
ابتسم.
«آه، وعشنا أيام جميلة كتير. وأنا مش ندمان على حياتي. لكن الإنسان لما يكبر، بيشوف الحاجات اللي كانت قدامه وماخدش باله منها.»
فضلنا نرتب الأوراق، لكني بقيت أفكر في كلامه.
كنت دايمًا مستنية سامح يتغير، ويبقى أحن، ويسألني عن يومي، ويلاحظ تعبي من غير ما أتكلم.
لكن هل أنا نفسي كنت بدي حياتي فرصة تتغير؟
هل كنت بطلب اللي محتاجاه بوضوح، ولا كنت مستنية الناس تفهم من سكوتي؟
وهل كان ينفع أفضل مستنية لحد ما يبقى الوقت متأخر؟
في آخر اليوم، خلصنا ترتيب أول جزء من الأرشيف.
الحاج محمود كان تعبان، فساعدته يرجع للصالون، وجبت له مية.
قبل ما أمشي، ناداني.
«سارة.»
لفيت.
«نعم؟»
قال:
«أنا عايزك تساعديني في حاجة مهمة الأسبوع الجاي.»
«حاضر يا حاج. إيه هي؟»
بص للمكتبة وقال:
«عايز أجمع كل الرسومات والمخططات القديمة في ملف منظم، وأكتب معاها حكاية كل مشروع. مش عايز اللي ييجي بعدي يشوفها مجرد ورق قديم.»
ابتسمت.
«هنعمل كده.»
هز راسه.
«وفي حاجة تانية. عايزك تكتبي معايا.»
اتوترت.
«أنا؟ بس أنا مش بعرف أكتب حكايات.»
رد:
«إنتِ بتعرفي تسمعي، وبتعرفي تسألي. والباقي هنتعلمه.»
رجعت البيت يومها وأنا بفكر في دفتر جديد هجيبه عشان نكتب فيه حكايات المباني القديمة.
ما كنتش عارفة إن الحكاية اللي هنكتبها سوا هتبدأ تكشف حاجات ماكنتش متخيلة وجودها.
الأسبوع اللي بعده، كنت قاعدة مع الحاج محمود في المكتبة، وبنراجع ملفات قديمة.
فتحنا صندوق كبير فيه أوراق متفرقة، ولقيت ملف عليه اسم مشروع سكني قديم اتنفذ في القاهرة من أكتر من أربعين سنة.
قال الحاج محمود:
«المشروع ده كان من أهم مشاريعي. كنا بنحاول نعمل مساكن مريحة للناس، بتكلفة أقل من المعتاد، ومن غير ما نضحي بالجودة.»
بدأ يحكي لي عن المشروع، وعن فريق العمل، وعن التحديات اللي واجهتهم وقت التنفيذ.
وأنا بكتب ملاحظاتي، لاحظت إنه سكت فجأة وهو بيبص لورقة قديمة.
سألته:
«فيه حاجة؟»
قرب الورقة من عينيه، وبدأ يقرا ببطء.
كانت ورقة عليها ختم قديم، وتوقيعات كتير، وفي آخرها ملاحظة بخط إيده.
قال بصوت منخفض:
«غريبة.»
قربت منه.
«إيه اللي غريب؟»
أشار لجزء في الورقة.
«أنا فاكر إن الملف ده اتقفل من سنين. لكن الملاحظة دي بتقول إن فيه مستندات تانية كانت المفروض تتحفظ معاه.»
بدأنا نفتش في الصندوق، وطلعنا أوراق كتير، لكن المستندات اللي بيدور عليها ما كانتش موجودة.
قال:
«ممكن تكون في المخزن الصغير فوق.»
كان فيه مخزن في الدور العلوي، ماكنتش دخلته قبل كده، لأنه مليان صناديق قديمة وأثاث متغطي.
طلعنا ببطء، وأنا ماشية جنبه بحذر عشان السلم كان طويل شوية.
لما وصلنا، فتح الباب، وظهرت غرفة ضيقة مليانة صناديق وملفات.
بدأنا ندور.
بعد حوالي نصف ساعة، لقيت صندوق معدني صغير في آخر الغرفة، وراه مجموعة من اللوحات القديمة.
كان عليه قفل صدئ، لكن الغطاء ماكانش مقفول بإحكام.
فتحته، ولقيت جواه ملفات بنية اللون، ومجموعة صور قديمة، ودفتر أسود صغير.
الحاج محمود قرب من الصندوق، وأول ما شاف الدفتر، ملامحه اتغيرت.
«يا ساتر.»
بصيت له بقلق.
«حضرتك تعرف الدفتر ده؟»
مد إيده وخده بحذر.
«ده دفتر ملاحظاتي من أيام المشروع. كنت فاكر إنه ضاع.»
قلب صفحاته واحدة واحدة، ولما وصل لنص الدفتر تقريبًا، وقف عند صفحة مكتوب فيها تاريخ قديم.
فضل يقرأ، ووشه بيزداد جدية.
قلت:
«فيه إيه؟»
قفل الدفتر للحظة، وبعدين فتحه تاني.
«فيه حاجة هنا كنت ناسيها تمامًا.»
سكت، وكأنه بيحاول يربط بين ذكريات بعيدة.
وبعدين بص لي وقال:
«سارة، هاتي لي الملف البني اللي تحت الصور.»
ناولته الملف.
فتحه، وبدأ يقلب الأوراق.
بعد شوية، رفع عينيه ليا، وكانت نظرته مختلفة.
«أنا محتاج أكلم شريف ومنى.»
قلبي بدأ يدق أسرع.
«ليه؟»
قال بهدوء:
«لأن البيت ده ممكن يكون فيه حاجة أهم من اللي إحنا فاكرينه.»
ما شرحش أكتر.
طلب مني أحط الدفتر والملف على المكتب، ونزلنا للدور الأرضي.
طول الطريق، كنت بحاول أفهم إيه اللي شافه في الأوراق.
لكن الحاج محمود فضل ساكت، ولما وصلنا للمكتب، طلب مني أتصل بشريف وأقوله إن والده عايز يشوفه هو ومنى في أقرب وقت.
قبل ما أمشي، بص لي وقال:
«سارة، لحد ما أفهم الأوراق دي، خليها في مكانها، وما تنقليش أي حاجة من الصندوق.»
هزيت راسي.
«حاضر يا حاج.»
خرجت من البيت وأنا حاسة إن فيه حاجة كبيرة بدأت تتحرك تحت السطح.
حاجة مرتبطة بالماضي، وبالبيت القديم، وبقرار البيع اللي أولاده مستعجلين عليه.
لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان أبسط من كل ده:
إيه اللي ممكن يكون في دفتر مهندس عجوز يخلي نظرته تتغير بالشكل ده؟
بعد يومين، رجعت لبيت الحاج محمود ولقيت شريف ومنى موجودين.
كانوا قاعدين في الصالون، وأمامهم الأوراق اللي لقيناها في المخزن.
شريف كان بيقلب في المستندات بتركيز، ومنى بتتكلم مع أبوها.
«يا بابا، إحنا مش فاهمين إيه علاقة الأوراق دي بموضوع البيت.»
رد الحاج محمود:
«لأن البيت ده اتبنى على أرض كانت مرتبطة بمشروع قديم، والمستندات دي ممكن توضح تفاصيل ملكية جزء من الأرض والملحق الخلفي.»
منى قربت من الأوراق.
«يعني إيه؟»
قال:
«يعني قبل ما نقرر البيع، لازم محامي يراجع كل حاجة. أنا مش هوقّع على أي عقد قبل ما نفهم الوضع القانوني بالكامل.»
شريف رفع عينيه.
«وده معناه إن البيع هيتأجل؟»
«غالبًا.»
منى اتنهدت بضيق.
«يا بابا، إحنا كنا قربنا نخلص الإجراءات.»
بص لها الحاج محمود.
«الإجراءات مش أهم من إننا نعرف إحنا بنبيع إيه بالضبط.»
كنت واقفة بعيد، بحاول ما أتدخلش.
لكن شريف لمحني وقال:
«سارة، إنتِ كنتِ معاه لما لقيتوا الأوراق دي؟»
رديت:
«أيوه، كنا بنرتب الأرشيف، ولقينا الصندوق في المخزن.»
سألني:
«هل قريتي أي حاجة منها؟»
قلت بوضوح:
«أنا قريت العناوين بس، والحاج محمود هو اللي راجع التفاصيل.»
هز راسه، وبعدها رجع يبص للأوراق.
الحاج محمود طلب من شريف يتواصل مع محامٍ متخصص في العقارات، واتفقوا إنهم يراجعوا المستندات قبل أي قرار.
وبعد ما خلصوا كلامهم، منى قامت وجت ناحيتي.
قالت بنبرة أهدى من المرة اللي فاتت:
«أنا آسفة لو كنت ضايقتك قبل كده. إحنا فعلًا خايفين على بابا.»
رديت:
«أنا فاهمة يا مدام منى.»
بصت لي للحظة، وبعدين قالت:
«واضح إنه مرتاح لك. بقاله فترة ما كانش بيتكلم عن الكتب والحديقة بالشكل ده.»
ابتسمت.
«هو اللي علمني أرجع أهتم بالحاجات دي.»
منى سكتت، وبعدها قالت:
«يمكن إحنا كمان كنا محتاجين نقعد معاه أكتر.»
الجملة كانت صادقة، وحسيت إنها بتقولها لنفسها قبل ما تقولها لي.
في اللحظة دي، الحاج محمود نادانا من الصالون.
«يا منى، يا سارة، تعالوا.»
دخلنا، لقيناه ماسك صورة قديمة للمبنى اللي كان اشتغل عليه زمان.
قال:
«أنا عايز أعمل حاجة قبل ما أقرر مصير البيت ده.»
شريف سأله:
«إيه هي؟»
رد:
«عايز أفتح المكتبة والحديقة يوم في الأسبوع، للناس اللي بتحب القراءة، وللشباب اللي بيدرسوا هندسة وعمارة. عندي كتب ومخططات وخبرة مش عايزها تفضل محبوسة بين أربع حيطان.»
منى ابتسمت لأول مرة من يوم ما جت.
«فكرة جميلة يا بابا.»
شريف فكر شوية، وبعدين قال:
«ممكن نحتاج ننظم الموضوع ونشوف التكاليف، بس أنا موافق ندرسه.»
بص الحاج محمود لي.
«وسارة هتساعدنا في ترتيب الكتب، وتسجيل الحكايات اللي ورا كل مشروع.»
اتخضيت.
«أنا؟»
قال:
«أيوه، إنتِ.»
بصيت له، وبعدين بصيت للأوراق اللي على المكتب.
كنت لسه بتعلم أكتب أحلامي في كراسة صغيرة، وفجأة بقيت جزء من مشروع أكبر من مجرد ترتيب مكتبة.
حاجة فيها قراءة وكتابة وتنظيم، وكلها حاجات كنت بحبها من غير ما أعرف إن ممكن يكون ليها مكان في حياتي.
لكن قبل ما أقدر أفرح، شريف قال:
«فيه نقطة لازم نوضحها. لو هنفتح المكتبة للناس، لازم نعرف مين هيتولى إدارتها، وإزاي هنضمن إن كل حاجة تفضل آمنة.»
الحاج محمود ابتسم.
«وده بالضبط اللي هنبدأ نفكر فيه.»
بدأنا نجهز المكتبة من جديد.
شريف جاب نجار يصلح الرفوف المكسورة، ومنى اهتمت بتنظيف الغرف وترتيب الأثاث، وأنا بدأت أعمل فهرس للكتب، وأسجل عناوينها وأسماء مؤلفيها.
الحاج محمود كان بيقعد على كرسيه في نص المكتبة، ويوجهنا، ويحكي لنا عن كل كتاب، وعن الشخص اللي جابه له، وعن البلد اللي اشتراه منها.
كل يوم كان فيه حكاية جديدة.
وفي أثناء الشغل، بدأت علاقتي بأولاده تتغير.
منى بقت تسألني عن تعليمي، ولما عرفت إني ناوية أكمل، عرضت عليّ تساعدني أرتب وقتي، لأنها كانت مدرسة قبل ما تخرج على المعاش.
أما شريف، فكان بيشرح لي بعض الأساسيات في تنظيم الملفات، وعلمني إزاي أستخدم جدول بسيط عشان أتابع الكتب والمخططات.
وفي مرة، وأنا قاعدة بكتب وصف لواحد من المشاريع القديمة، شريف وقف ورايا وبص على الورقة.
قال بإعجاب:
«إنتِ بتكتبي كويس.»
ضحكت.
«دي مجرد ملاحظات.»
رد:
«الملاحظات الكويسة هي اللي بتخلي الناس تفهم الحكاية. إنتِ عندك طريقة واضحة.»
الكلام فرحني، خصوصًا إنه جه من غير مجاملة أو مبالغة.
لكن وسط كل التغييرات دي، كان فيه شيء تاني بيتغير في حياتي.
أنا بدأت أتكلم في البيت.
مش بصوت عالي، ولا بخناقات، لكن بقيت أقول أنا محتاجة إيه، وإيه اللي أقدر أعمله، وإيه اللي مش هقدر عليه.
لما كريم كان يطلب مني أجهز له حاجة في آخر لحظة، بقيت أقول له:
«لو عايزها، لازم تبلغني بدري.»
ولما ملك كانت تطلب مني أغسل هدومها، بقيت أقول لها:
«الغسالة موجودة يا حبيبتي، وأنا هعلمك تستخدمِيها لو مش عارفة.»
وفي البداية، كانوا مستغربين.
لكن بعد فترة، بدأوا يعتمدوا على نفسهم أكتر.
أما سامح، فكان لسه مش مرتاح لفكرة إني بدرس وبقضي وقت في المكتبة.
في إحدى الليالي، كنا قاعدين في الصالة، فقال فجأة:
«إنتِ بقيتي بتقضي وقت طويل بره البيت.»
حطيت الكتاب اللي كنت براجعه على الترابيزة.
«أنا بروح شغلي، وبراجع دروسي في الوقت اللي بقدر عليه.»
رد:
«والمكتبة دي هتفضل كده لحد إمتى؟»
قلت:
«مش عارفة. إحنا بنجهزها عشان تفتح يوم في الأسبوع.»
بص لي باستغراب.
«يعني هتبقي مسؤولة عن مكان كمان؟»
أخدت نفس طويل.
«يا سامح، أنا مش بعمل ده عشان أهرب من البيت. أنا بعمله عشان أتعلم حاجة جديدة، وأحس إن عندي حياة خاصة بيا كمان.»
قال بحدة:
«وأنا رأيي مش مهم؟»
بصيت له بهدوء.
«رأيك مهم، لكن مش معناه إنك تقرر عني كل حاجة.»
سكتنا فترة طويلة.
وبعدين قال:
«أنا مش متعود أشوفك بالشكل ده.»
كانت دي أول مرة يقول جملة خلتني أفكر فيه بدل ما أفكر في نفسي بس.
يمكن هو كمان كان متعود على صورة معينة مني، صورة الست اللي بتوافق، وتعمل كل حاجة، وتخبي تعبها.
ولما الصورة بدأت تتغير، هو ماعرفش يتعامل مع التغيير.
قلت له:
«وأنا كمان مش متعودة أشوف نفسي بالشكل ده.»
ما ردش.
لكن في اليوم التالي، لقيته حاطط لي كوب شاي على المكتب وأنا براجع دروسي.
ما قالش حاجة، وأنا ما علقتش.
لكنها كانت أول مرة من فترة طويلة يحاول يعمل حاجة صغيرة من غير ما أطلبها.
بعد حوالي شهرين، وصلنا لمرحلة إن المكتبة بقت جاهزة تقريبًا.
الرفوف اتنظمت، والكتب اتسجلت، والحديقة بقت فيها ياسمين وريحان ونعناع، والنافورة القديمة اتصلحت، ورجع صوت المية يملأ المكان في الصبح.
الحاج محمود كان فرحان بشكل واضح.
كل ما يدخل المكتبة، يبص حواليه ويقول:
«أنا كنت فاكر إن الحاجات دي خلص دورها.»
وفي يوم، وهو بيتفرج على الرفوف، قال:
«طلع إن اللي بيخلص هو دورنا في حاجة، مش دور الحاجة نفسها.»
ابتسمت.
«يعني إيه يا حاج؟»
قال:
«يعني الكتاب ممكن يفضل ساكت على الرف سنين، لكن أول ما حد يفتحه، يبدأ يعيش من جديد. والخبرة كمان. لو فضلت محبوسة في دماغ صاحبها، هتضيع معاه. لكن لو اتشاركت، ممكن تعيش بعده.»
الكلام أثر فيّ.
لأني بدأت أفهم إن كل اللي اتعلمته من حياتي، حتى التعب والأخطاء، ممكن يكون ليه معنى لو قدرت أستخدمه بشكل مختلف.
في يوم افتتاح المكتبة، جه عدد صغير من الناس: طلبة هندسة، وجيران من المنطقة، وبعض أصدقاء الحاج محمود القدامى.
كان فيه شاب اسمه يوسف، بيدرس في كلية الهندسة، وجاي مخصوص عشان يشوف الرسومات القديمة.
الحاج محمود قعد يحكي لهم عن تصميم المباني، وعن أهمية إن المهندس يفهم احتياجات الناس قبل ما يرسم الحيطان.
وأنا كنت قاعدة على المكتب، بسجل أسماء الزوار، وبساعدهم يوصلوا للكتب اللي محتاجينها.
في آخر اليوم، بعد ما الناس مشيت، الحاج محمود ناداني.
«سارة، تعالي اقعدي.»
قعدت قدامه، وكان باين عليه التعب، لكنه مبتسم.
قال:
«النهارده كان يوم جميل.»
قلت:
«جميل أوي يا حاج.»
بص للمكتبة.
«عارفة أنا كنت خايف من إيه؟»
هزيت راسي.
«إيه؟»
«كنت خايف إن كل اللي عملته في حياتي يتحول في الآخر لمجرد ذكريات محدش يعرف عنها حاجة. كنت خايف أموت، والبيت يتباع، والكتب تتوزع، والرسومات تترمي، وكل اللي قضيت عمري فيه يختفي.»
سكت شوية.
«لكن النهارده، وأنا شايف الشباب بيسألوا وبيكتبوا ملاحظات، حسيت إن حياتي لسه ليها امتداد.»
حسيت بعيني بتدمع.
قلت:
«حضرتك لسه قدامك حاجات كتير تعملها.»
ابتسم.
«أتمنى. لكن حتى لو الوقت قليل، أنا بقيت مطمن إن فيه حاجة هتفضل.»
وبعدين بص لي.
«وإنتِ يا سارة؟»
مسحت دموعي بسرعة.
«أنا إيه؟»
قال:
«إنتِ بقيتي عايشة أكتر من يوم ما دخلتي البيت ده.»
السؤال كان بسيط، لكني حسيت إني محتاجة أجاوب بصدق.
قلت:
«آه. أنا بدأت أرجع لنفسي.»
ابتسم.
«يبقى الشغلانة دي نجحت.»
ضحكت.
«حضرتك اللي علمتني.»
هز راسه.
«أنا بس سألتك سؤال. إنتِ اللي كان عندك الشجاعة تدوري على الإجابة.»
لكن الفرحة ما استمرتش من غير قلق.
بعد أسابيع قليلة، بدأ الحاج محمود يتعب أكتر.
في البداية، كان مجرد إرهاق بعد الظهر، واحتياج لوقت أطول عشان يقوم من الكرسي.
بعدها، بقى ينسى مواعيد بسيطة، وأحيانًا يسأل عن كتاب كنا لسه بنتكلم عنه من شوية.
ماكانش كل نسيان معناه حاجة خطيرة، لكننا قررنا ما نعتمدش على التخمين.
شريف اتصل بالدكتور، واتفقوا على فحص شامل، ومراجعة الأدوية، وتقييم الذاكرة والحركة.
الدكتور زاره في البيت، وتكلم معاه ومع أولاده، وطلب منهم يتابعوا أي تغييرات بشكل منظم.
كنت موجودة وقت الزيارة، لكني التزمت بدوري، وجاوبت بس عن الملاحظات اليومية اللي سجلتها.
بعد الفحص، الدكتور شرح لهم إن التقدم في السن ممكن يصاحبه تغير في الذاكرة والقدرة على الحركة، لكن لازم المتابعة عشان يحددوا السبب والخطوات المناسبة، وإنه ماينفعش يستنتجوا تشخيص من موقف واحد.
الحاج محمود سمع الكلام كله بهدوء.
ولما الدكتور مشي، طلب من شريف ومنى يقعدوا معاه.
قال:
«أنا عايز أتكلم معاكم عن الفترة الجاية.»
منى مسكت إيده.
«إحنا معاك يا بابا.»
هز راسه.
«أنا عارف. وعشان كده عايز نتفق على كام حاجة.»
طلب منهم يفضل البيت مكانًا يقدر يعيش فيه طالما ده آمن ومناسب لحالته، وإنهم يراجعوا الموضوع مع الدكتور بشكل دوري.
ولو جه وقت بقى فيه محتاج رعاية أكبر، عايز القرار يتاخد معاه، وبناءً على احتياجاته الفعلية، مش خوفهم وحده.
واتفقوا كمان إن المكتبة تستمر، وإن الكتب والرسومات تتوثق، وإن أي قرار بخصوص البيت يتأجل لحد ما الصورة القانونية تبقى واضحة.
منى كانت بتسمعه ودموعها في عينيها.
قالت:
«أنا آسفة يا بابا لو حسستك إننا عايزين نخلص من البيت وخلاص.»
رد بحنان:
«أنا عارف إنكم خايفين عليّ. لكن الخوف ساعات بيخلينا ننسى نسأل الشخص اللي بنخاف عليه هو عايز إيه.»
شريف قرب كرسيه من أبوه.
«هنحاول نعمل الأحسن يا بابا.»
الحاج محمود ابتسم.
«وده كل اللي بطلبه.»
كنت واقفة عند باب المكتبة، وبسمع الكلام من بعيد.
وفكرت في نفسي.
كم مرة كنت بعمل حاجات باسم الحب، لكن من غير ما أسأل اللي قدامي هو محتاج إيه فعلًا؟
وكم مرة كنت مستنية حد يفهمني، من غير ما أدي له فرصة يسمعني؟
في الأيام اللي بعدها، بقيت ألاحظ إن الحاج محمود بيحاول يحافظ على روتينه، لكن من غير ما يضغط على نفسه.
كان يقعد في الحديقة وقت الصبح، ويطلب مني أقرأ له شوية، وبعدها يرتاح.
أحيانًا كنا نراجع ملف قديم، وأحيانًا كنا نسكت ونسمع صوت المية في النافورة.
وفي يوم، وأنا بكتب في الكراسة، سألني:
«لسه بتكتبي عن نفسك؟»
ابتسمت.
«آه.»
«وريني.»
ترددت.
«دي حاجات شخصية يا حاج.»




