منوعات

ابني الي عنده 13

«أنا زعلت إنه ما قاليش، لكن عمري ما هزعل إنه حب يساعدك».

ابتسمت وقالت:

«أنا هفضل فاكرة اللي عمله طول عمري».

وفي اللحظة دي، أحمد جه ناحيتنا، شايل جيتاره، وقال:

«يا جماعة، أنا عندي اقتراح».

بصينا له.

«إيه هو؟»

قال:

«إيه رأيكم نعمل حفلة صغيرة في المدرسة، والفلوس اللي نجمعها من التذاكر تروح لصندوق المبادرة؟ بس المرة دي، هننظم كل حاجة مع المدرسين وأولياء الأمور، ومحدش هيضطر يبيع حاجة بيحبها».

مايا رفعت إيدها بحماس.

«وأنا هعمل البوسترات!»

والده ضحك وقال:

«وأنا هساعدكم في التنظيم».

وأنا قلت:

«وأنا هجهز لكم الأكل».

أحمد بص لنا واحد واحد، وبعدين ابتسم.

«أهو كده أحسن».

بعد فترة، اتعملت الحفلة، وكانت القاعة مليانة طلبة وأهالي ومدرسين.

أحمد عزف، ومايا عرضت لوحاتها، وطلبة تانيين شاركوا بالغناء والتمثيل والرسم.

المبلغ اللي اتجمع كان أكبر من توقعاتهم، واتحط كله في صندوق المبادرة، اللي بدأ يساعد طلبة تانيين في شراء الأدوات الدراسية والمستلزمات اللي محتاجينها للمشاركة في الأنشطة.

وفي آخر الحفلة، أحمد طلع على المسرح وقال:

«أنا عايز أقول حاجة قبل ما نمشي. لما بعت الجيتار بتاعي، كنت فاكر إني بعمل حاجة لوحدي عشان أساعد مايا. لكن بعد اللي حصل، اكتشفت إن كل واحد فينا يقدر يعمل حاجة صغيرة، ولما الحاجات الصغيرة تتجمع، ممكن تعمل فرق كبير».

وبعدين بص لمايا وقال:

«وأنا كمان اكتشفت إن الصداقة مش معناها إن حد يضحي بكل حاجة عشان التاني. الصداقة معناها إننا نقف جنب بعض، ونساعد بعض نكمل».

مايا ابتسمت، ورفعت لوحتها قدام الجمهور.

كانت نفس اللوحة اللي رسمتها له في أول أسبوع، لكن المرة دي أضافت في الخلفية مجموعة كبيرة من الأطفال، كل واحد فيهم ماسك حاجة مختلفة: كتاب، وفرشاة رسم، وجيتار، وكرة، وشنطة مدرسة.

وتحت اللوحة كتبت جملة واحدة:

«أجمل هدية ممكن تقدمها لحد، إنك تخليه يحس إنه مش لوحده».

الناس فضلت تصفق، وأحمد نزل من المسرح وهو مبتسم.

في طريق الرجوع، كان الجيتار في إيده، واللوحة في إيد مايا، وكل واحد فيهم بيتكلم عن خططه للسنة الجديدة.

وأنا كنت ماشية جنبهم، وبفكر في صباح اليوم اللي خبط فيه العسكريين على باب بيتنا.

في الصبح ده، كنت فاكرة إن الشرطة جاية عشان ابني عمل حاجة غلط، وإن حياتنا هتتغير بسبب قرار متهور من طفل عنده تلاتاشر سنة.

لكن الحقيقة إنهم جم عشان يورونا إن الخير اللي بنعمله ممكن يوصل لناس أكتر مما نتخيل، وإن أثره ساعات بيرجع لنا في صورة ما كناش متوقعينها.

ومع ذلك، أكتر حاجة فضلت في قلبي ما كانتش الجيتار الجديد، ولا الجائزة، ولا التصفيق.

كانت صورة ابني وهو بيبص لمايا في المستشفى ويسألها أول سؤال:

«إنتي كويسة؟»

كان ممكن يسألها عن الكرسي، أو عن الفلوس، أو عن رد فعل أهلها، لكنه سأل عن سلامتها الأول.

وساعتها فهمت إن ابني لسه صغير، ولسه قدامه سنين يتعلم فيها إزاي ياخد قراراته، وإزاي يحافظ على أحلامه، وإزاي يساعد الناس من غير ما ينسى نفسه.

لكن فيه حاجة واحدة كان فاهمها من البداية.

إن وجع الناس مش لازم يكون وجعنا عشان نحس بيه.

وإن الإنسان مش محتاج يستنى لما يكبر عشان يعمل حاجة كويسة.

أحيانًا، كل اللي محتاجه هو قلب يلاحظ، وشجاعة تخليه يتحرك، وعيلة تساعده يتعلم إزاي يحول طيبته لعمل صح.

وفي الليلة دي، قبل ما أحمد ينام، دخلت أوضته لقيته قاعد قدام الجيتار، وباصص للوحة اللي فوق المكتب.

سألته:

«بتفكر في إيه يا حبيبي؟»

ابتسم وقال:

«كنت بفكر لو مايا ما كانتش زميلتي، هل كنت هساعدها برضه؟»

قعدت جنبه وقلت:

«إنت شايف إيه؟»

فضل ساكت شوية، وبعدين قال:

«أيوه، أعتقد إني كنت هساعدها. لأنها كانت محتاجة المساعدة، مش عشان هي صاحبتي بس».

ابتسمت ومسحت على شعره.

«يبقى خليك فاكر ده دايمًا. ساعد الناس لأنهم يستحقوا إن حد يقف جنبهم، لكن ما تنساش نفسك، وما تخافش تطلب المساعدة لما تحتاجها».

هز راسه، وبعدين رفع الجيتار وبدأ يعزف.

المرة دي، ما كررش نفس اللحن عشرين مرة عشان يظبطه.

عزف مقطوعة جديدة، كان هو اللي ألفها بنفسه، ولما خلصها، بص لي وقال:

«إيه رأيك يا ماما؟»

ابتسمت وقلت:

«حلوة أوي. اسمها إيه؟»

فكر لحظة، وبعدين قال:

«اسمها فرصة تانية».

سألته:

«ليه الاسم ده؟»

بص للجيتار، وبعدها للوحة.

«عشان أنا ومايا، كل واحد فينا أخد فرصة تانية. هي قدرت ترجع المدرسة وهي مبسوطة، وأنا قدرت أرجع أعزف. بس الأهم إننا الاتنين عرفنا إن لو حاجة ضاعت مننا، مش لازم كل حاجة تنتهي».

حضنته، وقلت له:

«ربنا يحفظ قلبك يا حبيبي، ويخليك دايمًا سبب في فرحة حد، من غير ما تنسى إنك إنت كمان تستحق تفرح».

طفيت النور وخرجت من الأوضة، لكن قبل ما أقفل الباب، سمعت صوته بيناديني.

«يا ماما!»

رجعت بصيت له.

«نعم يا حبيبي؟»

ابتسم وقال:

«بكرة لما أروح المدرسة، هقول لمايا إن عندي فكرة جديدة للحفلة الجاية».

ضحكت وقلت:

«بس بعد ما تخلص واجباتك الأول».

ضحك هو كمان، وقال:

«حاضر».

قفلت الباب بهدوء، وأنا حاسة إن البيت اللي كان ساكت من يوم ما الجيتار القديم اختفى، رجع يتملي بالموسيقى من جديد.

وفي المرة دي، الصوت ما كانش مجرد نغمات طالعة من أوضة ولد صغير.

كان صوت بداية جديدة، وصداقة حقيقية، وحكاية أثبتت لنا إن أجمل الحاجات في الدنيا مش دايمًا هي الحاجات اللي بنملكها.

أحيانًا، أجمل حاجة هي الأثر اللي بنسيبه في حياة حد تاني، حتى لو ما كناش نعرف من البداية إن تصرف صغير مننا هيغير يومه، ويمكن يغير حياته كلها.

6 من 6التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى