Uncategorized

اخت جوزي حكايات صافي هاني

 

“إنتِ وفارس مش تقال على حد يا حبيبتي وإنتوا مالكوش أي ذنب في مشاكل الكبار.”

 

بصت لي بعيون مليانة دموع وسألتني:

 

“يعني إنتِ مش زعلانة مننا؟”

 

حسيت إن صوتي هيخونني فخدتها في حضني وقلت:

 

“مستحيل أزعل منكم إنتوا حبايب قلبي.”

 

روبي حضنتني بقوة وبدأت تعيط من غير صوت وفارس أول ما شاف أخته بتعيط قرب مننا وحط راسه في حضني هو كمان.

 

فضلت حاضناهم وأنا بحاول أفهم إزاي أمهم قدرت تقنعهم إنهم هيتسابوا في بيت تاني من غير ما تكون حتى متأكدة إن أصحاب البيت موافقين.

 

بعد شوية رجعت للمطبخ وطلبت من كريم ييجي ورايا.

 

وقفت قدامه وقلت له:

 

“إنت وعدت نادين بإيه بالظبط؟”

 

وشه اتغير للحظة وبعدين حاول يتصرف بشكل طبيعي.

 

“وعدتها إننا هنساعدها لحد ما تستقر.”

 

“تساعدها إزاي يا كريم؟ بفلوس؟ بمكان تقعد فيه؟ ولا إنك تستقبل ولادها عندك لحد ما هي تقرر ترجع؟”

 

ما ردش.

 

قربت منه خطوة وقلت:

 

“بص في عيني وقولي إنك ماوعدتهاش إن ولادها يفضلوا هنا مهما أخد الموضوع من وقت.”

 

رفع عينيه ليا للحظة وبعدها نزلها تاني.

 

وسكوته كان كفاية يخليني أعرف إن فيه حاجة كبيرة مستخبية.

 

قلت بصوت مهزوز من الغضب:

 

“إنت وعدتها بكده فعلًا؟”

 

كريم فرك وشه بإيده وقال:

 

“يا مي أنا كنت بحاول أساعدها.”

 

صرخت فيه لأول مرة من ساعة ما اتجوزنا:

 

“على حساب مين يا كريم؟ على حسابي أنا؟ وعلى حساب ولادي؟ إنت فكرت لحظة واحدة في آدم؟ في حياته؟ في خصوصيته؟ في إن بيته ممكن يتحول لمكان فيه مسؤوليات جديدة كل يوم من غير ما حد يرجع له أو يرجع لي؟”

 

رد بعصبية:

 

“دول أطفال يا مي مش غرب.”

 

قلت له:

 

“وأنا عمري ما قلت إنهم غرب ولا هعاملهم كده لكن كونهم أطفال مش معناه إنك تفرض عليا مسؤولية تربيتهم لوحدي.”

 

كان واقف قدامي ساكت ولأول مرة من سنين حسيت إن الراجل اللي عايشة معاه ممكن يكون مخبي عني حاجات أكتر بكتير من اللي اكتشفتها النهارده.

 

وقبل ما أتكلم تاني سمعت صوت نادين عند باب المطبخ:

 

“فيه حاجة تانية لازم تعرفيها يا مي.”

 

لفيت لها وأنا حاسة إن اللي جاي مش هيكون سهل.

 

كانت واقفة ووشها شاحب وبتعصر إيديها من التوتر.

 

بصيت لها وقلت:

 

“إيه تاني؟”

 

بلعت ريقها وبصت ناحية كريم وبعدين رجعت بصت لي.

 

“أنا ماخترتش إن روبي وفارس يقعدوا هنا لوحدي.”

 

عقدت حواجبي وسألتها:

 

“يعني إيه؟”

 

نادين بدأت تعيط وقالت:

 

“كريم هو اللي اقترح الموضوع من الأول وقال لي إنك هتوافقي وإنك بتحبي الأطفال وإنك مش هتسيبيهم يضيعوا.”

 

حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.

 

لفيت ناحية جوزي ببطء.

 

“إنت اللي اقترحت؟”

 

كريم حاول يتكلم لكن نادين سبقته.

 

“هو قال لي إنك بتشتغلي من البيت وإن آدم كمان هيكون مبسوط بوجود حد يلعب معاه وإن وجود روبي وفارس مش هيغير حاجة كبيرة في حياتكم.”

 

بصيت لكريم وأنا مش قادرة أصدق.

 

يعني مش بس أخفى عني قرار أخدوه من ورايا.

 

ده كمان رسم صورة عن حياتي وقدراتي ووقتي وقرر بنفسه إني هقدر أتحمل كل ده.

 

نادين مسحت دموعها وقالت:

 

“أنا كنت مترددة يا مي والله كنت خايفة أسيبهم لكن كريم طمني وقال لي إنه هيتكفل بكل حاجة وإنك مش هتزعلي.”

 

سألتها وأنا بحاول أتماسك:

 

“وإنتِ صدقتيه؟”

 

هزت راسها وقالت:

 

“أنا كنت محتاجة أصدق إن فيه حل.”

 

فضلت باصة لها شوية وبعدها قلت:

 

“أنا مش همنعك تسافري ولا هقف في طريق شغلك لكن من النهارده مفيش قرارات تخصني تتاخد من غيري ومفيش حد يقرر إن حياتي ملكه لمجرد إنه عارف إني مش هقدر أزعل طفل.”

 

كريم بص لي بغضب مكتوم وقال:

 

“يعني إيه الكلام ده؟”

 

رديت عليه وأنا باصة في عينيه:

 

“يعني هنقعد ونتكلم بوضوح عن كل حاجة قبل ما نادين تسافر وإنتم الاتنين هتسمعوا مني للآخر المرة دي.”

 

لكن قبل ما أكمل كلامي موبايل نادين رن.

 

بصت للشاشة واتغير لون وشها فجأة.

 

ردت بسرعة وقالت:

 

“أيوه يا ماما.”

 

سكتت وهي بتسمع وبعدها بصت لي نظرة غريبة.

 

“لأ يا ماما لسه ماقلتلهاش.”

 

كريم قرب منها وسألها:

 

“مين يا نادين؟”

 

غطت السماعة بإيدها وقالت بصوت مرتعش:

 

“ماما.”

 

وبعدين رجعت تكلمها:

 

“أيوه يا ماما بس الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.”

 

فضلت واقفة مكاني وأنا براقب وشها وهي بتسمع كلام حماتي من الناحية التانية.

 

وفجأة قالت جملة خلت كريم يرفع راسه بسرعة وخلتني أحس إن كل اللي عرفته لحد اللحظة دي مجرد بداية لحكاية أكبر بكتير.

 

“يا ماما أنا مش هقدر أقول لمي إن بابا كان متفق مع كريم على الموضوع ده من قبل ما يتوفى.”

 

سكتت نادين مرة واحدة وكأنها أدركت إنها قالت كلام ماكانش المفروض يطلع.

 

أما أنا ففضلت باصة لها من غير ما أرمش.

 

بابا؟

 

أنهي بابا؟

 

بابا جوزي اللي مات من سنتين؟

 

وليه كان متفق مع كريم على موضوع يخص بيتي وولادي من قبل ما يتوفى؟

 

نادين قفلت المكالمة ببطء ورفعت عينيها ليا ووشها مليان خوف.

 

كريم حط إيده على جبينه وقعد على الكرسي كأنه مش قادر يقف.

 

وأنا سألت السؤال الوحيد اللي كان بيدور في دماغي:

 

“إنتوا مخبيين عني إيه بالظبط؟”

 

نادين فضلت واقفة قدامي وشفايفها بتترعش ومش عارفة تبدأ منين وكريم قاعد على الكرسي حاطط إيده على وشه كأنه بيتمنى الأرض تنشق وتبلعه قبل ما يضطر يواجهني بالحقيقة

كررت سؤالي وأنا ببص لكل واحد فيهم

إنتوا مخبيين عني إيه بالظبط

نادين فتحت بقها عشان تتكلم لكن كريم رفع راسه بسرعة وقال لها

خلاص يا نادين كفاية لحد كده

بصيت له باستغراب وقلت

كفاية إيه يا كريم هو أنا اللي مش من حقي أعرف ولا إنتوا متعودين تتفقوا على حياتي وأنا آخر واحدة تعرف

قام من مكانه وقرب مني وقال بصوت حاول يخليه هادي

يا مي الموضوع قديم ومش مستاهل كل ده

ضحكت ضحكة قصيرة من كتر ما أنا مش مصدقة اللي بسمعه

قديم ومش مستاهل؟ أبوك كان متفق معاك على حاجة تخص بيتي وولادي من قبل ما يموت ونادين بتسيب عيالها عندي من غير ما تسألني وإنت عايزني أعتبر ده موضوع قديم ومش مستاهل؟

كريم سكت وبص ناحية باب المطبخ

في اللحظة دي سمعت صوت خطوات صغيرة جاية من الصالة والتفت لقيت آدم واقف عند الباب وحاضن لعبته في صدره

بص لي وقال

ماما هو خالو كريم زعلك؟

حسيت بوجع في قلبي وأنا ببص لابني اللي رغم إنه عنده خمس سنين كان فاهم إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل في البيت

نزلت لمستواه وقلت له

لأ يا حبيبي متقلقش إنت روح اقعد مع روبي وفارس وأنا هاجي لكم حالًا

بص ناحية أبوه وبعدين رجع بص لي وقال

طب هو فارس هيرجع ينام في أوضتنا تاني ولا هيفضل معانا؟

السؤال خلاني أسكت لحظة

لأن فارس من أول يوم وصل فيه بيتنا كان بينام جنب آدم على السرير الصغير اللي حطيناه في أوضته مؤقتًا لما أوضة الضيوف اتملت بالشنط والحاجات

كنت فاكرة إن ده مجرد ترتيب كام يوم لحد ما نادين تستقر

لكن واضح إن الأطفال كانوا عارفين إن فيه حاجة أطول من كده بكتير

مسحت على شعر آدم وقلت

هنشوف يا حبيبي كل حاجة هتتحل

آدم قرب مني وحط إيده الصغيرة على خدي وقال

بس متزعليش يا ماما عشان أنا ممكن أدي فارس سريري وأنام جنبك

غمضت عيني للحظة وأنا بحاول أمنع دموعي تنزل قدامه

ابني مستعد يتنازل عن سريره وعن راحته عشان طفل تاني ما يحسش إنه غريب

وفي نفس الوقت الكبار اللي المفروض يحموهم كانوا بيتصرفوا وكأن التضحية دي واجب عليا وعلى ابني من غير ما يكون لينا رأي

بسته في جبينه وقلت

إنت حبيبي ومش مطلوب منك تتنازل عن أي حاجة عشان حد يا آدم كل واحد فينا ليه مكانه وراحته وحقه

رجع الصالة وأنا فضلت واقفة مكاني ثواني طويلة

بعدها دخلت المطبخ وقفلت الباب وقلت لكريم ونادين

أنا مش هتكلم قدام الأطفال ومش هسمح إنهم يسمعوا خناقة بينا لكن دلوقتي عايزة أعرف الحقيقة كاملة

كريم سحب كرسي وقعد تاني وقال

بابا قبل ما يموت كان قلقان على نادين جدًا

قلت له

وده طبيعي دي بنته

هز راسه وقال

كان شايف إنها مش هتعرف تتحمل مسؤولية نفسها وولادها لو حصل لها أي ظرف وكان دايمًا بيقول لي إن لازم أبقى سند ليها

رديت عليه

وإنت مش سند ليها من حقك؟ ساعدها بفلوسك ووقتك ووقف جنبها لكن إيه علاقة ده بأنك تقرر إن مراتي لازم تربي ولادك أختك من غير ما تعرف؟

بص لي بحزن وقال

هو ماطلبش مني كده بالحرف

نادين رفعت عينيها بسرعة وقالت

لأ يا كريم متقولش كده إحنا خلاص وصلنا لمرحلة مينفعش فيها نكمل إخفاء

كريم بص لها بنظرة تحذير لكنها المرة دي ما سكتتش

قربت مني وقعدت على الكرسي اللي قصادي وقالت

يا مي قبل ما بابا يموت بحوالي أربع شهور كنت أنا بمر بمشكلة كبيرة في شغلي وجوزي السابق كان بيضغط عليا في مصاريف الولاد ومكنتش عارفة أتصرف إزاي

استغربت لما قالت جوزها السابق لأن نادين كانت منفصلة من حوالي سنة وكانت بتحاول تبدأ من جديد وتربي ولادها بعيد عن المشاكل

كملت كلامها وهي بتبص في إيديها

بابا وقتها كان لسه عايش وكان بيتكلم مع كريم كتير عن مستقبلي ومستقبل روبي وفارس وكان خايف إن ظروفي تخليني أضطر أسيب شغلي أو أرجع لظروف أنا خرجت منها بالعافية

سألتها

طب وإيه اللي حصل؟

قالت

بابا كان عنده مبلغ في البنك وكان بيفكر يساعدني بيه عشان أبدأ مشروع صغير وأقدر أصرف على ولادي من غير ما أحتاج لحد

كريم قاطعها وقال

لكن المشروع ماكملش لأن نادين كانت رافضة المخاطرة بالمبلغ

نادين بصت له وقالت

أنا رفضت عشان بابا كان تعبان ومكنتش عايزة آخد فلوسه وأدخل في مشروع ممكن يخسر

رجعت بصت لي وكملت

قبل وفاته بشهرين تقريبًا بابا طلب من كريم إنه يوعده إنه لو حصل لي أي ظرف مش هيخليني أنا وولادي نضيع وإنه هيفضل واقف جنبي لحد ما أقدر أقف على رجلي

قلت لها

وده وعد طبيعي بين أب وابنه لكن برضه مش معناه إنه يقرر عني

نادين هزت راسها وقالت

أنا عارفة يا مي والله عارفة

سكتت شوية وبعدين قالت

بس فيه حاجة تانية بابا قالها لكريم وقتها

كريم قام من مكانه وقال بعصبية

نادين كفاية بقى

ردت عليه وهي بتعيط

لأ مش كفاية أنا تعبت من السكوت وتعبت من إني كل يوم أصحى أبص لمي وأحس إني بكذب عليها حتى وأنا مش بتكلم

بصيت لكريم وقلت

سيبها تكمل

كريم فضل واقف للحظات وبعدين رجع قعد وكأنه استسلم

نادين مسحت دموعها وقالت

بابا كان عنده أمنية قبل ما يموت إنه يشوفنا إحنا الاتنين قريبين من بعض وإن أولادنا يكبروا وهم حاسين إنهم عيلة واحدة وإن محدش فينا يسيب التاني وقت الشدة

ابتسمت ابتسامة حزينة وقلت

دي أمنية جميلة يا نادين بس إنتوا حولتوها لإيه؟

نادين نزلت عينيها للأرض

بابا كان بيقول لكريم إن بيتك واسع وإنك بتحبي الأطفال وإنك طول عمرك بتعاملي روبي وفارس بحنية وإن لو حصل لي أي حاجة وخسرت شغلي أو اتزنقت في الدنيا ممكن أرجع لكم لحد ما أستقر

فضلت ساكتة وأنا بستوعب كلامها

وبعدين سألتها

يعني بابا كريم كان بيتكلم عن احتمال إنك تحتاجي مساعدة مش عن إنك تسيبي عيالك وتسافري؟

هزت راسها

أيوه في الأول كان الكلام كده

قلت

وفي الآخر بقى اتفاق من ورايا؟

ما ردتش

بصيت لكريم وقلت

إنت كنت فاهم إن الوعد ده معناه إنك تساعد أختك مهما حصل لكن إزاي فهمت إنك تقدر تلزمني أنا كمان بوعد أنا ماوعدتوش؟

كريم فرك إيديه وقال

أنا كنت فاكر إنك لما تعرفي الظروف هتوافقي

قلت له

وإنت ليه ماجربتش تسألني؟

رفع عينه ليا وقال

خفت ترفضي

الجملة دي كانت كأن حد سكب مية ساقعة على قلبي

خفت أرفض؟

أنا اللي عايشة معاه من سنين واللي عمرها ما وقفت في طريقه وهو بيساعد أهله واللي استقبلت أخته وولادها من غير ما أسألها حتى هتقعدوا قد إيه

كل ده وفي الآخر هو خاف إني أرفض فقرر يحرمني من حق الاختيار

قلت له بهدوء مخيف

يعني إنت كنت عارف إن الموضوع كبير وإن من حقي أرفض أو أوافق لكنك اخترت إنك ماتدينيش الفرصة دي

كريم ما ردش

قمت من مكاني وقلت

أنا محتاجة أهدى شوية وهحتاج أسمع باقي الحقيقة بكرة لكن من النهارده مفيش سفر للأطفال من غير ما أعرف خطتكم ومفيش حد هيوعد حد بحاجة تخص بيتي وأنا مش موجودة

نادين قامت بسرعة وقالت

يا مي أنا آسفة والله

بصيت لها وقلت

أنا مصدقة إنك محتاجة مساعدة ومش بلومك على إنك عايزة فرصة شغل أحسن لكن إنتِ أم وروبي وفارس مسؤوليتك الأولى ولازم يكون عندك تصور واضح لمستقبلهم قبل ما تسافري

نادين غطت وشها بإيديها وعيطت

أما كريم ففضل ساكت

خرجت من المطبخ ورحت الصالة لقيت الأطفال قاعدين قدام التلفزيون لكن مفيش واحد فيهم مركز مع اللي بيتعرض

روبي كانت بتسرح في الأرض وفارس ماسك لعبته وبيحركها من غير ما يلعب فعلًا وآدم قاعد جنبهم بيبص على الباب كل شوية

أول ما شافوني آدم جري عليا وحضني

رفعت عيني لروبي ولقيتها بتبص لي بتردد

قربت منها وقلت

تعالي يا روبي

قامت ببطء وقعدت جنبي

سألتها

ماما قالت لكم إيه عن السفر؟

بصت ناحية باب المطبخ وكأنها خايفة حد يسمعها

قلت لها

إنتِ مش هتتزعلي من حد لو قلتي الحقيقة يا حبيبتي وأنا مش هخلي حد يزعلك عشان كلامك

روبي أخدت نفس طويل وقالت

ماما قالت إن الشغل الجديد بعيد وإنها هتسافر لوحدها في الأول عشان تسكن وتعرف المدرسة اللي هنروحها بعدين

قلبي انقبض

مدرسة تانية؟

هزت راسها

قالت إننا ممكن نروح نعيش معاها لما كل حاجة تخلص وإننا لازم نسمع كلام خالو كريم وطنط مي لحد ما تبقى جاهزة تاخدنا عندها

سألتها

طب وإنتِ كنتِ فاكرة إنك هتفضلي هنا أسبوعين بس؟

قالت

في الأول أيوه لكن من يومين ماما قالت لي إن الموضوع ممكن يطول وإنها عايزاني أساعد فارس وأكون شاطرة عشان هي مش هتبقى موجودة

بصيت لها وقلت

وإنتِ حاسة بإيه يا روبي؟

حاولت تبتسم لكنها مقدرتش

أنا خايفة يا طنط مي

سألتها بحنان

من إيه يا حبيبتي؟

قالت بصوت مبحوح

خايفة ماما تنساني

حسيت إن قلبي اتعصر

طفلة عندها تسع سنين مش خايفة من المدرسة الجديدة ولا من السفر ولا من إنها تغير بيتها بس

هي خايفة إن أمها تبعد عنها لدرجة إنها تنساها

حضنتها وقلت

مامتك مش هتنساكي يا روبي إنتِ بنتها وهتفضلي بنتها طول العمر بس من حقك تسأليها وتفهمي منها إيه اللي هيحصل ومن حقك تقولي لها إنك محتاجاها

روبي بدأت تعيط وهي مستخبية في حضني

قالت

أنا مش عايزة أكون شجاعة طول الوقت يا طنط مي أنا تعبت من إني أقول لفارس متعيطش عشان هو بيعيط لما ينام ويسأل على ماما

فارس أول ما سمع اسمه قرب مننا وقال

أنا مش بعيط يا روبي

روبي مسحت دموعها بسرعة وقالت له

عارفة يا حبيبي

لكن فارس بص لي بعينيه الصغيرتين وقال

طنط مي هو ينفع أكلم ماما كل يوم؟

مسكت إيده وقلت

طبعًا يا حبيبي وينفع تكلمها أكتر من مرة كمان بس لازم نتفق مع ماما على مواعيد تكلمكم فيها عشان تبقوا عارفين إمتى هتسمعوا صوتها

فارس هز راسه وسألني

طب هي هتيجي تحضر حفلة المدرسة؟

السؤال ده خلاني أفتكر إن نادين كانت بتتكلم طول الأسبوع عن عرض المدرسة اللي روبي هتشارك فيه وإنها كانت وعدتها إنها هتكون موجودة

قلت له

هنسأل ماما ونشوف هتقدر تعمل إيه

روبي نزلت رأسها وقالت

هي قالت لي إنها ممكن ماتقدرش تيجي

ما حبتش أوعدهم بحاجة مش بإيدي

لكن قررت في اللحظة دي إن مهما كانت الخلافات بيني وبين نادين أو بيني وبين كريم مش هسمح إن طفلين يعيشوا في بيتنا وهما مش عارفين إذا كان فيه حد مستعد يسمعهم ولا لأ

فضلت قاعدة معاهم لحد ما ناموا

آدم نام على سريره وفارس نام في السرير الصغير وروبي نامت في أوضة الضيوف بعد ما فضلت ماسكة إيدي لحد ما عينيها غمضت

خرجت بهدوء وقفلت الباب ورايا

لقيت كريم مستنيني في الصالة والنور مطفي إلا من الأباجورة اللي جنب الكنبة

قال

ممكن نتكلم؟

قعدت على الكرسي المقابل له وقلت

اتفضل

حط إيده على راسه وقال

أنا عارف إني غلطت

ما رديتش

كمل

بس والله ماكنتش أقصد أجرحك ولا أقلل منك أنا كنت شايف إن الموضوع هيبقى بسيط وإن نادين هتسافر تظبط شغلها وبعدها هنعرف نتصرف

قلت له

طب لو كان الموضوع بسيط كنت خبيته ليه؟

سكت

قلت

إنت عارف يا كريم إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش إن نادين عايزة تسيب ولادها هنا ولا إنها محتاجة مساعدة أكتر من أسبوعين

بص لي وقال

إيه؟

قلت

إنك كنت عارف إن فيه قرار هيغير شكل حياتنا اليومية وإنك اخترت تخليني أكتشفه قدام الأطفال على السفرة من غير ما تكون مستعدة ولا حتى عندي فرصة أفكر

قال

أنا آسف

بصيت له وقلت

الاعتذار مهم بس مش كفاية لو نفس الطريقة هتتكرر كل مرة حد من أهلك يحتاج حاجة

هز راسه وقال

مش هتتكرر

سألته

طب إيه خطتك دلوقتي؟

قال

هكلم نادين ونشوف نعمل إيه

قلت له

لأ يا كريم مش هتتكلموا لوحدكم المرة دي وبعدين تيجوا تقولوا لي القرار خلص على إيه

بص لي باستغراب

قلت

هنقعد كلنا بكرة الصبح ونحط خطة واضحة ومكتوبة في دماغنا على الأقل حتى لو مش هنكتبها على ورق لأن فيه طفلين لازم يعرفوا هما هيفضلوا فين ومين مسؤول عنهم وإمتى أمهم هتشوفهم وإزاي هيتصرفوا في المدرسة

كريم قال

يعني إنتِ موافقة إنهم يفضلوا هنا؟

قلت له

أنا ما قلتش كده أنا قلت إننا هنحط خطة ونشوف الأنسب للأطفال ولينا كلنا وأنا مش هقبل إنهم يتحطوا في موقف يحسوا فيه إن وجودهم مش مرغوب فيه

سكت شوية وبعدين قال

إنتِ قلبك كبير يا مي

بصيت له بجدية وقلت

متستخدمش حنيتي عشان تبرر إنك تتخذ قرارات من ورايا يا كريم لأن قلبي الكبير مش معناه إن وقتي وصحتي وراحتي وخصوصية ولادي ملك لأي حد

الكلام نزل عليه تقيل وما ردش

دخلت أوضتنا وقفلت الباب وفضلت قاعدة على طرف السرير فترة طويلة

كنت بحاول أرتب اللي حصل في دماغي

أبو كريم كان راجل طيب وأنا كنت بحبه وبحترمه وعمري ما حسيت إنه كان شايفني أقل من بنته أو ابنه

لما مات من سنتين أنا اللي فضلت جنب حماتي في المستشفى ولما كانت بتتعب كنت أروح لها وأقعد معاها وأساعدها في كل حاجة أقدر عليها

وعشان كده فكرة إن فيه اتفاق حصل من ورايا باسم وصية معنوية أو وعد عائلي كانت موجعة

مش لأن مساعدة نادين غلط

لكن لأن المساعدة لما تتحول لإلزام بتفقد معناها

ولأن الوعد اللي يقطعه الإنسان لنفسه ما ينفعش يحوله لوعد على شخص تاني من غير رضاه

تاني يوم صحيت بدري كعادتي

دخلت المطبخ وعملت الفطار وحطيت الأطباق على السفرة

نادين خرجت من أوضة الضيوف وهي لابسة هدومها ووشها باين عليه إنها ما نامتش طول الليل

قربت مني وقالت

صباح الخير يا مي

رديت بهدوء

صباح النور

وقفت قدامي وقالت

أنا عارفة إنك مش عايزة تسمعي مني كلام دلوقتي بس محتاجة أقولك إني فعلًا ماكنتش ناوية أسيب ولادي من غير خطة

حطيت طبق الجبنة على السفرة وقلت

طب احكي لي خطتك من البداية

نادين سحبت كرسي وقعدت

قالت

أنا قدمت على الشغل في إسكندرية من شهر تقريبًا والشركة وافقت عليا الأسبوع اللي فات وكان لازم أسافر عشان أبدأ التدريب يوم الاتنين الجاي

سألتها

ليه الخميس؟

قالت

عشان ألحق أدور على سكن وأشوف المنطقة والمدارس وأرتب أموري قبل ما أبدأ

قلت

طب ليه ماخدتيش روبي وفارس معاكي من الأول؟

اتنهدت وقالت

لأن الشركة مش هتديني سكن ولأن المرتب في البداية مش كبير كفاية إني أدفع تأمين شقة ومصاريف مدارس ومواصلات وكل حاجة مرة واحدة وأنا لسه مش عارفة هقدر أستمر في الشغل ولا لأ

قلت لها

ده مفهوم لكن كان ممكن تقولي لي كل ده ونفكر سوا بدل ما أكتشف إنك حاجزة القطر

هزت راسها بحزن

كريم قال لي إنه هيكلمك وإنك هتوافقي

قلت

وإنتِ ما فكرتيش تتأكدي مني بنفسك؟

قالت

كنت محرجة وخايفة تقولي لأ

بصيت لها وقلت

نادين إنتِ أخت جوزي وعمري ما اعتبرتك غريبة لكن لازم تفهمي إن كلمة لأ مش معناها إني بكرهك أو إني مش عايزة أساعدك أحيانًا الواحد بيكون عايز يساعد بس محتاج يعرف حدود قدرته

نادين فضلت تبص لي وبعدين قالت

أنا عارفة إنك كنتِ بتعملي حاجات كتير عشاني الفترة اللي فاتت وكنت كل يوم أقول لنفسي لازم أساعد في البيت أكتر ولازم أخلص أموري بسرعة لكن كل ما الوقت يعدي كنت بحس إني مش قادرة أتحرك

سألتها

ليه؟

قالت

لأني كنت خايفة أرجع لنفس الحياة اللي كنت عايشاها قبل ما أنفصل

سكتت شوية وبعدين كملت

أنا مش هحكي لك كل التفاصيل دلوقتي لكن انفصالي كان صعب وأهلي كانوا خايفين عليا وعلى الولاد وأنا كنت بحاول أثبت لنفسي إني أقدر أبدأ من جديد من غير ما أحتاج لحد

قلت لها

ومفيش عيب إنك تحتاجي حد يا نادين لكن فيه فرق بين إنك تطلبي المساعدة وبين إنك تفترضي إن الناس ملزمة بيها

هزت راسها وقالت

عندك حق

في اللحظة دي دخل كريم المطبخ ووقف عند الباب

قال

أنا كمان عايز أتكلم

قعدنا كلنا على السفرة بعد ما دخل الأطفال الصالة وبدأنا نتكلم بهدوء

كريم قال إنه يقدر يساعد نادين بمبلغ شهري لمدة محددة وإنه هيبحث معاها عن سكن مناسب قريب من شغلها وإنه ممكن يتحمل جزء من مصاريف المدرسة لو احتاجت تنقل ولادها بعد ما تستقر

نادين بصت له وقالت

أنا مش عايزة أكون عبء عليك يا كريم

رد عليها

إنتِ أختي ومش عبء لكن لازم نتعامل مع الموضوع بشكل عملي

أنا تدخلت وقلت

وفيه حاجة مهمة لازم تتحدد من دلوقتي وهي إن سفر نادين مش معناه إن روبي وفارس بقوا مسؤولية مي وحدها

كريم هز راسه وقال

طبعًا

قلت

لأ مش طبعًا وخلاص أنا عايزة أعرف مين هيوصلهم المدرسة ومين هيرجعهم ومين هيذاكر لهم ومين هياخد باله منهم لو واحد تعب ومين هيتابع واجباتهم ومواعيدهم وكل التفاصيل دي

نادين قالت بسرعة

أنا هكلمهم كل يوم وهتابع معاهم الواجبات وهكون موجودة على التليفون في أي وقت يحتاجوني فيه

قلت لها

والتليفون مش هيعوض وجودك معاهم لو الموضوع طول لازم يبقى فيه خطة واضحة للمدة اللي هتفضلي بعيدة فيها

كريم قال

ممكن نحدد شهر واحد وبعده نراجع الوضع

نادين سكتت وبصت له وبعدين قالت

أنا كنت متخيلة إن الموضوع ممكن ياخد شهرين أو تلاتة لحد ما أقدر أستقر

بصيت لها وقلت

طيب كويس إنك قلتي ده دلوقتي لأن ده معناه إننا بنتكلم عن شهور مش أسبوعين

نادين نزلت عينيها وقالت

أنا آسفة

قلت

أنا مش عايزة اعتذار كل شوية أنا عايزة قرارات واضحة تحميكي وتحمي ولادك وتحمي بيتنا

كريم بدأ يشرح إن شغله بيسمح له يرجع بدري يومين في الأسبوع وإنه يقدر يتولى توصيل الأطفال في الأيام اللي يناسبه فيها وإنه ممكن يطلب من نادين تساهم في مصاريف البيت حتى لو بمبلغ بسيط لما تقبض أول مرتب

أنا قلت له إن ده لازم يكون باتفاق واضح وإننا مش هنخلي الأطفال يحسوا إنهم مطالبين يدفعوا تمن وجودهم معانا أو إنهم سبب أي ضغط مادي

وبعد كلام طويل اتفقنا على إن نادين ما تسافرش قبل ما تتأكد إن فيه شخص بالغ مسؤول عن الأطفال في الأيام اللي هتكون فيها بعيدة وإننا ندي نفسنا يومين نفكر في كل الاختيارات بدل ما نتصرف تحت ضغط

نادين وافقت إنها تتواصل مع الشركة وتطلب تأجيل بداية التدريب يومين لو أمكن وإنها تبحث عن سكن مؤقت يسمح لها تاخد ولادها معاها بعد ما تتأكد من مصاريفه

كريم وعد إنه هيساعدها في البحث وإنه مش هيتخذ أي قرار تاني من غير ما يتكلم معايا

لأول مرة من بداية الليلة اللي فاتت حسيت إننا بدأنا نتكلم كعيلة فعلًا بدل ما كل واحد فينا يخبي جزء من الحقيقة عن التاني

لكن اللي حصل بعد الضهر رجع كل حاجة لنقطة الصفر

كنت في أوضتي بحاول أخلص شغلي لما سمعت صوت روبي بتعيط في الصالة

خرجت بسرعة لقيتها واقفة جنب الكنبة وماسكة موبايل أمها ووشها أحمر من العياط

فارس كان واقف جنبها وبيحاول يشدها من إيدها ويقول لها

خلاص يا روبي متعيطيش

قربت منهم وسألتها

مالك يا حبيبتي؟

روبي رفعت عينيها ليا وقالت

ماما قالت لي إنها مش هتعرف تيجي حفلة المدرسة

قعدت جنبها وقلت

هي قالت لك ليه؟

قالت

عشان هتكون في التدريب ومش هتعرف تنزل القاهرة

سكتت لحظة وبعدين قالت

أنا كنت حفظت الكلام كله عشانها يا طنط مي

قلبي وجعني وأنا ببص لها

كانت روبي بتتدرب من أيام على فقرة صغيرة في حفلة المدرسة وكانت كل شوية تقول لي إنها هتخلي أمها فخورة بيها وإنها هتلبس الفستان اللي اختارته معاها

سألتها

طب ماما قالت لك إنها مش هتحاول تيجي ولا قالت إنها لسه مش عارفة؟

روبي ردت

قالت لي مش هقدر يا روبي متتعلقيش بحاجة مش مضمونة

الكلام كان أكبر من سنها وأكبر من قدرتها على فهم الظروف اللي حواليها

مسحت دموعها وقلت

بصي يا روبي إنتِ مش غلطانة عشان تتمني إن مامتك تكون موجودة ومش غلطانة عشان تزعلي لما تحسي إنها مش هتقدر تيجي ومن حقك تقولي لها إن الموضوع مهم بالنسبالك

هزت راسها وقالت

أنا قلت لها كده لكنها قالت إن لازم أتعلم أعتمد على نفسي

ماقدرتش ألوم نادين قدام بنتها ولا أقدر أقول لروبي إن أمها عندها حق في كل حاجة

قلت لها

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى