
دموعي نزلت من غير ما أقدر أمنعها، وقلت: «أنا خايفة على بنتي أوي.» ربتت على إيدي وقالت: «الدكتور هيتابعها، وإحنا مش هنسيبها. حاولي تهدي شوية عشان تقدري تقفي جنبها.» هزيت راسي، ومسحت دموعي، لكن جوايا كان فيه سؤال واحد مش بيسيبني.
إزاي الراجل اللي فضلت سنين أبرر تصرفاته وأدافع عنه قدام أهلي، قدر في لحظة واحدة يخليني أحس إني لوحدي تمامًا؟ أنا صافي منصور، اتجوزت إيفان بعد قصة حب استمرت سنتين، وكنت فاكرة إن اختياري ليه هو أحسن قرار أخدته في حياتي.
كان بيظهر قدام الناس إنه راجل محترم، هادي، وبيحب عيلته، وكنت دايمًا أقول إن قربه من أهله ميزة مش عيب. لكن مع الوقت، اكتشفت إن فيه فرق كبير بين الراجل اللي بيحب أهله، والراجل اللي مستعد يظلم مراته عشان ما يزعلش أخته.
نهى كانت أكبر مني بأربع سنين، ومتعودة إن كل اللي حواليها ينفذوا طلباتها. لو طلبت حاجة من إيفان، كان لازم تحصل. لو زعلت من كلمة، البيت كله يتحول لمحكمة، وأنا أبقى المتهمة حتى لو ما عملتش حاجة.
كنت بتغاضى عن حاجات كتير عشان خاطر جوزي، وعشان بنتي تكبر وسط أسرة مستقرة. لكن النهارده، وأنا واقفة على باب العناية المركزة، فهمت إن السكوت مش دايمًا بيحافظ على البيت، ساعات بيخلي الناس اللي جواه يتمادوا لحد ما يهدوا كل حاجة.
بعد حوالي عشر دقايق، سمعت صوت خطوات سريعة في الممر، وبعدها ظهر راجل طويل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة كحلي، وملامحه متوترة. كان عادل منصور، أخويا الكبير. عادل كان الشخص الوحيد اللي وقف جنبي يوم وفـ,ـاة أمي، وهو نفسه الشخص اللي بعدت عنه من خمس سنين بسبب خلاف كبير بينه وبين إيفان.
الخلاف وقتها بدأ بسبب شغل مشترك بين عادل ووالد إيفان، وانتهى باتهامات متبادلة، وفلوس اختفت من حسابات الشركة، وأوراق اتقال إنها اتوقعت من غير علم عادل. إيفان أقنعني وقتها إن أخويا هو اللي غلطان، وإنه بيحاول يحميني من مشاكل عائلته.
وعادل، بدل ما يدخل في جدال معايا، قاللي جملة واحدة عمري ما نسيتها: «لما تحتاجيني يا صافي، هتلاقيني. بس أتمنى اليوم ده ما يجيش وإنتِ موجوعة.» بعدها انقطعت علاقتنا تقريبًا، رغم إنه حاول يتواصل معايا أكتر من مرة.
النهارده، أول ما شافني، ما سألنيش ليه بعدت عنه، ولا عاتبني على السنين اللي فاتت. كل اللي عمله إنه قرب مني وضمني لحضنه. وقال بصوت مبحوح: «أنا هنا يا صافي. احكيلي حصل إيه.» انفجرت في العياط وأنا بحكيله كل حاجة من أول لحظة شفت فيها عربية بنتي بتتحرك، لحد ما شفت إيفان بيفتش في شنطتي.
ما قاطعنيش مرة واحدة. فضل يسمعني لحد ما خلصت، وبعدين بص من خلال الزجاج على بنتي الصغيرة. سألني: «الدكتور قال إيه؟» قلتله: «لسه بيتابعوها. قالوا إنها محتاجة مراقبة، وإن الساعات الجاية مهمة.» هز راسه، وبعدها سألني: «معاكي أي دليل على اللي حصل؟
» اترددت شوية. قلت: «أنا شفت نهى وهي بتدفع العربية. بس إيفان أخد موبايلي، وأنا مش عارفة إذا كان مسح أي حاجة ولا لأ. كنت صورت شوية صور للعيلة قبل ما كل ده يحصل، وممكن يكون فيه تسجيلات من غير ما أقصد.
ما تواجهيش حد، وما تدخليش في أي جدال معاهم. أي دليل موجود لازم يتسلم للجهات المختصة زي ما هو، من غير ما حد يغير فيه أو يحاول يصلحه. والأهم إننا نطمن على بنتك الأول.» سألته: «إنت عرفت تيجي بسرعة إزاي؟
» بصلي وقال: «لما كلمتيني، كنت في اجتماع قريب من هنا. أول ما سمعت صوتك، سيبت كل حاجة وجيت. لكن قبل ما أوصل، اتصلت بمحامي أعرفه، وطلبت منه يوجّهني للإجراءات الصح لو الموضوع فيه شبهة جريمة.» بصيتله بدهشة: «يعني إنت مصدقني؟» ملامحه اتغيرت، وقال: «يا صافي، إنتِ أختي.
أنا مش محتاج أستنى دليل عشان أصدق إنك خايفة وموجوعة. لكن عشان حق بنتك يرجع، لازم كل حاجة تتثبت بالطريقة الصح.» حسيت إن الحمل اللي فوق صدري خف شوية. مش لأن المشكلة اتحلت، لكن لأن أخيرًا فيه حد واقف جنبي من غير ما يطلب مني أتنازل عن حقي مقابل الهدوء.
في اللحظة دي، الباب اتفتح، وخرج الدكتور. جرينا ناحيته أنا وعادل. قال الدكتور: «الطفلة مستقرة حاليًا، لكن لازم تفضل تحت الملاحظة. الإصابة اللي عندها محتاجة متابعة دقيقة، ومش هنقدر ندي حكم نهائي على حالتها غير بعد ما نعدي الفترة الحرجة.» سألته بصوت مرتعش: «يعني هتعيش يا دكتور؟
» رد بحذر: «إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه، وفيه مؤشرات مطمئنة، لكن لازم نصبر ونلتزم بالمتابعة.» حسيت بركبتي بتترعش، وعادل سندني قبل ما أقع. قلت للدكتور: «ممكن أشوفها؟» سمحلي أدخل لدقايق تحت إشراف الممرضة. قربت من سرير بنتي، ولمست أطراف صوابعها برفق، وقلت: «أنا جنبك يا حبيبتي.
إنتِ مش لوحدك. ماما هنا، ومش هتسيب حقك يضيع.» خرجت من الغرفة وأنا بحاول أتماسك. لكن أول ما وصلت للممر، لقيت إيفان واقف قدامي، ووشه متوتر. بص لعادل، وبعدها رجع بصلي. قال: «إنت عملت إيه؟ وإزاي أخوكي عرف ييجي هنا؟» عادل رد بهدوء: «أخته كلمته، فجه يطمن عليها وعلى بنتها.
فيه مشكلة؟» إيفان حاول يضحك، وقال: «طبعًا مفيش مشكلة، بس أنا جوزها، وكان المفروض أعرف.» عادل قرب منه خطوة وقال: «الجواز مش معناه إنك تمنع مراتك من إنها تستنجد بأخوها، خصوصًا وهي بنتها في المستشفى.» إيفان ضغط على فكه، وقال: «إحنا مش محتاجين حد يتدخل في مشاكل عيلتنا.
» رد عادل: «لما المشكلة تبقى طفلة اتعرضت للخطر، وتبقى فيه شبهة إن حد بيحاول يخفي الحقيقة، ساعتها الموضوع ما يبقاش مجرد مشكلة عائلية.» وش إيفان اتغير. قال بسرعة: «مين قالك إن فيه حد بيخفي حاجة؟» عادل بصله بثبات: «أنا ما اتهمتش حد.
أنا بقول إن أي حاجة حصلت لازم تتكشف، واللي مالوش ذنب مش هيخاف من التحقيق.» قبل ما إيفان يرد، موبايله رن مرة تانية. المرة دي كان اسم نهى ظاهر على الشاشة. بص للموبايل، وبعدها بصلي، وكأنه بيفكر إذا كان يرد قدامي ولا لأ.
قلتله: «رد. يمكن أختك عندها أخبار جديدة عن العربية.» رد بعصبية: «مش وقته يا صافي.» عادل قال: «خليها تتكلم. يمكن فيه حاجة مهمة تخص بنتك.» إيفان رد أخيرًا. سمعنا صوت نهى وهي بتتكلم بسرعة: «إيفان، إنت فين؟


