
«أنا كمان إيه؟»
«إنتِ كمان انشغلتي لحد ما حاجة جواكي ماتت؟»
السؤال خلاني أسكت.
كان سهل أقول له لأ، وأضحك، وأغير الموضوع.
لكن مش عارفة ليه، قدام الراجل ده، كنت بحس إن الكذب على نفسي أصعب من الاعتراف.
قلت بصوت واطي:
«يمكن.»
هز راسه، وماحاولش يواسيني بكلام جاهز.
بس قال:
«يبقى نزرع الاتنين.»
ضحكت وسط دموعي.
«هو حضرتك ناوي تزرعني في الجنينة؟»
ضحك هو كمان، ولأول مرة سمعت ضحكته عالية.
«لا يا ستي، أنا راجل عندي تمانين سنة، مش فاضي للمشاكل دي. أنا هزرع الياسمين، وإنتِ تولّي بالك من نفسك.»
فضلنا نضحك، والشمس كانت بتتحرك فوق رؤوسنا ببطء.
ولما خلصنا، كان الركن القديم بقى فيه حياة بسيطة، شتلات صغيرة، وتراب متساوي، وكرسي نضيف، ونافورة لسه محتاجة إصلاح.
وقفت أبص للمكان، وحسيت بفرحة صغيرة.
فرحة ماكانش ليها علاقة بفلوس ولا بإنجاز كبير.
فرحة إني عملت حاجة بحبها.
ولما رجعت أساعد الحاج محمود يدخل البيت، قال لي:
«سارة، عايز أطلب منك طلب.»
قلت:
«اتفضل يا حاج.»
«من بكرة، أول ربع ساعة من شغلك مش هتعملي فيها أي حاجة تخصني.»
بصيت له باستغراب.
«أمال هعمل إيه؟»
«هتقعدي في الحديقة، تشربي الشاي، وتفكري إنتِ عايزة تعملي إيه لنفسك.»
ضحكت.
«حضرتك بتدفع لي فلوس عشان أقعد أشرب شاي؟»
رد بجدية:
«أنا بدفع لك فلوس عشان تساعديني. وأول مساعدة محتاجها منك إنك تتعلمي إن الراحة مش جريمة.»
ماعرفتش أرد.
لكن من اليوم ده، بقيت كل يوم أقعد ربع ساعة في الحديقة قبل ما أبدأ شغلي.
وفي الأول، كنت بقضيها وأنا بفكر في الغسيل والعشا والفواتير.
وبعد أسبوع، بقيت أبص للشجر.
وبعد أسبوعين، بقيت أجيب معايا كراسة صغيرة وأكتب فيها أي حاجة تيجي على بالي.
وفي يوم، كتبت أول جملة:
«أنا تعبانة، ومش عايزة أفضل تعبانة طول عمري.»
قفلت الكراسة بسرعة، كأني كتبت سر خطير.
لكن الحاج محمود شافني وأنا بحطها في شنطتي.
قال من مكانه:
«كتبتي إيه النهارده؟»
قلت بتوتر:
«ولا حاجة.»
ابتسم.
«يبقى أكيد حاجة مهمة.»
عدت الأيام، وبقيت أعرف عن الحاج محمود حاجات كتير.
عرفت إنه كان مهندس معماري، وإنه شارك في تصميم مبانٍ كبيرة في القاهرة والإسكندرية، وإنه سافر سنين طويلة عشان شغله.
عرفت إنه كان بيحب مراته، سلوى، حب هادي وعميق، وإنها كانت الوحيدة اللي تقدر تقوله إنه غلطان من غير ما يحس إنها بتقلل منه.
وعرفت كمان إن عنده بنت اسمها منى، وابن اسمه شريف، الاتنين عايشين بعيد، وكل واحد عنده شغله وأسرته.
كانوا بيتصلوا بيه من وقت للتاني، ويزوروه على فترات متباعدة، لكنه عمره ما كان بيشتكي منهم.
في مرة، وأنا برتب الأدوية، لقيت علبة صغيرة فيها صور قديمة.
استأذنته قبل ما أفتحها، ولما وافق، قعدنا نتفرج عليها.
في صورة، كان شاب طويل لابس بدلة بسيطة، واقف جنب ست جميلة بتضحك للكاميرا.
قلت:
«دي مدام سلوى؟»
ابتسم بحزن.
«آه. كانت بتضحك كده على طول، حتى لما الدنيا تبقى مقلوبة.»
بصيت للصورة شوية، وبعدين قلت:
«واضح إنها كانت بتحبك أوي.»
فضل ساكت، وبعدها قال:
«كانت بتحبني، بس الأهم إنها كانت شايفاني. مش شايفة المهندس محمود اللي الناس بتصفق له، ولا الراجل اللي عنده فلوس ومشاريع. كانت شايفة محمود نفسه، بكل عيوبه وعناده وخوفه.»
قلب الصورة بين إيديه.
«لما ماتت، اكتشفت إن البيت ممكن يفضل مليان حاجات، لكنه يبقى فاضي جدًا.»
حسيت إن الكلام خارج من مكان موجوع جواه.
قلت:
«وأولاد حضرتك؟»
رفع عينيه للصورة.
«ولادي كويسين. كل واحد عنده حياته. وأنا مش عايز أكون حمل عليهم.»
«بس أكيد محتاجهم.»
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«الاحتياج مش عيب يا سارة. العيب إنك تخبي احتياجك لحد ما الناس تفتكر إنك مش محتاجهم.»
فضلت الجملة دي معايا طول اليوم.
لأن ده بالضبط اللي كنت بعمله.
كنت بزعل من جوزي لأنه مبقاش يسألني عني، لكن لما كان بيسألني أحيانًا: «مالك؟» كنت برد: «مفيش.»
كنت مستنية عيالي يحسوا بتعبي، لكن لما كانوا يعرضوا يساعدوني، كنت أقول لهم: «سيبوا، أنا هعملها أسرع.»
كنت عايزة حد يشيل عني، وفي نفس الوقت كنت بمنع أي حد يقرب من الحمل.
في الليلة دي، وأنا بجهز العشا، كريم دخل المطبخ ووقف جنبي.
«ماما، إنتِ كويسة؟»
بصيت له باستغراب.
«آه، ليه؟»
«مش عارف. حاسس إنك ساكتة اليومين دول.»
ابتسمت تلقائيًا وقلت:
«أنا كويسة يا حبيبي، متقلقش.»
كان هيخرج، لكني افتكرت كلام الحاج محمود.
«العيب إنك تخبي احتياجك لحد ما الناس تفتكر إنك مش محتاجهم.»
ناديت عليه قبل ما يمشي.
«كريم.»
لف ناحيتي.
«نعم يا ماما؟»
اترددت شوية، وبعدين قلت:
«ممكن تساعدني بعد العشا في ترتيب المطبخ؟ أنا مرهقة النهارده.»
بص لي باستغراب بسيط، كأنه أول مرة يسمعني بطلب منه حاجة بالشكل ده.
وبعدين ابتسم وقال:
«طبعًا يا ماما.»
الكلمة كانت صغيرة، لكنها خلتني أحس إني أخيرًا فتحت شباك مقفول من سنين.
بعد حوالي شهر من بداية شغلي، حصلت حاجة ماكنتش متوقعاها.
وصلت بيت الحاج محمود في معادي المعتاد، لكن لقيت البوابة مفتوحة، وفيه عربية فخمة واقفة قدام المدخل.
دخلت وأنا مستغربة، وسمعت أصوات كلام جاي من الصالون.
كان فيه راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة غالية، وست في نفس عمره تقريبًا، قاعدين قدام الحاج محمود.
عرفت من الصور إن الراجل ده ابنه شريف، والست بنته منى.
منى كانت ماسكة ورق، وبتتكلم بصوت منخفض لكنه حاد.
«يا بابا، إحنا مش بنضغط عليك. إحنا بس شايفين إن البيت كبير عليك، وإن الأفضل إنك تنتقل لمكان يكون فيه رعاية طبية طول الوقت.»
الحاج محمود كان قاعد مستقيم، وإيده على العصاية.
«أنا عندي رعاية، وعندي دكتور بيتابعني.»
شريف رد:
«يا بابا، إحنا بنتكلم عن مصلحتك. إنت بقيت تنسى حاجات، وممكن تقع في أي وقت.»
حسيت إني دخلت في وقت مش مناسب، فكنت هارجع، لكن الحاج محمود شافني وناداني.
«سارة، تعالي.»
دخلت بخطوات مترددة.
منى بصت لي من فوق لتحت، وبعدين سألت:
«مين دي؟»
رد الحاج محمود ببساطة:
«سارة. بتساعدني في البيت.»
قالت منى:
«آه، اللي نادية جابتها.»
كان في نبرة كلامها شيء خلاني أحس إني متهمة من غير ما أعرف التهمة إيه.
شريف قام من مكانه ومد إيده لي.
«أهلًا يا أستاذة سارة. إحنا كنا بنتكلم عن ترتيبات رعاية الوالد.»
سلمت عليه وقلت:
«أهلًا بحضرتك.»
منى رجعت تبص لأبوها.
«إحنا عايزين نعرف تفاصيل الشغل اللي بتعمليه هنا، ومواعيد وجودك، وكل الأدوية اللي بتديهاله.»
الحاج محمود رد بهدوء:
«سارة مش مسؤولة عن قراراتي الطبية. دي بتساعدني في الحاجات اليومية، والدكتور هو اللي مسؤول عن الدواء.»
شريف اتنهد.
«يا بابا، إحنا مش ضد البنت. إحنا بس لازم نبقى مطمنين.»
بصيت للحاج محمود، لقيته هادي، لكن عينيه اتغيرت.
قال:
«الاطمئنان حقكم، وأنا مش همنعكم من زيارتي ولا من الاطلاع على أي تقارير طبية. لكن مش من حق حد يقرر عني لمجرد إني كبرت.»
منى حطت الورق على الترابيزة.
«إحنا مش هنسيبك تعيش لوحدك في البيت ده وأنت في السن ده.»
رد عليها:
«وأنا مش هسيبكم تحوّلوا خوفي من الوحدة إلى سبب تسلبوني بيه اختياري.»
الصمت نزل على المكان.
ماعرفتش أتصرف. كنت مجرد موظفة، وماكانش من حقي أتدخل في خلاف عائلي.
لكن قبل ما أخرج، سمعت منى بتقول:
«على الأقل لازم نعرف البنت دي مين، وإيه ظروفها. إحنا مش هنسمح لأي حد يستغل وحدتك يا بابا.»
وقفت مكاني.
الجملة وجعتني، رغم إني كنت عارفة إن من حقهم يقلقوا على أبوهم.
الحاج محمود رد بصوت هادي، لكنه كان حاسم:
«أنا اللي اخترت سارة، وأنا اللي هقرر إذا كنت مرتاح في التعامل معاها ولا لأ. ولو في يوم حسيت إنها مش مناسبة، هأنهي الاتفاق بنفسي.»
وبعدين بص لي.
«سارة، ممكن تحضري الشاي؟»
دخلت المطبخ، وإيدي بتترعش شوية.
ماكنتش زعلانة لأنهم شكوا فيّ بس، لكن لأنني خفت على الشغلانة اللي بدأت أحس إنها أكتر من مجرد مصدر دخل.
خفت يرجع البيت ساكت زي الأول.
وخفت أخسر المكان اللي بدأت أرجع فيه لنفسي.
بعد حوالي نص ساعة، مشي شريف ومنى، لكن قبل ما منى تخرج، وقفت عند باب المطبخ وقالت لي:
«أنا عارفة إنك بتشتغلي عشان الفلوس، وده حقك. بس بابا كبير في السن، وأي تصرف منك لازم يكون واضح.»
بصيت لها بهدوء.
«حضرتك عندك حق تقلقي عليه. وأنا مش هنا غير عشان شغلي. كل حاجة بطلبها أو بعملها معاه بتكون بعلمه.»
هزت راسها، لكنها ما ردتش.
ولما الباب اتقفل، رجعت للصالون وقدمت الشاي.
الحاج محمود كان باصص من الشباك.
قلت له:
«أنا آسفة يا حاج. واضح إن وجودي سبب لهم قلق.»
لف ناحيتي بسرعة.
«إنتِ مالكيش ذنب في قلقهم.»
«بس أنا مش عايزة أكون سبب مشكلة بينك وبين ولادك.»
فضل ساكت شوية، وبعدين قال:
«عارفة يا سارة، لما كنت صغير، كنت فاكر إن المسؤولية معناها إنك تمنع كل الناس اللي بتحبهم من إنهم يزعلوا. كبرت واكتشفت إن ده مستحيل. ساعات الناس اللي بتحبك هتزعل منك، حتى لو كنت بتعمل الصح.»
قعدت على الكرسي المقابل.
«طب أعمل إيه؟»
«تعملي شغلك بأمانة، وتحافظي على حدودك، وما تسمحيش لحد يشكك في نفسك لمجرد إنه خايف.»
وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة.
«وبكرة ما تنسيش تجيبي معاك الكراسة.»
ضحكت رغم كل اللي حصل.
«حضرتك لسه فاكر الكراسة؟»
«أنا فاكر كل حاجة مهمة.»
وبعدين سكت لحظة، وقال جملة ما فهمتش معناها إلا بعد فترة:
«وعندي إحساس إنك هتكتبي فيها قريب حاجة هتغير حياتك.»
بعد الموقف ده، بقيت منى تتصل بالحاج محمود كل يوم تقريبًا، وتسأله عن صحته وأكله ودوائه.
في الأول، كان بيتضايق من كثرة الأسئلة، لكنه مع الوقت بدأ يتجاوب معاها.
أما شريف، فكان بيزور أبوه كل نهاية أسبوع، وأحيانًا كان يقعد معاه بالساعات يتكلموا عن البيت القديم والمشاريع اللي اشتغلوا عليها زمان.
كنت سعيدة إنهم قربوا منه، لأن الوحدة اللي كان عايش فيها ماكانتش سهلة.
لكن في نفس الوقت، كنت حاسة إن وجودي بقى تحت المراقبة.
كنت بسجل مواعيد الدواء بدقة، وبكتب أي ملاحظة عن صحته في دفتر واضح، وبخلي كل حاجة قدام عينيه.
الحاج محمود لاحظ التغيير.
في يوم، وأنا بكتب ملاحظة في الدفتر، قال:
«إنتِ متوترة.»
قلت:
«مش عايزة حد يفهم إني بعمل حاجة غلط.»
رد:
«الأمانة مش معناها إنك تعيشي طول الوقت بتثبتي إنك أمينة.»
بصيت له.
«بس الناس ممكن تظلمك.»
قال بهدوء:
«وده سبب يخليكِ تكوني واضحة، مش سبب يخليكِ تخافي من كل الناس.»
سكت، وبعدها أضاف:
«وبالمناسبة، أنا كلمت الدكتور، وطلبت منه يعمل لي تقييم كامل للذاكرة والحركة. عايز أعرف حالتي بالضبط، مش عشان أولادي قالوا، لكن عشان أنا نفسي أبقى مطمن.»
فرحت بقراره.
«ده أحسن شيء يا حاج.»
هز راسه.
«وأنا عايزك تعرفي إنك مش مطالبة تكوني طبيبة، ولا ممرضة، ولا مسؤولة عن صحتي. لو حصل أي تغيير، لازم نرجع للدكتور.»
كانت كلماته بتخليني أفهم إن المساعدة الحقيقية مش معناها إن الإنسان يشيل كل شيء لوحده.
وإن الحب، حتى بين الناس اللي مش من عيلة واحدة، لازم يكون فيه حدود تحمي الطرفين.
في أحد الأيام، وصلت لبيت الحاج محمود ولقيته قاعد في المكتبة، قدامه مجموعة كبيرة من الأوراق والرسومات القديمة.
كان وشه شاحب شوية، لكنه أول ما شافني ابتسم.
«تعالي يا سارة. عندي لك مفاجأة.»
قربت من المكتب، ولقيت رسمة كبيرة لمبنى قديم، مرسومة بقلم رصاص بدقة مدهشة.
قلت بإعجاب:
«إيه الجمال ده! حضرتك اللي رسمتها؟»
«آه. ده أول مشروع كبير اشتغلت عليه بعد ما اتخرجت.»
قعدت جنبه وبدأ يحكي لي عن أيام الجامعة، وعن أول مرة وقف فيها في موقع بناء، وعن أخطاء عملها واتعلم منها، وعن أستاذه اللي كان بيقول له إن المهندس الشاطر مش اللي يبني مبنى جميل بس، لكن اللي يفهم الناس اللي هتعيش جواه.
كان بيتكلم بحماس، وعينيه الرمادي رجع فيها بريق غريب.
بعد شوية، سألني:
«إنتِ خلصتي تعليمك لحد فين؟»
قلت:
«ثانوية عامة. كنت نفسي أكمل، لكن الظروف ما سمحتش.»
رفع حاجبه.
«ليه؟»
اترددت.
«أبويا تعب وقتها، وبعدها اتجوزت بدري، وبعدين خلفت كريم وملك. كل مرة كنت بقول هكمل السنة الجاية، لحد ما السنين عدت.»
بص لي شوية، وبعدين سأل:
«وإنتِ لسه نفسك تكملي؟»
ضحكت بحرج.
«أنا عندي كام سنة دلوقتي يا حاج؟»
رد بسرعة:
«ده مش جواب.»
سكت.
كنت بخاف من السؤال ده، لأن الإجابة عليه كانت هتجبرني أعترف لنفسي إني لسه عندي أحلام، رغم كل السنين اللي عدت.
قلت أخيرًا:
«آه. نفسي.»
ابتسم.
«يبقى ليه ما تدرسيش؟»
هزيت راسي.
«الموضوع مش سهل. عندي بيت ومسؤوليات، وبعدين مين هيشيل المصاريف؟»
قال:
«أنا مش هقول لك إن الموضوع سهل، لأن ده مش حقيقي. لكن نقدر نفكر في خطوات صغيرة.»
فتح درج المكتب، وطلع ورقة بيضاء وقلم.
«أول حاجة، نعرف إنتِ محتاجة إيه عشان تكملي تعليمك. ثاني حاجة، نشوف المواعيد المناسبة لشغلك. ثالث حاجة، تتكلمي مع أسرتك بوضوح.»
بصيت له باستغراب.
«حضرتك بتتكلم كأن الموضوع سهل.»
ضحك.
«لا، أنا بتكلم كأنه ممكن.»
الكلمة دي كانت مختلفة.
طول عمري كنت بسمع من الناس إن الوقت فات، وإن مسؤولياتي كتير، وإن الأحلام دي بتاعة البنات الصغيرة، وإن الست بعد ما تتجوز وتخلف لازم تركز في بيتها.
لكن أول مرة حد يقول لي إن حلمي مش مستحيل، وإنه يستحق على الأقل إني أفكر فيه.
رجعت البيت يومها وأنا شايلة الورقة اللي كتبنا عليها الخطوات.
ولما سامح شافني بطلعها من شنطتي، سألني:
«إيه الورقة دي؟»
قلت بتردد:
«كنت بتكلم مع الحاج محمود عن إني أكمل تعليمي.»
بص لي لحظات، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة.
«تكملي تعليمك؟ دلوقتي؟»
حسيت بوجهي سخن.
«آه. بفكر في الموضوع.»
رد وهو بيرجع يبص للتلفزيون:
«يا سارة، إحنا عندنا عيال ومسؤوليات. مش ناقصين نفتح على نفسنا باب جديد.»
وقفت قدامه، وأنا بحاول أحافظ على هدوئي.
«أنا مش هسيب مسؤولياتي. أنا بس عايزة أشوف إذا كان فيه طريقة أعمل بيها حاجة لنفسي.»
قال بلهجة ضيق:
«هو إنتِ ناقصك إيه؟ البيت موجود، والعيال موجودين، وأنا مش مقصر في الأكل والشرب.»
الكلمات دي كانت كفيلة إنها تخليني أسكت زمان.
لكن المرة دي، خدت نفس طويل وقلت:
«أنا مش بتكلم عن الأكل والشرب يا سامح. أنا بتكلم عني أنا.»
بص لي بحدة، كأنه أول مرة يسمعني أتكلم بالطريقة دي.
«وإيه اللي اتغير فجأة؟»
السؤال خلاني أفكر.
إيه اللي اتغير فعلًا؟
أنا اللي اتغيرت، ولا أنا بس بدأت أسمع صوتي بعد سنين من السكوت؟
قلت بهدوء:
«يمكن مفيش حاجة اتغيرت. يمكن أنا بس بدأت أفهم إني لسه موجودة.»
وسبت الورقة على الترابيزة، ودخلت أوضتي.
ماكانش ده انتصار كبير، ولا انتهت المشكلة.
لكن للمرة الأولى، ما اعتذرتش عن رغبتي في إني أكون إنسانة ليها أحلام.
مرت أسابيع، وبدأت أبحث عن طرق أقدر أكمل بيها تعليمي من غير ما أهمل شغلي أو بيتي.
كنت بقضي وقت الراحة في بيت الحاج محمود وأنا براجع الأوراق، وأحيانًا كان يساعدني في تنظيم وقتي.
كان عنده عقل مرتب بشكل مدهش، وكل مشكلة عنده تتحول إلى خطوات صغيرة ممكن تتنفذ واحدة واحدة.
في يوم، دخلت عليه وأنا فرحانة.
«يا حاج محمود! لقيت طريقة أقدر أبدأ بيها.»
رفع عينيه من الجريدة.
«احكي.»
قعدت قدامه وشرحت له إني عرفت إن فيه فرصة أراجع المواد اللي فاتتني وأستعد للامتحانات، وإن الموضوع محتاج وقت ومجهود، لكنه مش مستحيل.
كان بيسمعني باهتمام، ولما خلصت، قال:
«مبروك يا سارة.»
ضحكت.
«لسه ما عملتش حاجة.»
رد:
«لا، إنتِ عملتي حاجة مهمة جدًا. إنتِ بطلتِ تقولي مستحيل، وبدأتي تسألي إزاي.»
فضلت مبتسمة، لحد ما لاحظت إنه سرح فجأة، وبص للورق اللي قدامه.
سألته:
«مالك يا حاج؟»
هز راسه.
«مفيش. بس افتكرت حاجة.»
«إيه؟»
اتنهد وقال:
«أنا لما كنت في سنك، كنت فاكر إن عندي وقت كتير. كنت بأجل زيارة، وأأجل مكالمة، وأأجل قعدة مع مراتي، وأقول لما أخلص المشروع هعوض كل ده.»
سكت، وبعدين كمل:
«وبعدين المشاريع خلصت، والوقت عدى، وفضلت حاجات كتير ما اتعملتش.»
بصيت له بحزن.
قال:
«أنا مش عايزك تبقي زيي في الحتة دي. لو عندك حاجة نفسك تعمليها، ما تستنيش لحد ما الظروف تبقى مثالية. ابدئي باللي تقدري عليه.»
في اللحظة دي، رن تليفونه.
بص للشاشة، ولقيته اسم منى.
رد، وبدأ يتكلم معاها عن موعد زيارة الدكتور.
لكن بعد دقائق، سمعت صوته يتغير.
«إيه؟ ليه؟»
سكت وهو بيسمع، وبعدين قال:
«منى، أنا مش موافق على ده من غير ما أفهم التفاصيل.»
قفل المكالمة، وحط التليفون على المكتب.
سألته بقلق:
«فيه حاجة يا حاج؟»
فضل ساكت لحظات، وبعدها قال:
«أولادي عايزين يبيعوا البيت.»
حسيت كأن حد سحب الأرض من تحتي.
«يبيعوه؟»
هز راسه.
«بيقولوا إن صيانته مكلفة، وإن الأفضل نبيعه ونشتري لي شقة صغيرة قريبة منهم، أو أدخل مكان رعاية مناسب.»
قلت بسرعة:
«بس حضرتك مش عايز تسيبه.»
بص ناحية الشباك، للحديقة اللي بدأنا نزرعها سوا.
«أنا مش متعلق بالطوب يا سارة. أنا عارف إن البيت كبير، وإنه محتاج صيانة، وإنه ممكن يكون أصعب عليّ مع الوقت. لكني مش عايز حد يقرر مكاني لمجرد إنه شايف إن سني معناه إني مبقتش أفهم.»
سكت شوية.
«وفي حاجة تانية.»
بصيت له.
«إيه هي؟»
قال:
«البيت ده مش مجرد ذكريات. فيه جزء من شغلي القديم، ورسومات ومخططات ودفاتر قضيت عمري أجمعها. ولو اتباع من غير ما نرتب كل حاجة، ممكن تضيع.»
بصيت للمكتبة اللي وراه.
كانت مليانة كتب وملفات وصناديق صغيرة.
وفجأة فهمت ليه كان بيحافظ على كل شيء.
هو ماكانش بيحاول يعيش في الماضي، زي ما كنت فاكرة.
كان بيحاول يحافظ على جزء من حياته لسه ما اتحكاش.
في اليوم اللي بعده، وصلت بدري، ولقيت الحاج محمود قاعد قدام المكتب، وحواليه صناديق كرتون فاضية.
قال لي:
«النهارده مش هنقرأ روايات.»
ضحكت.
«أمال هنعمل إيه؟»
أشار للصناديق.
«هنرتب الأرشيف.»
بدأنا بالمكتبة، وكنت بطلع الكتب واحدة واحدة، وهو بيقول لي إيه اللي نحتفظ بيه وإيه اللي ممكن يتنقل لمكان تاني.
لقينا رسومات لمبانٍ قديمة، وخطابات شكر من جهات اشتغل معاها، وصور من سفره، ودفاتر مكتوب فيها ملاحظات هندسية بخط صغير ومنظم.
وفي صندوق خشب قديم، لقيت مجموعة رسائل مربوطة بشريط أزرق.
سألته:
«دي إيه يا حاج؟»
بص للصندوق، وملامحه هديت.
«خطابات سلوى.»
ما فتحتهاش.
كنت هحط الصندوق في مكانه، لكنه قال:
«استني.»
قربت منه.
مسك واحدة من الرسائل، وفضل يقلبها بين إيديه.
«دي أول رسالة كتبتها لي بعد ما اتجوزنا. كنت مسافر شغل في أسوان، وهي كانت لسه في بيت أبوها. كنا بنتكلم في التليفون، لكن هي كانت بتحب تكتب.»
ابتسم وهو بيبص للخط.
«كانت بتقول لي إنها مش محتاجة هدايا غالية، وإنها نفسها أرجع بدري وأقعد معاها من غير ما أبص في الساعة كل خمس دقايق.»
سكت.
«كنت أفتكر إن كل ده كلام عاطفي، وإن الأهم إني أوفر لها حياة كويسة. وكنت فعلًا بحاول. لكن ساعات كنت بنسى إن الحياة الكويسة مش مجرد بيت واسع وفلوس.»
حط الرسالة في الصندوق.
«كنت بقول لها بعدين. بعدين نخرج، بعدين نسافر، بعدين نقعد نتكلم براحتنا.»
رفع عينيه ليا.
«لحد ما بقى مفيش بعدين.»
حسيت إن قلبي اتقبض.
قلت:
«بس حضرتك عشتوا مع بعض سنين طويلة.»




