
حسيت إن رجلي اتسمرت في الأرض: “واحدة مين؟”
سعاد بصتلي بحزن: “ماعرفش اسمها، بس كانت لابسة لبس جديد، وفيه شنط وأكياس كتير. وأنا لما سألت البواب، قالي إن دي العروسة الجديدة، وإنهم بيجهزوا الشقة ليها.”
حسيت إن وداني بتزن. قعدت على أقرب كرسي، وسعاد جريت تجيبلي كوباية مية.
فضلت ماسكة الكوباية، لكن إيدي كانت بتترعش لدرجة إن المية وقعت على هدومي.
قلت بصوت مش طالع مني: “عروسة جديدة؟”
هزت راسها: “أنا آسفة يا نوال، والله ما كنت أعرف. ولما شفته، قلت لازم أجيلك فورًا.”
ماعيطتش. مش عشان ماكنتش موجوعة، لكن عشان الوجع كان أكبر من الدموع.
استنيت كمال لحد ما رجع من الشغل. دخل البيت وهو بيفك زرار قميصه، وقال عادي جدًا: “الأكل جاهز؟”
بصيتله طويلًا: “كمال، إنت كنت فين النهارده؟”
“في الشغل.”
“وبعد الشغل؟”
بصلي باستغراب مصطنع: “مالك يا نوال؟ تحقيق؟”
قلتله: “أنا عايزة أسألك سؤال واحد، وتجاوبني من غير لف ودوران. مين الست اللي كنت معاها في الشقة الجديدة؟”
اتغيرت ملامحه لثانية واحدة، وبعدها رجع لبروده: “أيوه، كنت معاها.”
حسيت إن قلبي وقف: “مين هي؟”
رد بمنتهى البساطة: “مراتي الجديدة.”
فضلت باصة له، مستنية يقول إنه بيهزر، أو إن فيه سوء تفاهم، أو أي كلمة تخليني أصدق إن الراجل اللي قدامي مش هو نفسه اللي عشت معاه خمستاشر سنة.
لكنه كمل: “أنا قررت أتجوز تاني، ودي حاجة ربنا محللها.”
قلتله وأنا بحاول أتماسك: “تتجوز تاني؟ براحتك، إنت حر في قراراتك، لكن الشقة اللي أنا بعت دهبي ودكانة أبويا عشان أشتريها، إيه علاقتها بجوازك؟”
ضحك ضحكة مستفزة: “الشقة دي بتاعتي.”
وقفت من مكاني: “بتاعتك إنت؟!”
“أيوه. أنا الراجل، وأنا اللي هدير البيت، ومراتي الجديدة هتسكن هناك.”
“وأنا وعيالي؟”
رفع كتفه وقال: “إنتي هتفضلي هنا في بيت أمي لحد ما أشوف هنعمل إيه.”
بصيتله بعدم تصديق: “إنت بتهزر؟ أنا اللي دفعت تمن الشقة، وأنا اللي بعت كل حاجة أملكها!”
قرب مني وقال: “وإنتي عندك إثبات؟”
الكلمة دي بالذات خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي.
قلتله: “إثبات إيه؟ ما إحنا اللي رحنا اشترينا الشقة سوا!”
رد ببرود: “اللي مكتوب في الورق هو اللي هيتحسب. واللي يثبت إن ليه فلوس عندي يطالب بيها.”
وبعدين قرب أكتر، وقال بصوت واطي: “ولو مش عاجبك الوضع، الباب مفتوح. بس افتكري إن العيال هيفضلوا هنا.”
دفعت إيده بعيد عني وقلت: “إنت نسيت إن دول عيالك؟”
صرخ في وشي: “أنا عارف عيالي كويس، ومش محتاج منك دروس!”
في اللحظة دي، حماتي دخلت من المطبخ، وكانت باين عليها إنها مستنية اللحظة دي من زمان.
قالت وهي بتبصلي بشماتة: “خير يا نوال؟ صوتك عالي ليه؟”
بصتلها وقلت: “ابنك ناوي يدخل واحدة تانية الشقة اللي أنا دفعت تمنها.”
ردت من غير ما تتردد: “وإيه يعني؟ ده جوزك، ومن حقه يتجوز. وبعدين هو اللي دفع برضه، ولا إنتي ناسية إن الفلوس اللي في البيت فلوسه؟”
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة القهر: “فلوسه؟ هو ده اللي قالهولك؟”
كمال قرب مني فجأة، وزقني بعيد عنه، فوقعت على الأرض. العيال سمعوا الصوت وجريوا من الأوضة.
مريم صرخت: “بابا! إنت بتعمل إيه في ماما؟!”
بص لها كمال بعصبية: “ادخلي أوضتك!”
لكن مريم ما اتحركتش، وقفت قدامي وفتحت دراعاتها كأنها بتحميني: “ماما ماعملتش حاجة!”
كمال رفع إيده، لكني قمت بسرعة وشديتها ورايا.
قلتله بصوت ثابت رغم رعشة جسمي: “إوعى تمد إيدك على بنتي.”
فضل باصصلي لحظات، وبعدين قال: “اسمعي يا نوال، أنا مش هكرر كلامي. العروسة هتفرش الشقة يوم الخميس، وإنتي مالكيش دعوة. ولو فكرتي تعملي مشكلة، هخليكي تندمي.”
خرج وسابني واقفة وسط عيالي.
حماتي بصتلي وقالت: “أهو عرفتي مقامك. بدل ما تعملي مشاكل، جهزي له هدومه، واعملي له عشا، وبلاش فضايح.”
دخلت أوضتي وقفلت الباب. قعدت على الأرض، وضميت عيالي، لكن المرة دي ماعيطتش قدامهم.
كنت بسمع مريم بتقول: “ماما، هو إحنا مش هنروح شقتنا؟”
مسحت على شعرها وقلت: “هنروح يا حبيبتي.”
“إمتى؟”
بصيت في عينيها وقلت: “قريب أوي.”
ماكنتش عارفة إزاي، لكن جوايا كان فيه صوت بيقول إن المرة دي مش هسمح لحد ياخد حقي.
طول الليل، كمال كان قاعد بره مع أمه وأخته، بيضحكوا ويتكلموا عن العروسة الجديدة.
كنت سامعاهم من ورا الباب. هالة بتقول: “أنا شوفتها النهارده، البنت شكلها طيبة، بس يا عيني مش عارفة هي داخلة على إيه.”
حماتي ردت: “مالهاش دعوة بالماضي. المهم إن ابني يتهنى. إنما نوال دي لازم تعرف إن الجواز مش معناه إنها تملك الراجل.”
كمال ضحك وقال: “نوال هتسكت. هي عارفة مصلحتها. وبعدين هي معاها تلات عيال، هتروح فين؟”
ضحكوا كلهم.
وقتها حسيت إن فيه باب اتقفل جوايا للأبد. مش باب الحب، لأن الحب كان مات من زمان تحت ضغط الإهانة والخوف. ده كان باب الثقة.
الثقة في راجل كنت فاكرة إنه سندي. والثقة في عيلة كنت فاكرة إن العِشرة هتخليهم يخافوا على مشاعري. والثقة في نفسي لما كنت بقول إن التضحية عمرها ما هتضيع.
قمت من مكاني، فتحت الدولاب، وطلعت شنطة صغيرة كنت حاطة فيها أوراق مهمة: بطاقتي، وشهادات ميلاد العيال، وصورة عقد بيع الدكانة، وإيصالات دهبي القديمة اللي كنت محتفظة بيها، ودفتر التحويشة اللي كنت بكتب فيه كل مبلغ بدخره.
لكن أهم حاجة كانت صورة ورقة صغيرة كنت مصوراها بالموبايل من يوم ما رحنا نشوف الشقة.
افتكرت إن كمال كان مستعجل يومها، ولما السمسار طلع ورق الحجز، طلب مني أمضي على إيصال بمبلغ كبير، وقاللي: “إمضي يا نوال عشان الراجل مستعجل.”
أنا وقتها طلبت أقرا الورقة.
اتضايق وقال: “إنتي مش واثقة فيا؟”
لكن أنا أصريت، وفضلت أقرأ لحد ما فهمت إنها ورقة بتثبت إن المبلغ المدفوع للحجز جاي من فلوسي، وإن الشقة هتتسجل باسمنا إحنا الاتنين وفق الاتفاق اللي اتفقنا عليه. السمسار نفسه كان عارف إن الجزء الأكبر من الفلوس طالع من بيع ممتلكاتي.
وكنت محتفظة بصورة من الورقة على تليفوني، وصورة تانية في ملف أوراقي.
ساعتها افتكرت كلام أبويا: “الحاجة اللي باسمك محدش يقدر ياخدها منك بسهولة.”
مسكت الموبايل، وفتحت أرقام التليفونات، لحد ما وصلت لرقم أستاذة هدى، المحامية اللي كانت بتتابع معايا ورق ميراث أبويا من سنين.
اتصلت بيها، وكان الوقت متأخر، لكنها ردت: “أيوه يا نوال، خير؟”
صوتي كان بيترعش وأنا بحكيلها كل حاجة.
سمعتني للآخر من غير ما تقاطعني، وبعدين سألتني: “عقد الشقة مكتوب باسم مين بالضبط؟”
قلت لها: “معايا صورة منه، ومعايا إيصالات، ومعايا الورقة اللي مضينا عليها عند السمسار.”
قالت: “ابعتيلي صور كل الأوراق دلوقتي، وبكرة تيجيلي بدري ومعاكي الأصول. ومهم جدًا، ما تمضيش على أي ورقة جديدة، وما تسلميش حد أي مستند.”
سألتها بخوف: “يعني أقدر أرجع حقي؟”
ردت بحذر: “أنا مش هقدر أوعدك بنتيجة قبل ما أشوف الورق كامل، لكن لو اللي بتقوليه ثابت بالمستندات، يبقى فيه إجراءات قانونية نقدر نبدأها. والأهم إننا نعرف الشقة مسجلة إزاي، ومين دفع كام، وهل فيه أي تنازل أو اتفاق مكتوب.”
قفلت معاها، وحسيت لأول مرة من ساعة ما عرفت الحقيقة إن فيه باب اتفتح.
تاني يوم، خرجت من البيت بدري، وقلت لكمال إني رايحة أجيب شوية حاجات للعيال.
بصلي باستغراب: “حاجات إيه؟”
قلتله: “مستلزمات المدرسة.”
ما اهتمش، ورجع لموبايله.
روحت للمحامية، وقعدت قدامها، وطلعت كل ورقة عندي. فضلت تقلب في المستندات، وتسألني عن كل مبلغ، وتكتب ملاحظات، وبعدين رفعت عينيها وقالت: “نوال، عندك مستندات مهمة، لكن لازم نتحرك صح. أول حاجة هنعملها إننا نثبت مصدر الأموال، ونراجع عقد الشقة الرسمي، ونشوف وضع الملكية. كمان هنخاطب المحامي اللي تابع البيع والسمسار اللي كان حاضر الاتفاق، ونطلب أي مستندات تخص عملية الشراء.”
قلت لها: “أنا مش عايزة أظلمه، ولا عايزة أخرب بيته. أنا عايزة فلوسي وحق عيالي.”
بصتلي وقالت: “وإنتي مش مطالبة تضحّي بحقك عشان حد يستغل سكوتك. بس كل خطوة لازم تكون بالقانون، ومن غير تهديد أو تصرف يضرك.”
هزيت راسي.
قبل ما أمشي، سألتها: “طب لو هو جه يوم فرش العروسة وقال إني ماليش حاجة؟”
قالت: “ما تدخليش في خناقة. إحنا هنجهز إخطار رسمي، وهنراجع المستندات، وأي مطالبة بحقك هتكون من خلال الإجراءات القانونية. وإوعي تفتكري إن الصوت العالي أقوى من الورق.”
خرجت من مكتبها، وأنا لأول مرة من سنين ماشية وظهري مفرود. لكن كمال ماكانش يعرف إن اليوم اللي كان مستنيه عشان يبدأ حياته الجديدة، هيكون اليوم اللي هيتفتح فيه الملف اللي كان فاكر إنه اتقفل للأبد.
وجاء يوم الخميس.
من الصبح بدري، البيت كله كان مقلوب. حماتي صاحية من الفجر، لابسة أحسن هدومها، وبتكلم قرايبها في التليفون. هالة كانت داخلة خارجة، شايلة أكياس حلويات، وبتجهز نفسها عشان تروح تستقبل العروسة.
أما كمال، فكان لابس قميص جديد، وحالق دقنه، وواقف قدام المراية بيظبط شعره.
دخلت المطبخ، عملت شاي، وحطيته قدامه.
بصلي باستغراب: “إيه ده؟”
قلتله بهدوء: “شايك.”
فضل باصصلي كأنه مش فاهم: “إنتي مش هتعملي مشكلة النهارده؟”
رفعت حاجبي: “مشكلة ليه؟”
ضحك وقال: “عشان تبقي عارفة إنك لو فكرتي تبوظي اليوم ده، هتندمي.”
حطيت كوباية الشاي قدامه وقلت: “ربنا يتمم لك على خير يا كمال.”
وشه اتغير. كان متوقع إني أصرخ، وأعيط، وأترجاه، وأحاول أمنعه.
لكن أنا رجعت أوضتي، ولبست فستان بيتي بسيط، وسرحت شعري، وعملت لنفسي فنجان قهوة.
مريم دخلت عليا وقالت بخوف: “ماما، إنتي هتسيبي بابا يتجوز؟”
بصيتلها وابتسمت: “أنا مش هسيب حد يعمل فينا اللي هو عايزه يا حبيبتي.”
“طب هنعمل إيه؟”
مسكت إيديها: “هنتصرف صح. وإنتي مش مطلوب منك غير إنك تفضلي جنب إخواتك، وماتخافيش.”
بعد الضهر، بدأت العربيات توصل قدام البيت. أهل العروسة نزلوا، ومعاهم شنط وأكياس وجهاز، وستات بيزغردوا، وناس شايلة ملايات ومخدات، وواحد شايل سجادة ملفوفة.
حماتي كانت واقفة على الباب، بتضحك وتستقبلهم كأنها صاحبة الشقة.
أول ما شافتني، قربت مني وهمست: “ادخلي جوه يا نوال، مش عايزين منظرك قدام الناس.”
بصيتلها بهدوء: “ليه يا حاجة زينب؟ هو أنا عاملة حاجة غلط؟”
كشرت وقالت: “إنتي عارفة كويس أنا أقصد إيه. النهارده يوم فرحة ابني، ومش ناقصة نكد.”
قلت لها: “ربنا يجعل أيامكم كلها أفراح.”
وسبتها ومشيت.
كمال كان واقف عند أول الشارع، بيستقبل العروسة، وبيضحك مع أهلها.
العروسة اسمها رنا، بنت عندها سبعة وعشرين سنة، موظفة في شركة خاصة، وأهلها ناس على قد حالهم، لكن واضح إنهم كانوا فاكرين إنهم داخلين على جواز مستقر، وإن كمال راجل عنده شقة مستقلة هيعيشوا فيها بعيد عن المشاكل.
رنا أول ما دخلت العمارة، بصت لفوق، وبعدين سألت كمال: “هي الشقة واسعة؟”
رد بثقة: “متقلقيش، هتعجبك.”
“والأثاث اللي اتفقنا عليه؟”
“كله موجود، واللي ناقص هنجيبه.”
كنت واقفة عند باب البيت بسمع، ومش مصدقة إن الراجل اللي كان بيحسب كل جنيه لما أطلب منه حاجة للعيال، قادر يصرف بالشكل ده عشان يرضي واحدة تانية.
لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعدين كانت أقسى. جزء من الأثاث اللي جابه للشقة كان مستعمل، وجزء تاني اشتراه بالتقسيط، وكان معتمد إنه بعد الجواز يضغط عليا عشان أتنازل عن حقي، ويستخدم الشقة وكل اللي فيها كأنها ملكه وحده.
كان عامل حسابه على إن خوفي على العيال هيخليني أسكت.
لكن هو نسي حاجة مهمة. أنا طول عمري كنت بخاف على عيالي من المشاكل، لكن المرة دي بقى لازم أحميهم من إنهم يتعلموا إن الظلم عادي، وإن اللي يسكت عن حقه يبقى ضعيف.
بعد ما وصل الجهاز، بدأوا يطلعوا العفش. سرير كبير، ودولاب، وتسريحة، وأنتريه، وسجادة جديدة، وستاير لسه متغلفة.
كمال كان واقف على السلم، بيوجه العمال، وبيقول: “السرير يتحط في الأوضة الكبيرة، والدولاب هنا، والتسريحة جنب الشباك.”
أهل رنا كانوا مبسوطين، وكل شوية أمها تقول: “ربنا يهنيكم يا بنتي.”
لكن في نص الزحمة، وصل راجل لابس بدلة، شايل شنطة جلد، ومعاه ملف أوراق.
كمال أول ما شافه، اتوتر. قرب منه وقال بصوت واطي: “إنت جيت ليه دلوقتي؟”
الراجل رد بهدوء: “أنا الأستاذ سامح، المحامي اللي حضرتك كلمتني عشان أراجع موضوع الشقة. وإنت قلتلي أجيلك النهارده عشان نخلص الورق.”
كمال بص حواليه، وبعدين قال: “مش وقته. امشي دلوقتي، وأنا هكلمك بعدين.”
لكن الأستاذ سامح قال: “للأسف، فيه إخطار رسمي وصل، ولازم حضرتك تستلمه وتطلع على مضمونه.”



