روايات وقصص

جوز امي حكايات صافي هاني

فضلنا قاعدين كده لحد ما نامت.
وأنا فضلت صاحيه شوية، بفكر في بابا.
كنت أتمنى لو كان موجود.
كنت أتمنى أشوفه وهو بيقول لنا إنه فخور بينا.
لكن في النهاية، فهمت إن الرسالة اللي سابها لنا كانت لسه بتساعدنا، حتى بعد غيابه.
بعد أسابيع من التحقيقات، صدر قرار بترتيب مواجهة بين أقوال الأطراف وفق الإجراءات القانونية، من غير ما نكون مضطرين نقعد مع جابر في مكان واحد.
المحامي فؤاد شرح لنا إن الهدف مش إننا نواجهه بنفسنا، لكن إن كل طرف يقدم روايته، وإن الأدلة تتراجع بشكل مستقل.
في أقواله، جابر حاول يقول إن اللي حصل كله كان مجرد خلافات أسرية.
قال إننا بنكره وجوده في حياتنا، وإننا اخترعنا قصة الضرب عشان نضغط على أمي ونحصل على الفلوس.
لكن لما اتسأل عن الإصابات الطبية، قال إننا وقعنا على السلم.
ولما اتسأل عن سبب وجود كدمات متعددة في أماكن مختلفة، قال إنه ما يعرفش.
ولما اتسأل عن التسجيلات، أنكر في البداية إنه صوته.
بعدها قال إن التسجيلات متقطعة ومش كاملة.
وفي كل مرة، كانت فيه مستندات وشهادات لازم تتراجع مع كلامه.
أمي قدمت أقوالًا إضافية، واعترفت إنها كانت بتخاف منه، وإنها سمعت تهديداته، وإنها ما تدخلتش بالشكل الكافي لحمايتنا.
ما كانش اعترافها كافي يمسح اللي حصل.
لكنه كان خطوة مهمة عشان الحقيقة تبقى واضحة.
أما عم صبري، فكرر شهادته عن الأصوات اللي سمعها، ومحاولاته السابقة للتدخل، وعن كلام جابر بخصوص الملف.
ومع الوقت، بقى واضح إن الموضوع أكبر من خلاف عائلي، وإنه محتاج يتعامل معاه القانون باعتباره مجموعة وقائع لازم كل واحدة تتثبت بدليلها.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة مع هنا في مكتبة المدرسة، بنحاول نخلص مشروع متأخر.
فجأة، تليفوني رن.
كان رقم أمي.
بصيت لهنا، وسألتها بعيني إذا كانت عايزاني أرد.
هزت راسها وقالت:
«براحتك.»
فتحت الخط.
أمي قالت بصوت هادي:
«يمنى، أنا عايزة أقول لك حاجة، ومش هطلب منك تسامحيني.»
سكت.
كملت:
«أنا بدأت أروح لمختصة عشان أفهم إزاي سمحت للخوف يتحكم فيا بالشكل ده. مش بقول لك كده عشان تفتكري إني بقيت كويسة فجأة. أنا بس عايزة أتعلم أكون مسؤولة عن قراراتي.»
ما عرفت أرد.
قالت:
«أنا عارفة إن الكلام مش كفاية. ومش هضغط عليكم عشان ترجعوا تتعاملوا معايا. لكن لو في يوم حبيتوا تسمعوني، أنا هكون موجودة.»
سكتت لحظة، وبعدها قالت:
«وبالمناسبة، أنا سلمت للشرطة كل الورق اللي كان عندي بخصوص جابر، حتى الورق اللي كنت خايفة أتكلم عنه.»
قلبي دق بسرعة.
«أي ورق يا ماما؟»
قالت إنها سلمت مستندات كانت محتفظة بيها في درج قديم، وإنها شرحت للضابط ظروف توقيعها عليها.
طلبت منها ما تبعتليش صور ولا تفاصيل، لأن الأفضل إن كل شيء يمر من خلال الجهات المختصة.
قالت:
«حاضر. أنا مش هعمل حاجة من نفسي.»
قفلت المكالمة، وبصيت لهنا.
حكيت لها اللي قالته أمي.
هنا فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت:
«يمكن تكون بدأت تفهم.»
قلت لها:
«يمكن.»
«بس أنا مش مستعدة أسامحها.»
«ومش لازم تكوني مستعدة دلوقتي.»
رجعنا للمشروع.
لكن في آخر الصفحة، كتبت هنا جملة صغيرة:
«النجاة مش معناها إنك تنسى اللي حصل. النجاة إنك تقدر تعيش من غير ما اللي حصل يفضل يتحكم في كل يوم من أيامك.»
قريتها، وبصيت لها.
«دي أحسن جملة في المشروع كله.»
ابتسمت.
«عشان أنا اللي كتباها.»
مرت الشهور، وبدأت حياتنا تستقر تدريجيًا.
بقينا نروح المدرسة بانتظام، ونقابل المختصة اللي بتساعدنا نتعامل مع آثار اللي حصل.
هنا بدأت ترجع تضحك.
وأنا بدأت أرجع أكتب.
كنت بكتب كل ليلة في دفتر صغير، مش عشان أفتكر الألم، لكن عشان أرتب أفكاري، وأفهم إن حياتنا مش كلها محصورة في اللي جابر عمله.
وفي يوم، رجعت من المدرسة ولقيت ظرفًا وصل عن طريق المحامي فؤاد.
كان فيه صورة قديمة لينا مع بابا، ومعاها ورقة قصيرة من عمنا درويش.
أول ما شفت اسمه، حسيت إن جزءًا من طفولتنا رجع.
الرسالة كانت بتقول:
«يا يمنى ويا هنا، أنا عرفت اللي حصل، وعرفت إنكم أخيرًا قدرتوا تطلبوا المساعدة.
أنا آسف إني ما كنتش قريب منكم وقت ما احتجتوني. الظروف خلت التواصل صعب، لكن ده مش عذر كفاية.
أنا مش هطلب منكم تحكوا لي حاجة مش مستعدين تحكوها. كل اللي عايزكم تعرفوه إنكم مش لوحدكم، وإن بابي مفتوح ليكم في أي وقت.
أبوكم كان بيحبكم حب كبير، وأنا فاكر وصيته كويس.
خليكم مع بعض، وافتكروا إنكم تستحقوا تعيشوا في أمان.
خالكم درويش.»
هنا أخدت الرسالة مني، وقرتها مرتين.
وبعدين قالت:
«عايزة أكلمه.»
اتصلنا بيه في نفس اليوم.
أول ما سمع صوتنا، سكت ثواني، وبعدها قال:
«يا حبايب قلبي.»
هنا عيطت.
وأنا ما قدرتش أتكلم.
هو ما ضغطش علينا.
فضل يقول لنا إنه موجود، وإنه هيحترم أي قرار ناخده، وإننا نقدر نتواصل معاه وقت ما نحتاج.
بعد المكالمة، هنا قالت:
«أنا كنت فاكرة إن كل الناس هتخذلنا.»
قلت لها:
«مش كل الناس.»
لكن القضية ما انتهتش بسرعة.
كان فيه مستندات لازم تتراجع، وأقوال لازم تتقارن، وتحقيقات مالية ما ينفعش تتسرع.
جابر فضل يحاول يثبت إن اهتمامه بالأوراق كان بدافع المساعدة، وإنه ما كانش يقصد الاستيلاء على أي أموال.
لكن كل ما كان بيقدم رواية، كانت بتظهر أسئلة جديدة.
ليه كان مستعجل قبل ما نبلغ تمنتاشر سنة؟
ليه كان بيطلب من أمي توقيع مستندات من غير ما يشرح لها مضمونها؟
ليه كان بيمنعنا نتواصل مع خالنا؟
وليه كان بيصر إننا ما نسألش عن أموال بابا؟
الأسئلة دي ما كانتش أحكامًا نهائية، لكنها كانت نقاطًا لازم التحقيق يجاوب عنها.
وفي الوقت نفسه، بدأت الإجراءات الخاصة بحقوقنا المالية تمشي.
المحامي فؤاد تابع مراجعة الحسابات، واتأكد إن الأمانة لسه موجودة، وإنه ما حصلش تصرف نهائي في أصولها.
لما قال لنا الخبر، هنا غمضت عينيها براحة.
«يعني حقنا ما ضاعش؟»
قال المحامي:
«حتى الآن، المستندات بتشير إن الأصول الأساسية محفوظة، لكن لازم نكمل المراجعة لحد ما كل شيء يتأكد رسميًا.»
خرجنا من عنده، وفضلنا نمشي في الشارع من غير كلام.
بعد فترة، هنا قالت:
«أنا مش عايزة الفلوس دي عشان أعيش في رفاهية.»
بصيت لها.
«وأنا كمان.»
كملت:
«أنا عايزاها عشان أعرف إن بابا تعب واشتغل وساب لنا حاجة تحمينا، وإن محدش قدر ياخدها مننا.»
مسكت إيدي.
«وده اللي هنحافظ عليه.»
قبل ما نتم تمنتاشر سنة بشهر، حصلت مواجهة أخيرة في إطار التحقيق.
المرة دي، جابر قدم مستندًا قال إنه يثبت إن أمي وافقت على بعض الإجراءات المالية.
لكن المحامي فؤاد لاحظ إن المستند مختلف عن النسخة الموجودة في ملف بابا.
كان فيه اختلاف في صياغة فقرة أساسية، والتاريخ المكتوب عليه ما كانش متوافقًا مع باقي المراسلات.
المحامي ما اتهمش حد بالتزوير من نفسه، لكنه طلب فحص المستند فنيًا ومقارنته بالنسخ الأصلية.
الجهة المختصة استلمته، وبدأت مراجعة التوقيعات والبيانات.
لما عرف جابر إن المستند هيتفحص، طلب سحبه وقال إنه مجرد مسودة قديمة.
لكن الطلب ما أنهىش الموضوع.
النسخة اتوثقت ضمن الأوراق، واتسجلت أقواله بشأنها.
بعدها بأيام، استدعوا أمي وسألوها إذا كانت شافت المستند قبل كده.
قالت إنها شافت ورقة شبيهة بيه، لكنها ما تقدرش تؤكد إن النسخة اللي قدمها جابر هي نفسها اللي وقعت عليها.
وأضافت إنها مش هتخبي أي معلومة تانية.
لما وصلنا الخبر، هنا قالت:
«أنا مش عايزة أفضل مستنية كل يوم خبر جديد عنه.»
قلت لها:
«مش لازم حياتنا تقف لحد ما القضية تخلص.»
«بس أنا عايزة أعرف الحقيقة.»
«وهنعرفها من خلال الإجراءات. لكن في نفس الوقت، لازم نعيش.»
هنا أخدت نفسًا طويلًا.
«طيب. بكرة نروح نشتري لبس عيد ميلادنا.»
ضحكت.
«إنتِ مش بتضيعي وقت أبدًا.»
قالت:
«إحنا استنينا كتير. مش هضيع يوم كمان.»
وجاء يوم عيد ميلادنا التمنتاشر.
ما عملناش حفلة كبيرة.
ما كناش عايزين دوشة، ولا ناس كتير، ولا أسئلة عن الماضي.
احتفلنا في بيت خالنا درويش، وسط ناس قليلة بنثق فيهم.
كان فيه تورتة صغيرة، وصورتنا القديمة مع بابا محطوطة على الترابيزة.
خالنا جاب لنا هديتين، كل واحدة في علبة.
هنا فتحت علبتها، ولقت ساعة بسيطة.
أما أنا، فلقيت قلمًا أنيقًا ودفترًا جلديًا.
قال خالنا:
«أبوكم كان بيحب الكتابة والتوثيق. قلت يمكن تحبي تكتبي فيه.»
حضنته.
«شكرًا يا خالو.»
بعد ما خلصنا الأكل، قعدنا جنب الصورة.
هنا قالت:
«يا ترى بابا كان هيعمل إيه لو كان موجود؟»
خالنا ابتسم بحزن.
«كان هيحضنكم، ويعيط، وبعدين يفضل يسأل كل واحدة فيكم أكلت كويس ولا لأ.»
ضحكنا.
كانت أول ضحكة عائلية حقيقية من سنين.
بعدها، فتح المحامي فؤاد مكالمة فيديو، وشرح لنا آخر تحديثات الإجراءات المالية، وأكد إننا بقينا نقدر نتابع حقوقنا وفق الشروط القانونية، وإن كل خطوة هتتم بتوثيق واضح.
ما بقيناش مضطرين نعتمد على كلام جابر، ولا على وعود أمي، ولا على أي حد يقول لنا إن حقنا مش موجود.
بقينا نعرف نسأل.
ونراجع.
ونفهم.
وفي نهاية اليوم، طلعت أنا وهنا للبلكونة.
الشارع كان هادي، والهواء بارد شوية.
هنا رفعت إيدها، وبصت للأسورة اللي اشتريناها من شهور.
قالت:
«فاكرة لما اشتريناها؟»
قلت:
«طبعًا.»
«أنا وقتها حسيت إننا بدأنا نرجع.»
بصيت لها وابتسمت.
«وإحنا فعلًا رجعنا.»
لكن في اللحظة دي، تليفوني رن.
كانت رسالة من الضابط حسام.
طلب مني التواصل معاه في اليوم التالي بخصوص نتيجة فحص المستند المالي اللي قدمه جابر.
قلبي اتقبض.
هنا لاحظت التغيير على وشي.
«فيه إيه؟»
وريته الرسالة.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت:
«هنروح ونسمع.»
هزيت راسي.
ما كانش عندنا رفاهية إننا نهرب من الحقيقة، لكن ما بقيناش هنواجهها لوحدنا.
في اليوم التالي، رحنا لمكتب المحامي فؤاد.
كان الضابط حسام موجود، وملامحه جدية.
طلب مننا نقعد، وبعدها قال:
«نتيجة الفحص أكدت وجود اختلافات جوهرية بين المستند اللي قدمه جابر والنسخة الأصلية الموجودة في الملف. لكن تحديد سبب الاختلاف والمسؤول عنه محتاج استكمال الإجراءات.»
هنا شدت على إيدي.
الضابط كمل:
«كمان ظهرت مراسلات إضافية بتوضح إن فيه محاولات متكررة للوصول لمعلومات عن الأمانة قبل موعد استحقاقها. المراسلات دي هتتراجع مع باقي الأدلة.»
سألت:
«يعني جابر كان بيحاول ياخد فلوسنا؟»
الضابط رد بحذر:
«ما أقدرش أديكي حكم نهائي قبل ما التحقيق يخلص. اللي أقدر أقوله إن فيه شبهة جدية تستدعي استكمال التحقيق، وإن حقوقكم المالية محمية بالإجراءات القائمة.»
المحامي فؤاد أضاف:
«المهم دلوقتي إن كل شيء موثق، ومفيش داعي إنكم تتواصلوا مع جابر أو تدخلوا في أي مواجهة مباشرة.»
هنا سألت:
«وأمي؟»
الضابط قال إن أقوالها هتتراجع مع المستندات، وإن تعاونها في تقديم الأوراق لا يعفي أي شخص من المسؤولية لو ثبتت مخالفات.
خرجنا من المكتب، وأنا حاسة بمزيج غريب من الراحة والقلق.
الحقيقة كانت بتظهر، لكن الطريق لسه طويل.
وفي نفس الأسبوع، وصلنا إخطار بموعد جلسة جديدة لمتابعة القضية.
ما كانش مطلوب مننا نواجه جابر، لكن كان لازم نكون مستعدين لتقديم أقوالنا لو طُلبت رسميًا.
هنا قالت لي في المساء:
«أنا عايزة ألبس الفستان الأزرق.»
بصيت لها باستغراب.
«في الجلسة؟»
ضحكت.
«لأ، في عيد ميلاد مريم. إنتِ فاكرة إن حياتنا كلها بقت جابر ومحامين وشرطة؟»
ضحكت معاها.
كانت محقة.
ما ينفعش نسمح له يفضل موجود في كل تفصيلة من حياتنا، حتى بعد ما خرجنا من بيته.
في عيد ميلاد مريم، لبسنا الفساتين اللي اخترناها، وروحنا مع خالنا.
البيت كان مليان ضحك وأغاني وأكل، ومريم كانت فرحانة إننا جينا.
في نص الحفلة، قربت مني وقالت:
«أنا فخورة بيكي.»
استغربت.
«بإيه؟»
قالت:
«إنك رجعتي المدرسة، وإنك بتحاولي تعيشي طبيعي، رغم كل اللي مريتي بيه.»
ابتسمت.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى