روايات وقصص

زهرة الربيع

في اللحظة دي، أنا خرجت من البيت.
كنت لابسة فستان كحلي بسيط، وشعري مربوط، وفي إيدي ملف شفاف.
أول ما كمال شافني، وشه اصفر: “إنتي بتعملي إيه هنا؟”
بصيتله وقلت: “جاية أحضر فرش شقتي.”
صرخ: “شقتك إيه؟! إنتي اتجننتي؟!”
الناس كلها سكتت.
رنا بصت له، وبعدين بصتلي.

أمها قربت منها وقالت:

“فيه إيه يا بنتي؟”

كمال جري ناحيتي وقال بصوت واطي لكنه مليان تهديد:

“إنتي لو ما مشيتيش حالًا، هتشوفي أنا هعمل فيكي إيه.”

بصيتله في عينه وقلت:

“إنت بنفسك قلتلي: اثبتي إنك ادتيني حاجة. وأنا جيت النهارده عشان أثبت.”

طلعت من الملف صورة من عقد الشقة، وصورة الإيصال اللي ماضي عليه، وصور التحويلات والإيصالات اللي بتوضح مصدر الفلوس.

مديت الأوراق للأستاذ سامح.

قلت:

“اتفضل يا أستاذ، دي صور المستندات اللي اتفقنا عليها، والأصول مع المحامية.”

كمال خطف الورق من إيدي.

“إنتي بتلعبي إيه؟! إنتي فاكرة نفسك هتخوفيني بشوية ورق؟!”

رد الأستاذ سامح بهدوء:

“لو سمحت، ما تاخدش مستندات مش ملكك. وخلينا نتكلم بهدوء قدام الناس.”

حماتي نزلت من على السلم وهي بتزعق:

“إيه اللي بيحصل هنا؟! إيه الورق ده؟!”

بصيتلها وقلت:

“الورق اللي يثبت إن الفلوس اللي اتشرت بيها الشقة مش كلها فلوس كمال، وإن فيه حقوق لازم تتراجع قانونيًا.”

صرخت:

“كدابة! دي فلوس ابني!”

قلت لها:

“طب ليه ابنك رفض يبيع أرضه؟ وليه طلب مني أبيع دهبي ودكانة أبويا؟ وليه مضاني على إيصال يثبت المبلغ اللي دفعته؟”

سكتت للحظة، لكنها رجعت تصرخ:

“إنتي بتحاولي تفضحيه قدام الناس!”

رديت عليها:

“أنا ما فضحتش حد. أنا بس بطلب حقي بالطريقة اللي القانون يسمح بيها.”

رنا كانت واقفة مكانها، ووشها بيتغير مع كل كلمة.

بصت لكمال وقالت:

“إيه الكلام ده يا كمال؟ إنت قلتلي إن الشقة ملكك، وإنك مجهزها من فلوسك!”

كمال حاول يضحك.

“يا رنا، دي مراتي الأولى، وبتحاول تعمل مشكلة عشان أنا اتجوزت.”

رنا بصتلي.

“حضرتك بتقولي إنك دفعتي فلوس في الشقة؟”

قلت لها:

“أنا بقول إن عندي مستندات تثبت المبالغ اللي دفعتها، وإن فيه اتفاق مكتوب متعلق بالشراء. وأنا مش جاية أهاجمك ولا آخد منك حاجة، لكن مش هسمح لحد ياخد حقي.”

كمال صرخ:

“إنتي مالكيش حق في أي حاجة!”

الأستاذ سامح رد:

“ده أمر المحكمة هي اللي تفصل فيه لو حصل نزاع، مش حضرتك ولا أي حد من الموجودين.”

كمال لف ناحيته بعصبية.

“إنت جاي تقف معاها؟!”

“أنا جاي أبلغك بالإجراءات المطلوبة، وبس.”

في اللحظة دي، أم رنا قربت من بنتها وسألتها:

“هو إنتي كنتي تعرفي إن الراجل متجوز وعنده تلات عيال؟”

رنا اتلخبطت.

“أيوه يا ماما، هو قالي إنه متجوز، وإن مراته موافقة على الجواز، وإن بينهم اتفاق إن كل واحد يعيش في مكان.”

أمها بصت لكمال بذهول.

“موافقة؟!”

بصتلي أم رنا.

“حضرتك كنتي موافقة؟”

قلت:

“لأ. أنا عرفت بالجواز من كام يوم، وعرفت إن بنتك هتسكن في شقة أنا ساهمت في تمنها، من غير ما حد يرجعلي أو يوضحلي أي حاجة.”

رنا حطت إيديها على وشها.

“إنت قلتلي إن الشقة دي ملكك لوحدك، وإنك هتعيش معايا فيها!”

كمال قرب منها.

“يا رنا، اسمعيني. الموضوع أكبر من اللي إنتي فاهمه.”

رجعت خطوة لورا.

“أكبر إزاي؟ إنت قلتلي إنك هتفتح صفحة جديدة، وإن كل حاجة متجهزة، وإن مفيش مشاكل.”

كمال حاول يمسك إيديها.

“يا حبيبتي، ما تسمعيش كلامها.”

لكن رنا سحبت إيدها.

“ما تقوليش يا حبيبتي دلوقتي. أنا عايزة أفهم، الشقة دي بتاعتك ولا لأ؟”

ما ردش.

بصتله مرة تانية.

“رد عليا!”

صرخ:

“أيوه شقتي! وأنا حر أعمل فيها اللي أنا عايزه!”

ردت رنا بصوت مكسور:

“حتى لو كنت دافع فيها فلوس، ليه كدبت عليا؟”

كمال اتعصب وقال:

“عشان ماكنتش عايز وجع دماغ!”

الجملة دي كانت كفاية.

رنا بصت لأمها، وبعدين بصت للجهاز اللي لسه العمال بيطلعوه، وقالت:

“نزّلوا كل حاجة.”

كمال اتجمد مكانه.

“إنتي بتقولي إيه؟!”

قالت بحزم وهي بتحاول تمنع دموعها:

“بقول نزّلوا الجهاز. أنا مش هدخل بيت مبني على كدب.”

أمها مسكت إيدها.

“تعالي يا بنتي.”

كمال وقف قدامهم.

“محدش هيمشي من هنا! إحنا متفقين!”

أم رنا ردت بغضب:

“اتفاق إيه يا راجل؟ إنت ضحكت علينا، وقلت إن الشقة ملكك، وطلعت مخبي الحقيقة. إحنا مش هنكمل في الجوازة دي بالشكل ده.”

كمال حاول يهددهم.

“أنا هعرفكم مين كمال!”

لكن والد رنا، اللي كان ساكت طول الوقت، تقدم خطوة وقال:

“اسمع يا أستاذ كمال، بنتي مش هتعيش مع راجل بيكذب عليها من أول يوم. والجهاز اللي جبناه هنرجعه، وأي حقوق مالية تخصنا هنتعامل معاها بالطريق القانوني. ومش عايز أسمع منك تهديد تاني.”

العمال بدأوا ينزلوا العفش تاني.

والناس اللي كانت جاية تزغرد وتبارك، بقت واقفة تتفرج في صمت.

حماتي كانت بتبصلي بنظرات نار.

هالة كانت بتتكلم في ودنها، وكمال واقف في نص السلم، مش عارف يوقف اللي بيحصل.

أما أنا، فكنت واقفة في مكاني، حاطة رجل على رجل على كرسي صغير عند مدخل العمارة، وبشرب مية بهدوء.

كمال شافني، واندفع ناحيتي.

“إنتي مبسوطة؟! إنتي خربتي بيتي!”

رفعت عيني له وقلت:

“أنا ما خربتش بيتك يا كمال. إنت اللي بنيت بيتك الجديد على فلوسي، وعلى كدبك، وعلى افتراض إن سكوتي معناه إني ضعيفة.”

“إنتي هتندمي!”

“أنا ندمت فعلًا.”

سكت لحظة، فقلتله:

“ندمت إني بعت دهبي عشانك، وندمت إني فرطت في دكانة أبويا، وندمت إني صدقت إنك هتحافظ على عيالك زي ما كنت بتحافظ على نفسك. لكن مش ندمانة إني جيت النهارده أطالب بحقي.”

حاول يقاطعني، لكني كملت:

“إنت طلبت مني أثبت إني اديتك حاجة، وأنا جبت الإثبات. والباقي هيتحسم بالقانون.”

الناس بدأت تتكلم فيما بينها.

واحدة من قرايب كمال قالت:

“يا كمال، هو إنت فعلًا خدت فلوس مراتك؟”

رد بعصبية:

“دي فلوس البيت!”

قلت:

“فلوس البيت ما بتتحولش لملكية شخص واحد لمجرد إنه الراجل. فيه ورق، وفيه حقوق، وفيه محكمة.”

الأستاذ سامح طلب من الناس يسيبوا الممر مفتوح، وبلغ كمال بالإجراءات الرسمية اللي لازم يتعامل معاها.

لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في نزول الجهاز، ولا في إن رنا رفضت تكمل.

المفاجأة كانت في الورقة اللي طلعتها من الملف للمرة التانية.

ورقة عليها توقيع كمال، وتوقيع السمسار، وتاريخ شراء الشقة.

وفي آخرها، إقرار واضح بالمبلغ اللي دفعته أنا من حصيلة بيع ممتلكاتي.

كمال شاف الورقة، ووشه بقى أبيض زي الحيطة.

همس:

“إنتي جبتي الورقة دي منين؟”

قلت:

“من عندي. زي ما إنت قلتلي يومها، الورق هو اللي هيتحسب.”

حاول ياخدها مني، لكن الأستاذ سامح وقف بينا.

“لو سمحت، أي مستندات هتتقدم من خلال المحامين، ومش مسموح إن حد ياخدها بالقوة.”

كمال بص حواليه، وكأنه بيدور على حد ينقذه من الموقف.

حماتي كانت بتزعق، وهالة بتحاول تهديها، وأهل رنا بيجمعوا حاجتهم، والعمال بينزلوا العفش قطعة قطعة.

وفي وسط الزحمة، رنا قربت مني.

كنت متوقعة إنها تهاجمني أو تلومني، لكنها وقفت قدامي وقالت بصوت واطي:

“أنا آسفة.”

بصيتلها باستغراب.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى