
قلت له وأنا بحاول أخبي خوفي: أنا مش عايزة أشوف حد من عيلتك.
قال: محدش هيقرب منك من غير إذنك، وأنا أول واحد مش هعمل كده.
وصلنا بعد فترة قصيرة ووقفت العربية قدام بوابة كبيرة كنت فاكرة إني مش هشوفها تاني طول عمري.
نزل أدهم الأول ووقف بعيد عن الباب لحد ما نزلت، وبعدها مشي قدامي بخطوات هادية من غير ما يلمسني.
أول ما دخلت البيت رجعت لي ذكريات كتير كنت بحاول أنساها: ريحة الورد في المدخل والسلم الواسع والنجفة الكبيرة اللي كانت بتنور يوم الفرح والباب اللي اتقفل ورايا في الليلة اللي أخدوني فيها من هنا.
وقفت مكاني فجأة لما شفت صورة كبيرة معلقة على الحائط كانت صورتي أنا وأدهم يوم كتب الكتاب.
أنا كنت ببص للأرض ووشي مفيهوش أي فرحة، وهو كان واقف جنبي بملامح جامدة، لكن إيده كانت ماسكة طرف الكرسي اللي جنبي بقوة لدرجة إن صوابعه كانت بيضا من الضغط.
بصيت للصورة وقلت له: إنت لسه محتفظ بيها ليه؟
رد بهدوء: عشان دي آخر صورة اتصورتلك قبل ما تختفي.
قلت له: كان سهل عليك تدور عليا لو كنت عايز.
قال: دورت عليكي في كل مكان قدرت أوصله، لكن كل مرة كنت بوصل لعنوان ألاقي إنك مشيتي منه، أو إن حد سبقني وغير بياناتك أو نقل أوراقك لمكان تاني.
بصيت له بشك وقلت له: أربع سنين كاملة ومقدرتش تلاقيني؟
قال: كنت فاكر إنك مش عايزة تشوفيني وإنك هربتي بإرادتك في الأول، وبعدها اكتشفت إن فيه ناس كانت بتغير عناوينك وبتخفي أي معلومة توصلك ليا.
قلت له: مين الناس دي؟
قبل ما يرد سمعنا صوت ست كبيرة جاية من ناحية الصالة وقالت بصوت مصدوم: يا نهار أبيض سلمى!
لفيت ناحية الصوت ولقيت الحاجة فاطمة مدبرة البيت اللي كانت بتعاملني بحنية زمان واقفة عند باب الصالة وعينيها مليانة دموع.
جريت ناحيتي وحضنتني وهي بتقول: كنت عارفة إنك لسه عايشة وكنت بدعي ربنا أشوفك قبل ما أموت.
اتعلقت فيها للحظة وحسيت إن فيه حد في المكان ده لسه فاكرني بحب مش بخوف.
لكن لما بعدت عني مسكت إيدي وقالت: يا بنتي إيه اللي حصل لك؟ إنتي إيدك مجروحة ووشك أصفر كده ليه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت لها: الدنيا يا حاجة فاطمة.
بصت لأدهم بعتاب وقالت له: إنت كنت بتدور عليها كل السنين دي عشان أول ما تلاقيها ترجعها في الحالة دي؟
أدهم ما ردش عليها، لكنه طلب منها تجيب دكتور رامي وتجهز غرفة الضيوف اللي في الدور الأرضي عشان سلمى تقدر ترتاح من غير ما تضطر تطلع السلم.
استغربت إنه اختار لي غرفة في الدور الأرضي بدل أوضتي القديمة اللي كانت في الدور التاني، لكنه قال لي قبل ما أمشي: إنك مش مضطرة تنامي في أي مكان يضايقك.
دخلت الغرفة وقعدت على طرف السرير وأنا ببص حواليّ لحد ما سمعت خبط خفيف على الباب.
كان الدكتور رامي واقف ومعاه حقيبة صغيرة، وبعد ما فحص الجرح قال إن القطعة الزجاجية عملت جرح محتاج تنظيف وتضميد كويس، لكنه مش عميق ومش هيحتاج غرز.
بعد ما خلص العلاج كتب لي بعض التعليمات وخرج.
فضلت قاعدة لوحدي وأنا ببص للمنديل اللي كان أدهم لفه حوالين إيدي قبل ما نوصل القصر، وفجأة لاحظت إن فيه حاجة صغيرة متعلقة في طرفه.
فردته بحذر ولقيت مفتاح صغير قديم ملفوف في قطعة ورق رقيقة.
فتحت الورقة ولقيت جملة واحدة مكتوبة بخط إيد بابا: لو وصل المفتاح لسلمى يبقى الحقيقة قربت تظهر.
حسيت إن رجلي مش شايلاني وفضلت أبص للجملة وأنا بحاول أفهم المفتاح ده جه منين وإزاي وصل للمنديل اللي كان في إيد أدهم.
خرجت من الغرفة بسرعة ولقيته واقف في آخر الطرقة بيتكلم في التليفون.
