبتسم وتقول لي إنها مصدقاني. بس أنا كنت عارف إنها بدأت تفقد الأمل».

بص لأحمد.

«لحد ما عرفت إن ولد عنده تلاتاشر سنة باع أغلى حاجة عنده عشان بنتي ما تضطرش تستنى أكتر».

أحمد نزل عينيه وقال:

«أنا ما عملتش حاجة كبيرة يا عمو. أنا بس ما كنتش عايزها تزعل».

محمود حط إيده على وشه، وفضل ساكت لثواني طويلة.

وبعدين قام فجأة، وفتح باب الغرفة.

«تعالوا، هي مستنياكم».

دخلنا غرفة المستشفى، وكانت مايا قاعدة على السرير، جنبها والدتها، والكرسي الجديد واقف قريب من الحيطة.

أول ما شافت أحمد، عينيها اتملت دموع.

«أحمد!»

حاولت تتحرك من على السرير، لكن والدتها سندتها، وقالت لها تريح شوية.

أحمد جري ناحيتها، ووقف جنبها.

«إنتي كويسة؟»

هزت راسها، وهي بتحاول تبتسم.

«أيوه، بس أنا زعلانة منك».

أحمد اتصدم.

«مني أنا؟ ليه؟»

مايا بصت له، ودموعها نزلت على خدودها.

«ليه بعت الجيتار بتاعك؟»

أحمد سكت.

كملت وهي بتعيط:

«أنا عرفت كل حاجة. بابا قالي إنك بعت الجيتار والبلايستيشن وفلوس عيد ميلادك. إنت إزاي تعمل كده؟ إنت بتحب الجيتار ده أوي!»

أحمد حاول يبتسم وقال:

«هجيب واحد تاني».

مايا هزت راسها بعصبية.

«بس أنا مش هقدر أجيب لك الوقت اللي ضاع منك وإنت بتحوش تمنه. أنا مش عايزاك تخسر حاجة بتحبها عشاني».

أحمد قرب منها وقال:

«إنتي ما خسرتينيش حاجة يا مايا. أنا اللي اخترت أعمل كده».

«بس إنت كنت بتتمرن كل يوم! كنت بتقولي إنك عايز تبقى عازف في فرقة لما تكبر».

ابتسم أحمد ابتسامة حزينة.

«وهبقى عازف برضه. ممكن أبدأ من جديد، لكن إنتي مش لازم تفضلي تستني عشان تقدري تتحركي في المدرسة».

مايا غطت وشها بإيديها وعيطت.

وأنا واقفة جنبهم، حسيت إن قلبي بيتقطع من المشهد.

بنت صغيرة مش عايزة تكون سبب في حرمان زميلها من حلمه، وولد صغير شايف إن حلمه ممكن يستنى، لكن راحة زميلته ما تستناش.

قربت من مايا ومسحت على شعرها.

«يا حبيبتي، أحمد كان المفروض يتكلم معانا الأول، وده إحنا اتكلمنا فيه. لكن إنتي ما تحسيش بالذنب أبدًا. هو عمل اللي عمله لأنه بيحب الخير ليكي، وإحنا كلنا عايزينك ترجعي المدرسة مبسوطة».

مايا بصت لي وقالت:

«أنا مش عارفة أشكره إزاي».

ابتسمت لها وقلت:

«ببساطة، ترجعي المدرسة وتكملي تعليمك، وما تخليش أي حد يحسسك إنك أقل من غيرك».

في اللحظة دي، محمود قرب من الكرسي الجديد، وبدأ يحكي لنا اللي حصل بالظبط.

قال إن الكرسي وصل البيت في اليوم السابق، وإنه كان لسه راجع من شغله لما سمع صوت العربية قدام الباب.

لما فتح، لقى عامل التوصيل بيطلّع الكرسي من العربية، ومعاه ورقة تأكيد الشراء.

محمود استغرب، لأنه كان فاكر إن المحل لسه بيجهز الطلب.

سأل العامل عن اسم المشتري، فالعامل راجع الورق وقال له إن الكرسي مدفوع بالكامل، وإن فيه تعليمات بتوصيله مباشرة لعنوان مايا.

محمود دخل الكرسي البيت، وفضل يلف حواليه، مش مصدق إن الحاجة اللي كان بيحلم يجيبها لبنته بقت قدامه.

ولما مايا شافته، قربت منه ولمست العجل بإيديها، وبعدين بصت لأبوها وسألته:

«هو ده بجد بتاعنا؟»

محمود قال لها:

«أيوه يا حبيبتي، ده بتاعك».

فقالت له:

«بس إحنا ما اشتريناهوش».

في البداية، حاول محمود يطمنها ويقول لها إن فيه حد قرر يساعدهم، لكن لما عرف إنها مصممة تعرف مين، اتصل بأحمد.

أحمد حكى له الحقيقة كلها.

وساعتها محمود ما عرفش يتكلم.

كان فاكر إن ابنه هو اللي ممكن يبيع حاجة غالية عشان يشتري حاجة لنفسه، أو إن أقصى ما يمكن يفعله طفل في سنه إنه يجمع مبلغ صغير يساعد بيه زميلته.

لكن إنه يبيع جيتاره الكهربائي، وجهاز الألعاب، وكل فلوسه، عشان يوفر لبنت غريبة عنه كرسيًا يناسب احتياجاتها، دي كانت حاجة ما تخيلش إنها ممكن تحصل.

محمود قال لنا:

«بعد المكالمة، قعدت جنب بنتي لحد ما نامت. ولما بصيت للكرسي، افتكرت كل مرة كانت مايا بتقولي إنها مش عايزة تروح المدرسة، وكل مرة كنت أقول لها اصبري شوية. حسيت إني قصرت معاها، رغم إني كنت بحاول على قد ما أقدر».

هنا تدخلت زوجته، وكانت واقفة جنب السرير، وقالت:

«إحنا ما كناش عايزين حد يعرف ظروفنا. مايا كانت دايمًا بتخاف إن أصحابها يحسوا إنها مختلفة، وإحنا كنا بنحاول نحافظ على إحساسها ده».

بصت لأحمد، ودموعها نازلة.

«لكن إنت يا حبيبي، خلتنا نفهم إن فيه ناس بتشوف احتياج غيرها من غير ما تستنى حد يطلب منها».

أحمد احمر وشه من الكسوف، وقال:

«أنا ما عملتش حاجة تستاهل كل ده».

محمود قرب منه، وحط إيده على كتفه.

«لأ يا أحمد، إنت عملت حاجة تستاهل إننا نقف عندها. بس أنا مش عايز أخليك تحس إنك لازم تضحي بكل حاجة بتحبها عشان تساعد حد. الخير مش معناه إنك تحرم نفسك من كل حاجة، الخير كمان إنك تعرف تطلب المساعدة من الناس اللي بتحبك».

بص لي، وأنا هزيت راسي موافقة.

وبعدين قال:

«وعشان كده، أنا اتصلت بالشرطة».

أحمد اتوتر، فمحمود كمل بسرعة:

«مش عشان أشتكيك، يا ابني. أنا اتصلت لأن فيه موضوع تاني لازم تعرفه».

طلع محمود ظرفًا أبيض من الملف اللي كان جايبه، وحطه على الترابيزة.

وبص لأحمد وقال:

«إمبارح، بعد ما عرفت إنك بعت الجيتار بتاعك، اتصلت بمدير المدرسة. كنت عايز أشوف إذا كان فيه طريقة نرجع لك فلوسك، أو نساعدك تجيب جيتار تاني. لكن المدير قال لي إن المدرسة عندها نشاط موسيقي، وإن مدرس الموسيقى كان بيتكلم عن طالب موهوب جدًا، وبيحاول يلاقي له فرصة يشارك في مسابقة على مستوى المحافظة».

أحمد رفع راسه فجأة.

«مسابقة؟»

محمود ابتسم.

«أيوه. والمدير قال لي إن الطالب ده إنت».

أحمد بص لي، وأنا بصيت له بدهشة.

كنت عارفة إنه بيحب الموسيقى، لكن ما كنتش أعرف إن مدرسه شايف فيه موهبة بالشكل ده.

محمود فتح الظرف وطلع منه ورقة.

«المدرسة كانت مقدمة اسمك للمسابقة من أسبوعين، لكن كان فيه شرط إنك تقدم مقطوعة على جيتارك في التصفيات. والمدرس كان ناوي يكلم أهلك النهارده عشان يتفقوا معاه على تجهيزات المسابقة».

أحمد وشه اتغير.

«بس أنا ما عنديش جيتار دلوقتي».

محمود هز راسه.

«عارف. وعشان كده أنا جبتك هنا».

فتح الباب اللي وراه، ودخل راجل في منتصف الأربعينيات، شايل علبة طويلة ومغلفة بورق أزرق.

أحمد بص للعلبة، وبعدين بص لمحمود، ومبقاش فاهم حاجة.

الراجل قرب منه وقال:

«صباح الخير يا أحمد. أنا أستاذ شريف، مدرس الموسيقى في مدرستك».

أحمد وقف بسرعة.

«حضرتك يا أستاذ؟»

الأستاذ شريف ابتسم وقال:

«أنا عرفت اللي عملته، وعرفت إنك بعت الجيتار اللي كنت بتتمرن عليه كل يوم. وعايز أقول لك إن المدرسة كلها فخورة بيك».

مد إيده بالعلبة، لكنه ما سابهاش لأحمد فورًا.

وقال:

«قبل ما تفتحها، عايزك تعرف إن اللي جواها مش ثمن اللي عملته، ولا مكافأة مقابل إنك ساعدت مايا. إنت مش محتاج تشتري تقدير الناس بتضحيتك. دي حاجة المدرسة كانت بتجهزها من قبل ما أعرف تفاصيل اللي حصل، لكن لما عرفت، حسيت إن لازم أوصلها لك بنفسي».

أحمد مد إيده وفتح العلبة بحذر.

وأول ما الغطا اتشال، رجع خطوة لورا.

كان جواها جيتار كهربائي جديد، لونه أسود لامع، ومعاه جراب مبطن ومجموعة أوتار جديدة.

أحمد حط إيده على فمه.

«ده… ده ليا؟»

الأستاذ شريف قال:

«أيوه يا أحمد. ده هدية من مجموعة من أولياء الأمور، ومعاهم إدارة المدرسة. لما عرفوا إنك بتتمرن على مسابقة وإنك محتاج آلة موسيقية، قرروا يساعدوك. إحنا ما كناش نعرف إنك بعت جيتارك، لكن لما مدير المدرسة عرف اللي حصل، قررنا نسرّع الموضوع ونجيبه لك النهارده».

أحمد فضل واقف مكانه، مش عارف يلمس الجيتار ولا يصدق إنه قدامه.

وبعدين بص لمحمود وقال:

«بس أنا مش عايز حد يفتكر إنهم جابوهولي عشان أنا ساعدت مايا».

محمود ابتسم.

«محدش هيقول كده يا حبيبي. إنت تستحقه عشان موهبتك، مش عشان اللي عملته. ومساعدة مايا كانت اختيارك إنت، ودي حاجة منفصلة».

أحمد قرب من الجيتار ولمس الأوتار بإصبعه، وبعدها رفع عينيه للمدرس وقال:

«أنا مش عارف أشكركم إزاي».

الأستاذ شريف رد:

«اعزف. دي أحسن طريقة تشكرنا بيها».

في اللحظة دي، مايا ضحكت لأول مرة من ساعة ما دخلنا الغرفة.

وقالت:

«بس لازم تعزفلي أول أغنية لما نرجع المدرسة».

أحمد ابتسم لها وقال:

«اتفقنا».

كنت فاكرة إن المفاجآت خلصت، وإننا هنرجع البيت ونحكي لوالده اللي حصل، لكن محمود بص لنا وقال:

«لسه فيه حاجة أخيرة».

قلبي اتقبض من جديد.

بصيت له بحذر.

«إيه تاني يا أستاذ محمود؟»

ابتسم ابتسامة صغيرة، وبعدين أشار للأستاذ شريف إنه يكمل.

الأستاذ شريف قال:

«فيه موضوع متعلق بالمسابقة. لجنة التنظيم وافقت إن المدرسة توفر لك مكان للتدريب، وكمان وافقت إن مايا تشارك مع فريق المدرسة في تنظيم الفعالية. هي بتحب الرسم والتصميم، ومدرسة الفنون شايفة إن عندها موهبة كبيرة».

مايا رفعت عينيها بدهشة.

«أنا؟»

أمها ابتسمت وقالت:

«أيوه يا حبيبتي. إنتي كنتي بتصممي الرسومات اللي على كراساتك، والمدرسة لاحظت ده».

مايا بصت لأحمد، وبعدين بصت لأبوها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى