
«أنا لسه بتعلم.»
ردت:
«كلنا بنتعلم.»
في اللحظة دي، هنا كانت بتضحك مع البنات، وبتحكي موقف حصل في الفصل.
بصيت لها من بعيد، وحسيت بامتنان كبير.
ما كانش كل شيء اتصلح.
لسه فيه أيام بنخاف فيها.
ولسه فيه أصوات بتفكرنا بالماضي.
ولسه فيه أسئلة عن أمي، وعن جابر، وعن الأوراق اللي اختفت.
لكننا بقينا نعرف إن فيه حياة خارج الخوف.
وإننا مش مجرد بنتين اتعرضوا للأذى.
إحنا كمان بنتين بيحاولوا يتعلموا، ويضحكوا، ويخططوا للمستقبل.
وفي آخر الليلة، وإحنا راجعين مع خالنا، هنا سندت راسها على كتفي وقالت:
«أنا نفسي أدرس طب.»
بصيت لها.
«بجد؟»
«آه. عايزة أبقى دكتورة، وأساعد الناس اللي مش عارفة تتكلم.»
ابتسمت.
«وأنا نفسي أدرس قانون.»
ضحكت.
«عشان تمسكي جابر؟»
هزيت راسي.
«لأ. عشان أعرف أحمي حقي، وحق أي حد محتاج حد يقف جنبه.»
خالنا سمع كلامنا من قدام، وقال:
«أهو ده الكلام اللي أبوكم كان نفسه يسمعه.»
عدت الأيام، وبدأنا نجهز لامتحاناتنا.
كنت بقعد مع هنا كل ليلة نذاكر، ونقسم المواد، ونساعد بعض.
في بعض الأيام، كانت هنا بتتعب وتفقد تركيزها.
وفي أيام تانية، كنت أنا اللي بحس إن ذاكرتي مش قادرة تستوعب أي معلومة جديدة.
كنا بنقف لبعض.
لو واحدة تعبت، التانية تعمل لها شاي.
لو واحدة خافت، التانية تقعد جنبها.
ولو واحدة قالت إنها مش قادرة تكمل، التانية تفكرها إننا مش مضطرين نكون أقوياء طول الوقت.
في ليلة قبل امتحان مهم، هنا رمت القلم على المكتب وقالت:
«أنا مش فاهمة السؤال ده!»
ضحكت.
«عشان إنتِ بتقريه للمرة العاشرة ومش مركزة.»
قالت بعصبية مصطنعة:
«طب ما تحليه إنتِ يا أستاذة.»
قعدت جنبها، وشرحته لها خطوة خطوة.
بعد نص ساعة، حلت سؤالًا أصعب منه لوحدها.
رفعت إيديها بانتصار.
«أنا عبقرية!»
قلت لها:
«طبعًا. بس عبقرية محتاجة تنام.»
ضحكنا، وقفلت الكتب.
كانت لحظات عادية جدًا.
لكن بالنسبة لنا، كانت كنزًا.
لأننا كنا بنعيش من غير ما نستنى صوت خطوات جابر في الممر.
من غير ما نحسب الوقت قبل ما يبدأ الصراخ.
ومن غير ما نفكر إذا كان أكلنا أو نومنا ممكن يسببوا لنا عقابًا.
في صباح أحد الأيام، اتصلت أمي بخالنا درويش وطلبت منه ينقل لنا رسالة.
ما طلبتش مقابلتنا.
ما طلبتش مننا نسامحها.
قالت إنها عايزة تقول لنا إنها مستعدة تشهد بكل ما تعرفه، وإنها سلمت أي أوراق إضافية كانت محتفظة بيها.
خالنا نقل لنا الكلام زي ما هو.
هنا فضلت ساكتة فترة، وبعدين قالت:
«أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحها.»
خالنا رد بهدوء:
«مش مطلوب منك تقرري دلوقتي. ومش مطلوب منك تسامحي عشان حد يرتاح. إنتِ من حقك تاخدي وقتك.»
سألته:
«طب لو هي فعلًا ندمانة؟»
قال:
«الندم الحقيقي بيبان في التصرفات، وفي تحمل المسؤولية، وفي احترام حدود الناس اللي اتأذوا. الأيام هتوضح.»
الكلام ده ريحنا.
لأنه ما حاولش يفرض علينا قرارًا.
ما قالش إن الأم لازم تتسامح مهما حصل.
ولا قال إننا لازم نقطع علاقتنا بيها للأبد.
ساب لنا حق الاختيار.
وده كان شيء جديد علينا.
بعد فترة، ظهرت نتيجة فحص إضافي للمستندات، وأكدت الجهة المختصة وجود اختلافات تستدعي اتخاذ إجراءات قانونية أخرى.
ما عرفناش كل التفاصيل فورًا، لكن المحامي فؤاد شرح لنا إن الملف بقى أقوى، وإن فيه خطوات رسمية هتتخذ بناءً على الأدلة.
وفي الوقت نفسه، اتعملت مراجعة نهائية للأصول المالية الخاصة بالأمانة.
كانت المراجعة طويلة، لأن فيها حسابات وأسهم ومستحقات قديمة.
لكن في النهاية، اتأكد إن حقوقنا الأساسية محفوظة، وإننا هنقدر نديرها وفق القانون وبمساعدة مختصين مستقلين.
لما سمعنا الخبر، هنا قعدت على الأرض من كتر الراحة.
«يعني خلصنا؟»
المحامي قال:
«خلصتم جزءًا مهمًا من رحلة حماية حقوقكم. أما التحقيق، فله مساره الخاص.»
هنا ابتسمت.
«يعني نقدر نرجع نعيش؟»
رد المحامي:
«طبعًا. حياتكم مش متوقفة على القضية.»
خرجنا من عنده، وروحنا نشتري آيس كريم.
اختارت هنا الشوكولاتة، وأنا اخترت الفراولة.
قعدنا على مقعد في حديقة صغيرة، وبصينا للأطفال اللي بيلعبوا.
هنا قالت:
«نفسي أفتكر الأيام دي أكتر من الأيام اللي فاتت.»
قلت لها:
«هنعمل ذكريات جديدة.»
«وهننسى القديمة؟»
بصيت لها بصدق.
«مش لازم ننسى. المهم إنها ما تبقاش أقوى مننا.»
بعد شهور، بدأت الجلسات القانونية الخاصة بالقضية، وتمت مراجعة أقوالنا والأدلة المقدمة.
جابر فضل ينكر بعض الوقائع، ويحاول تفسير التسجيلات والمستندات بطرق مختلفة.
لكننا ما بقيناش بنتابع كل تفصيلة بنفسنا.
كان المحامي بيتابع الإجراءات، والجهات المختصة بتتولى التحقيق، وإحنا بنركز على دراستنا وحياتنا.
في يوم، وصلنا إخطار رسمي بقرار متعلق بالإجراءات المتخذة ضد جابر، بناءً على ما انتهت إليه التحقيقات في تلك المرحلة.
ما كانش القرار نهاية كل شيء، لكنه أكد إن القضية ما اتقفلتش لمجرد إنه أنكر.
وفي نفس الوقت، تم اتخاذ خطوات لحماية حقوقنا المالية ومنع أي تصرف غير مصرح به فيها.
لما قرأت الإخطار، حسيت إني أخيرًا أقدر أتنفس.
مش لأن كل شيء انتهى.
لكن لأننا ما بقيناش واقفين قدام جابر لوحدنا، وهو بيقول لنا إن محدش هيصدقنا.
بقى فيه ملف رسمي.
وفيه شهود.
وفيه مستندات.
وفيه إجراءات بتتحرك.
أما أمي، ففضلت بعيدة عن حياتنا اليومية، لكنها استمرت في تقديم المعلومات المطلوبة منها، وبدأت تتحمل مسؤولية قراراتها أمام الجهات المختصة.
ما رجعتش علاقتنا زي زمان.
ويمكن عمرها ما ترجع بنفس الشكل.
لكننا ما بقيناش بنعيش تحت تهديدها أو تهديد جابر.
في يوم تخرجنا من المرحلة الدراسية، وقفنا قدام المراية في بيت خالنا.
هنا كانت بتظبط شعري، وأنا بحاول أقفل سوستة فستانها.
قالت لي:
«فاكرة لما كنا بنحلم باليوم ده؟»
قلت لها:
«فاكرة.»
«وقتها كنا بنقول إننا هنلبس ونطلع نتصور مع بابا.»
سكتنا لحظة.
وبعدين طلعت هنا صورة بابا القديمة من درج المكتب.
حطتها في شنطتها.
«هو هييجي معانا.»
ما اعترضتش.
لأننا كنا عارفين إن وجوده في الصورة مش هيعوض غيابه، لكنه هيفكرنا إن فيه شخص حبنا من غير شروط، وآمن بحقنا في الأمان.
رحنا الحفل، واتصورنا، وضحكنا، واستلمنا شهاداتنا.
ولما رجعنا البيت، حطينا الشهادتين جنب صورة بابا.
هنا قالت:
«دي أول حاجة كبيرة نعملها بعد كل اللي حصل.»
قلت لها:
«ومش آخر حاجة.»
ابتسمت.
«لسه الطب.»
«ولسه القانون.»
خالنا دخل علينا، ورفع إيده كأنه بيعلن عن خبر مهم.
«ولسه العشا اللي مستنيكم تحت!»
ضحكنا ونزلنا.
كانت ليلة عادية، مليانة تفاصيل بسيطة.
لكنها كانت ليلة من اللي تمنيناها سنين.
في مساء هادي، بعد مرور فترة طويلة على الليلة اللي دخلنا فيها المستشفى، كنت قاعدة أرتب حاجتي القديمة.
لقيت الكراسة اللي كنت بكتب فيها ملاحظاتي عن جابر.
فتحتها، وفضلت أقلب في الصفحات.
لقيت تواريخ.
وجمل.
وتفاصيل عن أصوات، وأبواب، وتهديدات، وحاجات كنت بكتبها عشان ما أنساش.
في آخر صفحة، كنت كاتبة:
«أنا مش هسمح لحد يقنعني إني بتخيل اللي بيحصل.»
فضلت باصة للجملة طويلًا.
وبعدين جبت قلم، وكتبت تحتها:
«أنا صدقت نفسي. وطلبت المساعدة. ونجيت.»
دخلت هنا الأوضة، وشافتني وأنا بقفل الكراسة.
سألتني:
«لقيتي إيه؟»
قلت لها:
«حاجة قديمة.»
قربت وقعدت جنبي.
«عايزة تحكي؟»
بصيت لها وابتسمت.
«مش دلوقتي.»
هنا هزت راسها.
«براحتك.»
وبعدها قامت تجيب لنا الشاي.
في اللحظة دي، فهمت قد إيه كلمة «براحتك» ممكن تكون كبيرة.
إن حد يسيب لك حقك في الكلام أو السكوت.
إن حد ما يضغطش عليك.
إن حد ما يقررلكش مشاعرك.
وإن الأمان مش مجرد باب بيتقفل.
الأمان إنك تبقى عارف إن محدش هيؤذيك ويفرض عليك تسمي الأذى حبًا.
بعد أيام، قررت أنا وهنا نروح نزور قبر بابا.
اشترينا وردًا أبيض، ووقفنا قدام قبره في هدوء.
هنا نزلت وردة عند القبر، وقالت:
«وحشتني يا بابا.»
أنا وقفت جنبها، وقلت:
«إحنا حافظنا على بعض، زي ما وصيتنا.»
هنا مسحت دموعها.
«لسه بنحاول.»
حطيت الوردة التانية، وفضلنا واقفين شوية.
ما احتجناش نقول كلام كتير.
كنا عارفين إن بابا مش هيقدر يرد.
لكننا كنا محتاجين نقول له إننا لسه هنا.
إننا ما ضيعناش بعض.
وإن اللي حاول يخوفنا ما قدرش ياخد منا كل حاجة.
لما مشينا، هنا مسكت إيدي.
«يمنى؟»
«نعم؟»
«إنتِ فاكرة آخر حاجة شوفناها قبل ما نفقد الوعي؟»
بصيت لها.
«فاكرة.»
قالت:
«أنا فاكرة إني كنت بصرخ باسمك. وكنت خايفة تكوني مش هتفتحي عينيكي تاني.»
حسيت بغصة في حلقي.
«وأنا كنت سامعاكي.»
هنا وقفت.
«بجد؟»
هزيت راسي.
«كنت سامعة صوتك، حتى وأنا مش قادرة أتكلم.»
عيطت وهي بتحضني.
«أنا كنت فاكرة إني خسرتك.»
حضنتها بقوة.
«مش هسيبك يا هنا.»
ردت:
«وأنا مش هسيبك.»
وفي اليوم اللي بعده، كنا قاعدين على البلكونة في بيت خالنا، بنخطط للسنة الجديدة.
هنا كانت بتكتب أسماء الكليات اللي عايزة تقدم فيها، وأنا كنت براجع الأوراق المطلوبة لكل كلية.
التليفون رن.
كان المحامي فؤاد.
قال إن فيه تحديثًا جديدًا في الإجراءات، وإنه محتاج يقابلنا في أقرب وقت مناسب عشان يشرح لنا مستندًا ظهر ضمن ملف القضية.
وافقت على الموعد، وقفلت المكالمة.
هنا بصت لي.
«لسه فيه حاجة؟»
قلت:
«فيه مستند جديد.»
اتنهدت، وبعدين ابتسمت.
«طيب. نسمع ونشوف.»
ما كانش عندنا خوف من معرفة الحقيقة زي الأول.
كنا عارفين إن بعض الإجابات ممكن تكون مؤلمة، لكننا كمان عرفنا إن الحقيقة، مهما كانت، أفضل من العيش في سجن من الأكاذيب.
في اليوم المحدد، رحنا مكتب المحامي.
فتح الملف، وطلع صورة لخطاب قديم من بابا، كان موجّهًا لشخص اسمه مازن عبد الحميد.
الاسم ما كانش مألوف لينا.
المحامي قال إن مازن كان موظفًا سابقًا في الشركة اللي بابا اشتغل فيها، وإنه ظهر اسمه في مراسلات تخص الفترة اللي سبقت وفاة بابا.
هنا سألت:
«هو له علاقة بجابر؟»
المحامي رد:
«ده اللي بنحاول نفهمه. الخطاب وحده ما يثبتش حاجة، لكنه بيشير إن أبوكم كان قلقان من تصرفات مالية حصلت في الشركة.»
قلبي بدأ يدق.
«تصرفات مالية إزاي؟»
المحامي فتح صفحة تانية.
«فيه مراجعة لحسابات قديمة، وبعض المستندات اتطلبت من الشركة. لازم نستنى النتائج.»
هنا بصت لي.
كنا فاكرين إن القصة كلها كانت عن الأمانة والفلوس اللي بابا سابها لنا.
لكن يبدو إن فيه تفاصيل أقدم، وحاجات حصلت قبل وفاته، ما زالت محتاجة تفسير.
المحامي قفل الملف وقال:
«مش عايزكم تقلقوا من غير داعي. إحنا هنمشي خطوة خطوة، وكل معلومة لازم تتأكد.»
خرجنا من المكتب.
في الشارع، هنا كانت ساكتة.
سألتها:
«بتفكري في إيه؟»
قالت:
«بفكر إن بابا كان شايل هم حاجات كتير، وإحنا ما كناش نعرف.»
قلت لها:
«يمكن كان بيحاول يحمينا من غير ما يخوفنا.»
هنا هزت راسها.
«يمكن.»
مشينا جنب بعض، وكل واحدة فينا عارفة إن فيه أسئلة لسه ما اتجاوبتش.
لكن الفرق بين زمان ودلوقتي، إننا ما بقيناش محبوسين في بيت جابر، ولا مجبرين نسكت عشان حد تاني يرتاح.
إحنا اللي بقينا نختار.
نختار مين نثق فيه.
نختار إمتى نتكلم.
ونختار إمتى نرتاح.
مرت سنة كاملة على الليلة اللي دخلنا فيها المستشفى.
وفي نفس اليوم، أنا وهنا قررنا نعمل حاجة مختلفة.
ما احتفلناش بالماضي، ولا رجعنا نراجع تفاصيله.
خرجنا الصبح، واشترينا زرعتين صغيرتين.
واحدة ليا، وواحدة لهنا.
رجعنا بيت خالنا، وحطينا كل زرعة في أصيص، وكتبنا على واحدة «يمنى»، وعلى التانية «هنا».
خالنا ضحك لما شافنا.
«هو إنتوا هتربوا زرع دلوقتي؟»
هنا ردت:
«أيوه. عشان كل يوم نفتكر إن فيه حاجة ممكن تبدأ صغيرة وتكبر.»
بصيت لها وابتسمت.
كانت الجملة بسيطة، لكنها كانت شبه حياتنا.
في البداية، كنا بينتين خايفتين، مش عارفين إذا كان فيه حد هيصدقنا.
وبعدها بقينا بينتين بيحاولوا يستعيدوا صوتهم، خطوة خطوة.
ما بقيناش نفس البنتين اللي دخلوا المستشفى.
بقينا أقوى، لكن لأننا ما بقيناش بنخاف.
بقينا أقوى لأننا عرفنا إن الخوف مش عيب، وإن طلب المساعدة مش ضعف، وإن السكوت مش واجب على اللي بيتأذى.
في المساء، قعدنا في الصالة، وصورة بابا قدامنا.
هنا قالت:
«لو كان بابا شايفنا دلوقتي، تفتكري كان هيقول إيه؟»
ابتسمت وأنا ببص للصورة.
«كان هيقول لنا نبطل كلام ونذاكر.»
ضحكت هنا.
«وبعدين؟»
قلت:
«وبعدين هيحضننا، ويقول لنا إنه فخور بينا.»
هنا سكتت شوية، وبعدها مدت إيدها ومسكت إيدي.
«أنا فخورة بيكي يا يمنى.»
بصيت لها.
«وأنا فخورة بيكي يا هنا.»
وفي اللحظة دي، ما كانش فيه صراخ.
ولا باب بيتقفل.
ولا خطوات بتقرب من أوضتنا.
كان فيه بيت هادي، وناس بنثق فيهم، ومستقبل لسه قدامنا.
أما جابر، فبقت قضيته في يد القانون، وبقت كل محاولة منه لتغيير الحكاية محتاجة تواجه الأدلة والشهادات، مش خوفنا وسكوتنا.
وأمي، مهما كان الطريق اللي هتمشيه طويل، بقى عليها تتحمل مسؤولية اختياراتها، من غير ما تطلب مننا ندفع ثمنها مرة تانية.
أما أنا وهنا، فكان عندنا وعد واحد لبعض.
إننا مش هنسمح للي حصل يحدد كل اللي جاي.
وإننا هنعيش.
هنذاكر.
هنضحك.
هنحب الناس اللي تستحق ثقتنا.
وهنفضل فاكرين بابا، مش بس لأنه ساب لنا أمانة مالية أو أوراق مهمة، لكن لأنه ساب لنا حاجة أكبر من كل ده.
ساب لنا دليل إن الحب الحقيقي عمره ما بيطلب مننا نقبل الأذى.
وإن الحق ممكن يتأخر، لكنه ما بيبقاش أقل حقًا لمجرد إن حد حاول يدفنه تحت الكذب.
وفي آخر ليلة من السنة، كتبت في دفتري:
«أنا يمنى، أخت هنا التوأم. عشت سنين وأنا فاكرة إن النجاة معناها إني أستحمل لحد ما اليوم يخلص. لكني عرفت إن النجاة الحقيقية بدأت يوم ما اتكلمت، ويوم ما أختي اتكلمت، ويوم ما حد سمعنا وصدق إن خوفنا يستحق يتاخد بجدية.
أنا مش هنسى اللي حصل.
لكن من النهارده، مش هعيش أسيرة له.
أنا هنا.
وأختي هنا.
وإحنا لسه بنبدأ.»
قفلت الدفتر، وحطيته جنب صورة بابا.
وبعدين خرجت للبلكونة، لقيت هنا واقفة بتبص للسما.
قربت منها، ووقفت جنبها.
قالت لي:
«مستعدة للسنة الجديدة؟»
مسكت إيديها وابتسمت.
«مستعدة.»
ولأول مرة من سنين، ما كنتش بقول الكلمة دي عشان أطمن حد تاني.
كنت بقولها وأنا مصدقاها فعلًا.
تمت
(مثل: “هذه القصة تهدف للتوعية بحقوق الضحايا وأهمية اللجوء للقانون…”)
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