أول ما شافني قفل المكالمة وقال: مالك يا سلمى؟
رفعت المفتاح قدامه وقلت له: المفتاح ده كان في المنديل اللي لفّيته حوالين إيدي، إزاي؟
بص للمفتاح واتغيرت ملامحه وقال: ده مش مفتاح أنا حطيته.
قلت له: أمال جه منين؟
اتردد لحظة وبعدين قال: قبل ما ندخل المخبز النهارده وصلني ظرف من غير اسم مرسول على مكتبي، وفيه المفتاح ده ورسالة مكتوب فيها إن الوقت جه عشان أسلمك الأمانة اللي أبوكي سابها.
حسيت بدوخة وقلت له: وإنت ما قلتليش ليه؟
قال: كنت هقولك، لكن حصل اللي حصل وما كانش ينفع أفتح الموضوع قبل ما نضمن إنك بقيتي في أمان.
قلت له: أنا تعبت من كل حاجة بتتقرر من ورايا يا أدهم، تعبت من إن كل الناس تقول لي هنحميكي وإنتي ما تعرفيش حاجة، وتعبت من إني أصحى كل يوم ألاقي حياتي اتغيرت من غير ما حد يستأذنني.
فضل ساكت لحد ما خلصت كلامي، وبعدين قال: عندك حق، وأنا مش هطلب منك تصدقيني دلوقتي، لكن هديكي كل المستندات اللي عندي، ولو قررتي تمشي بعد ما تعرفي الحقيقة مش همنعك.
نزلت عيني للمفتاح وسألته: تفتكر ده مفتاح إيه؟
قال: مش عارف، لكن فيه مكان واحد ممكن نجربه فيه.
قلت له: فين؟
قال: بيت أبوكي القديم.
اتسعت عيني وقلت له: البيت اتباع بعد وفاته.
قال: اتسجل إنه اتباع، لكن لحد دلوقتي مفيش مستند واضح يثبت إن البيع تم بالطريقة القانونية اللي المفروض تحصل.
في اللحظة دي سمعت صوت موبايله بيرن، فبص للشاشة وملامحه اتغيرت.
رد وقال: أيوه يا فاطمة خير؟
سمعت صوت الحاجة فاطمة من الطرف التاني بتتكلم بسرعة، وبعد ثواني وشه بقى شاحب.
قفل المكالمة وبص لي وقال: سلمى، لازم تسمعيني كويس.
قلبي بدأ يدق بعنف وقلت له: في إيه؟
قال: عمتك مريم وصلت القصر وبتقول إنها جاية تاخدك معاها.
اتسمرت مكاني وقلت له: عمتي عرفت مكاني إزاي؟
قال: دي مش المشكلة دلوقتي، المشكلة إنها معاها ورقة بتقول إنك ماضية على تنازل عن كل حقوقك، وإنها الوصية الوحيدة المسؤولة عنك وعن ممتلكات أبوكي.
ضحكت من الصدمة وقلت له: حقوق إيه؟ أنا من يوم ما بابا مات وأنا مش معايا حتى تمن هدوم جديدة!
أدهم قرب خطوة لكنه وقف لما شافني رجعت لورا وقال لي: عشان كده لازم نعرف هي مخبية إيه.
سمعنا صوت خطوات جاية من ناحية المدخل وبعدها صوت عمتي مريم وهي بتصرخ باسمي: سلمى! إنتي فين يا بنتي؟
خرجت للصالة وأنا حاسة إن كل حاجة جوايا بتغلي.
كانت واقفة عند الباب لابسة عباية غالية وماسكة شنطة جلد وفي إيديها ملف كبير، أول ما شافتني جريت ناحيتي وفتحت دراعها كأنها أكتر واحدة كانت خايفة عليا في الدنيا.
لكن أنا ما اتحركتش.
وقفت قدامها وقلت لها: إنتي جاية تعملي إيه يا عمتي؟
وشها اتغير لحظة وبعدين رجعت ابتسامتها المصطنعة وقالت: جاية أخدك يا حبيبتي، إنتي اتجننتي إزاي ترجعي المكان ده بعد كل اللي حصل؟
قلت لها: إيه اللي حصل يا عمتي؟ احكيلي.
بصت لأدهم بغضب وقالت: إنت السبب في كل المصايب دي من يوم ما دخلت حياتها، وإنتوا عيلة المنشاوي ما وراكمش غير الخراب.
أدهم رد بهدوء: أنا ما طلبتش منك تدخلي بيتي يا مدام مريم، إنتي اللي جيتي برجلك.
عمتي فتحت الملف وطلعت ورقة وقالت: لسلمى، إنتي لازم تيجي معايا حالًا، الورقة دي تثبت إنك تنازلتي عن كل حقوقك بمزاجك، وإن أنا المسؤولة عنك من يوم وفاة أبوكي.
أخدت الورقة من إيديها وبصيت فيها وأنا مش فاهمة كل الكلام القانوني المكتوب، لكن اسمي كان واضح في آخر الصفحة وتوقيع يشبه توقيعي بشكل مخيف.
رفعت عيني ليها وقلت: أنا عمري ما مضيت على الورقة دي.




