
رفع إيده باستسلام.
«براحتك. مش هقرأ حاجة من غير إذنك.»
ضحكت، وبعدها فتحت الكراسة على صفحة كنت كاتبة فيها:
«أنا مش مطالبة أكون قوية طول الوقت. ومش لازم أستحق الراحة بأنهي كل حاجة قبلها. أنا أستحق أعيش حتى لو لسه فيه شغل ما خلصش.»
ناولته الكراسة.
قرأ الكلام ببطء، وبعدين رجعها لي.
قال:
«احتفظي بالجملة دي.»
سألته:
«ليه؟»
«عشان غالبًا هتحتاجي تفتكريها في أيام صعبة.»
قفلت الكراسة، وحطيتها في شنطتي.
وبعدين سألته:
«يا حاج، هو حضرتك عمرك ندمت إنك قضيت وقت كبير في الشغل؟»
فكر طويلًا قبل ما يرد.
«مش ندمان على شغلي، ولا على اللي بنيته. لكني ندمان على الأوقات اللي كنت أقدر أكون فيها مع سلوى، واخترت بدلها إني أخلص حاجة مش مستعجلة.»
بص ناحية الحديقة.
«كنت فاكر إن الحب مضمون، وإن الناس اللي بتحبنا هيفضلوا مستنيينا لحد ما نفضى.»
سكت.
«لكن مفيش حد مضمون له بكرة. عشان كده، لو بتحبي حد، قولي له. ولو محتاجة حاجة، اطلبيها. ولو زعلانة، اتكلمي قبل ما الزعل يتحول لحائط.»
بصيت له وأنا بفكر في سامح.
كنت محتاجة أتكلم معاه بجد، مش عشان أجبره يتغير، لكن عشان أعرف إذا كنا نقدر نبدأ من جديد.
في الليلة نفسها، بعد ما العيال ناموا، قعدت مع سامح في الصالة.
التلفزيون كان مقفول، وده كان شيء نادر.
قلت له:
«ممكن نتكلم شوية؟»
بص لي.
«خير؟»
«أنا مش عايزة نتخانق. أنا عايزة أقول لك حاجة من زمان.»
سكت، فبدأت أتكلم.
قلت له إني بقيت حاسة إننا عايشين في بيت واحد، لكن كل واحد فينا في عالم لوحده.
إني مش زعلانة من مسؤوليات البيت، لكني زعلانة إني بقيت أتحسَب على المسؤوليات دي بس.
إني محتاجة منه يسألني عن يومي، ويسمعني لما أكون تعبانة، وإنه يعرف إني لما بطلب مساعدة مش معناها إني مقصرة.
وإني مش عايزة أكمل تعليمي عشان أسيبه أو أهرب من حياتنا، لكن عشان نفسي أتعلم وأكبر وأكون فخورة بنفسي.
سامح فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال:
«أنا كنت فاكر إنك مرتاحة كده.»
ابتسمت بحزن.
«عشان أنا عمري ما قلت لك إني مش مرتاحة.»
رد:
«كنتِ دايمًا بتقولي مفيش حاجة.»
قلت:
«كنت بخاف أتكلم، وبعدين اتعودت على السكوت.»
حط إيده على ركبته، وبص للأرض.
«أنا كمان اتعودت إن كل حاجة بتتعمل. كنت برجع من الشغل ألاقي البيت جاهز، والأكل جاهز، والعيال متابعين دراستهم. ما فكرتش مين اللي بيعمل كل ده.»
ماكانش اعتذار كامل، لكنه كان أول مرة يعترف فيها إنه ماكانش شايف الصورة كلها.
قال بعد شوية:
«أنا مش عارف أقدر أساعدك في التعليم إزاي، ولا عارف هننظم الوقت إزاي.»
رديت:
«ممكن نبدأ بحاجة بسيطة. العيال يساعدوا في شغل البيت، وإنت كمان تشيل مسؤوليتك. وأنا هحاول أنظم وقتي.»
هز راسه ببطء.
«نجرب.»
ما حضنّاش بعض، وما حصلش تحول سحري في علاقتنا.
لكن لأول مرة من سنين، اتكلمنا من غير ما أحاول أخفي زعلي، ومن غير ما هو يقفل الكلام بجملة تنهي النقاش.
وقبل ما نقوم، قال لي:
«سارة، أنا آسف إني ماخدتش بالي.»
بصيت له، وحسيت بدموعي بتنزل.
«أنا كمان آسفة إني فضلت ساكتة لحد ما بقيت بعيدة عنك.»
ماكانش عندنا ضمان إن كل حاجة هتتصلح.
لكن كان عندنا أخيرًا بداية حقيقية.
مرّت شهور، وبقى يوم المكتبة معروف في المنطقة.
الشباب ييجوا يقروا، والطلبة يستفيدوا من الكتب والرسومات، وبعض الجيران يجيبوا كتب قديمة يتبرعوا بيها.
شريف اتولى متابعة الصيانة والإجراءات القانونية، ومنى بدأت تعمل لقاءات صغيرة عن القراءة والكتابة.
وأنا بقيت مسؤولة عن فهرسة الكتب، وتنظيم الزيارات، وكتابة الحكايات اللي كان الحاج محمود بيحكيها عن مشاريعه.
في البداية، كنت بخاف أغلط في أي كلمة.
لكن مع الوقت، بقيت أكتب بثقة أكبر، وأراجع اللي كتبته، وأسأل لما ما أفهمش.
وبدأت أستعد لامتحاناتي بجد.
كنت بصحى بدري أراجع ساعة قبل ما العيال يصحوا، وأذاكر في وقت الراحة بالمكتبة، وأخصص جزء من الليل للمراجعة.
سامح بدأ يساعد في بعض شغل البيت، وكريم وملك اتعلموا إن البيت مش مسؤولية شخص واحد.
أحيانًا كنت بتعب، وأحيانًا كنت بتضايق لما الوقت ما يكفيش، لكن الفرق إني ما بقيتش أعتبر التعب دليل على إن حلمي غلط.
كنت أتعلم أوازن، وأطلب المساعدة، وأقبل إن بعض الحاجات ممكن تستنى.
أما الحاج محمود، فكانت أيامه بتختلف.
في أيام كان حاضر الذهن، يحكي لنا حكايات طويلة عن حياته، ويضحك على مواقف قديمة.
وفي أيام تانية، كان بيتعب بسرعة، ويحتاج يقعد في هدوء.
كنا بنتعامل مع كل يوم حسب قدرته، وبنرجع للدكتور لما نلاحظ أي تغيير يستدعي المتابعة.
وفي كل الأحوال، ماكانش حد بيعامله كأنه فقد حقه في الاختيار لمجرد إنه كبر.
كان ليه رأيه، وقراراته، ووقته اللي يحب يقضيه بالطريقة اللي تريحه.
وفي صباح هادي، كنت قاعدة جنبه في الحديقة، بقرأ له من كتاب جديد.
قاطعني وقال:
«سارة، فاكرة أول يوم جيتي فيه هنا؟»
ضحكت.
«أيوه. حضرتك قلت لي إني بتحرك بسرعة.»
ابتسم.
«وإنتِ قلتي إن دي طبيعة حياتك.»
هزيت راسي.
«كنت فاكرة إن ده الطبيعي.»
بص للشتلات اللي كبرت، والياسمين اللي بدأ يطلع أول زهوره.
«أهو، اتعلمتي إن الإنسان ممكن يغير حاجات كان فاكرها جزء ثابت منه.»
سكت شوية، وبعدها قال:
«أنا عايز أوريك حاجة.»
طلب مني أساعده يدخل المكتبة، وبعدها فتح درج مكتبه، وطلع ظرف أبيض كبير.
كان مكتوب عليه اسمي.
بصيت له باستغراب.
«ده إيه؟»
قال:
«افتحيه.»
فتحت الظرف، ولقيت جواه ورقة مكتوبة بخط إيده، ومعاها نسخة من اتفاق مكتوب بينه وبين أولاده بخصوص استمرار المكتبة، وتنظيم العمل فيها، وحفظ الأرشيف.
وفي آخر الورقة، كان كاتب:
«إلى سارة، التي دخلت هذا البيت وهي تظن أنها جاءت لتساعد رجلًا عجوزًا على قضاء يومه، ثم اكتشفت معه أن الإنسان لا يفقد حقه في الحياة لمجرد أنه نسي نفسه فترة طويلة.»
وقفت عند الجملة، وعيني اتملت بالدموع.
كمل الحاج محمود:
«أنا عايزك تكملي شغلك هنا طالما إنتِ حابة، وطالما ظروفك تسمح. وعايزك تعرفي إن كل اللي اتعلمتيه من الكتب والحديقة والكلام اللي بينا، ده حقك ومجهودك. مش هدية مني.»
بصيت له.
«بس حضرتك ساعدتني أبدأ.»
ابتسم.
«وأنا كمان إنتِ ساعدتيني أبدأ.»
استغربت.
«أنا؟»
هز راسه.
«آه. قبل ما تيجي، كنت فاكر إن دوري خلص، وإن اللي فاضل من حياتي مجرد انتظار هادي. وجودك فكّرني إن الإنسان يقدر يعمل حاجة مفيدة حتى لو مش قادر يعمل كل حاجة كان بيعملها زمان.»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«بس عايزك توعديني بحاجة.»
قلت بسرعة:
«أي حاجة يا حاج.»
رد بجدية:
«ما تخليش حياتك كلها تبقى حوالين حياة حد تاني، حتى لو الشخص ده أنا.»
مسكت الورقة بإيدي.
«مش هعمل كده.»
ابتسم.
«كويس. لأنك لو رجعتي تنسي نفسك عشان ترضي كل الناس، يبقى أنا ما علمتكش حاجة.»
ضحكت وسط دموعي.
وبعدين قعدت جنبه، وبصينا من الشباك للحديقة.
الياسمين كان مزهر، والنافورة صوتها هادي، والكتب ورا ضهرنا مترتبة في مكانها.
حسيت إن البيت اللي دخلته أول مرة كأنه متوقف عند زمن قديم، بقى دلوقتي مكان بيجمع الماضي بالحاضر.
مكان فيه ذكريات، لكن فيه كمان بداية جديدة.
جاء يوم امتحاني الأول، وكنت متوترة جدًا.
في الصبح، صحيت بدري، وراجعت آخر جزء من المنهج، وبعدها جهزت شنطتي.
سامح كان صاحي، ولما شافني، قال:
«راجعتِ كل حاجة؟»
قلت:
«تقريبًا.»
ابتسم.
«يبقى روحي وإنتِ عاملة اللي عليكِ.»
كريم جه من أوضته، ومد لي زجاجة مية.
«خدي يا ماما، عشان ما تنسيش تشربي.»
أما ملك، فحضنتني وقالت:
«هتعمليها يا ماما.»
خرجت من البيت وأنا حاسة بخوف، لكن الخوف المرة دي ماكانش بيمنعني.
كان بس دليل إني داخلة تجربة جديدة.
بعد الامتحان، رجعت بيت الحاج محمود قبل معادي المعتاد، وأنا ماسكة ورقة صغيرة فيها ملاحظات كتبتها بعد ما خلصت.
أول ما شافني، سأل:
«ها؟»
ضحكت.
«الحمد لله، عملت اللي قدرت عليه.»
رفع إيده كأنه بيهنيني.
«أهو ده المهم.»
قعدت جنبه في الحديقة، وحكيت له عن الامتحان، وعن سؤال كان صعب، وعن جزء افتكرت إجابته في آخر لحظة.
كان بيسمعني باهتمام، ولما خلصت، قال:
«عارفة إيه أحسن حاجة في النهارده؟»
قلت:
«إيه؟»
«إنك ما قلتيش إنك كبيرة على الامتحان، ولا إن الوقت فات. إنتِ رحتي وخضتي التجربة.»
ابتسمت.
«كنت خايفة جدًا.»
رد:
«الشجاعة مش إنك ما تخافيش. الشجاعة إنك ما تسيبيش الخوف يقرر مكانك.»
فضلنا قاعدين لحد ما الشمس بدأت تميل، وبعدين رجعت البيت وأنا حاسة إن اليوم ده هيفضل علامة مهمة في حياتي.
مش لأن الامتحان كان سهل.
لكن لأنني أخيرًا عملت حاجة كنت بأجلها من سنين.
بعد فترة، ظهرت نتيجة أول امتحاناتي، ونجحت.
لما عرفت، فضلت أبص للنتيجة على الموبايل كذا مرة، كأني مش مصدقة.
اتصلت بمنى، وبعدها شريف، وبعدين رحت بيت الحاج محمود ومعايا نسخة مطبوعة من النتيجة.
دخلت المكتبة وأنا بضحك وبعيط في نفس الوقت.
«يا حاج محمود!»
رفع عينيه من الكتاب.
«خير يا سارة؟»
حطيت الورقة قدامه.
«نجحت!»
فضل يبص للورقة، وبعدين بص لي، وابتسم ابتسامة كبيرة.
«كنت عارف.»
ضحكت.
«لا، حضرتك ماكنتش عارف حاجة.»
قال بثقة:
«كنت عارف إنك هتحاولي بجد.»
وبعدين قام ببطء، مستعينًا بعصايته، ومد إيده يصافحني.
«مبروك يا سارة.»
سلمت عليه، وبعدها قعدنا نتكلم عن الخطوة اللي بعدها.
كان مبسوط بشكل خلاني أحس إن نجاحي مش مجرد نتيجة في ورقة، لكنه بداية لطريق طويل.
وفي آخر اليوم، لما كنت بجهز أمشي، ناداني.
«سارة.»
لفيت.
«نعم؟»
قال:
«اكتبي في كراستك النهارده.»
ضحكت.
«أكتب إيه؟»
رد:
«اكتبي إنك قدرتِ.»
رجعت البيت، وفتحت الكراسة، وكتبت:
«أنا قدرت أبدأ. ولسه الطريق طويل، لكني مش واقفة في مكاني زي زمان.»
وبعدين قفلت الكراسة، وحطيتها على المكتب، وأنا لأول مرة من سنين مش حاسة إن المستقبل مجرد قائمة مسؤوليات لازم أخلصها.
كان فيه حاجة أستناها.
حاجة أنا اللي اخترتها.
لكن الحياة ما بتديش كل حاجة من غير ما تاخد مننا حاجة تانية.
مع بداية الشتاء، صحة الحاج محمود بقت أضعف، وبقى يحتاج راحة أطول خلال اليوم.
الدكتور كان بيتابعه، وأولاده بقوا موجودين بشكل منتظم، واتفقوا على خطة رعاية تناسب حالته، مع مراجعة مستمرة لأي احتياجات جديدة.
المكتبة استمرت، لكننا قللنا ساعات فتحها، وبقينا ننظم الزيارات حسب قدرته.
في يوم بارد، كنت قاعدة جنبه في الصالون، وهو متغطي ببطانية خفيفة، والكتاب مفتوح على رجليه.
قال لي:
«سارة، اقري لي الصفحة اللي وقفنا عندها.»
فتحت الكتاب وبدأت أقرأ.
كنت بقرأ ببطء، وهو مغمض عينيه، لكني كنت عارفة إنه بيسمعني.
بعد شوية، وقفني وقال:
«الجملة دي.»
رجعت للسطور وقرأت:
«ليس كل ما نفقده يرحل تمامًا، فبعض الأشياء تترك فينا أثرًا يجعلنا نرى العالم بطريقة مختلفة.»
فتح عينيه وبص لي.
«الجملة دي عجبتني من أول مرة سمعناها.»
ابتسمت.
«وأنا كمان.»
سكت شوية، وبعدها قال:
«أنا عايزك تفتكري حاجة يا سارة. لما كنتِ بتيجي هنا أول مرة، كنتِ فاكرة إنك جاية تشتغلي عند راجل عجوز وحيد.»
هزيت راسي.
«آه.»
«لكن الحقيقة إن كل واحد فينا كان محتاج حاجة من التاني. إنتِ كنتِ محتاجة حد يفكرك إن ليكي حياة، وأنا كنت محتاج حد يفكرني إن الحياة لسه فيها حاجات ممكن تتعمل.»
عيني دمعت.
«حضرتك عملت لي أكتر بكتير من كده.»
هز راسه بهدوء.
«أنا ما عملتش حياتك مكانك. إنتِ اللي رجعتي لها.»
مسكت إيده برفق.
«بس وجودك فرق معايا.»
ابتسم.
«وده كفاية.»
في اللحظة دي، ماكنتش محتاجة أقول كلام كتير.
كنت عارفة إن فيه أشخاص بيدخلوا حياتنا لفترة، لكن أثرهم بيكمل معانا سنين.
وإن مش كل علاقة مهمة لازم تكون طويلة، ولا كل شخص بيغير حياتنا لازم يكون من عيلتنا.
أحيانًا، شخص واحد يسألك سؤالًا ما سألهولكش حد قبل كده، فيخليك تبدأ تشوف نفسك من جديد.
في صباح يوم هادي، وصلت البيت، ولقيت منى مستنياني عند البوابة.
أول ما شافتني، ابتسمت، لكن كان واضح على وشها إنها متأثرة.
قالت:
«صباح الخير يا سارة.»
«صباح النور. الحاج محمود كويس؟»
ردت:
«هو مرتاح دلوقتي. تعالي، عايزين نتكلم شوية.»
دخلنا الصالون، وكان شريف قاعد جنب أبوه.
الحاج محمود كان صاحي، وبص لي بابتسامة هادية.
«تعالي يا سارة، اقعدي.»
قعدت جنبه.
شريف قال:
«إحنا كنا بنتكلم مع بابا عن مستقبل المكتبة.»
قلبي انقبض للحظة، لكني حاولت أسمع للآخر.
كمل:
«قررنا إننا نعمل اتفاق واضح لاستمرارها، ونخلي إدارتها اليومية مسؤولية فريق صغير، وإنتِ تكوني من ضمنه، لو ده مناسب لك.»
بصيت له باستغراب.
منى ابتسمت وقالت:
«إحنا شايفين إنك أكتر واحدة عارفة الكتب والأرشيف، وبابا مرتاح لطريقتك في التعامل مع المكان.»
الحاج محمود أضاف:
«وطبعًا ده شغل له مواعيد ومهام واضحة، وحقك فيه محفوظ. مش عايزك تفتكري إنك لازم توافقي عشان أنا طلبت.»
بصيت لهم، وكنت حاسة بفرحة كبيرة، لكني ما استعجلتش في الرد.
سألت عن التفاصيل، وعن الوقت المطلوب، وعن الأجر، وعن إزاي أوازن بين المكتبة وتعليمي وبيتي.
شريف جاوبني بوضوح، ومنى اقترحت نبدأ بساعات محددة، وبعدها نراجع التجربة.
وفي النهاية، وافقت.
مش لأنني كنت خايفة أضيع الفرصة، لكن لأنني كنت عارفة أنا بوافق على إيه، وإيه اللي أقدر ألتزم بيه.
بعد ما شريف ومنى مشيوا، قعدت مع الحاج محمود في الحديقة.
قلت له:
«فاكر أول يوم جيت فيه هنا؟»
ابتسم.
«طبعًا.»
«أنا يومها كنت محتاجة الفلوس بس.»
هز راسه.
«وأنا كنت محتاج حد يساعدني في يومي.»
ضحكت.
«وماكانش حد فينا يعرف إن الموضوع هيوصل لكده.»
بص للياسمين وقال:
«الحياة مش دايمًا بتدينا اللي بندور عليه بنفس الشكل. ساعات بندخل باب عشان سبب، ونكتشف وراه حاجة تانية.»
سكت شوية، وبعدين قال:
«بس أهم حاجة إنك ما تنسيش نفسك تاني.»
ابتسمت.
«مش هنسى.»
في آخر أيام الربيع، كانت الحديقة مليانة ياسمين، والمكتبة بقت مكان معروف للناس اللي بتحب القراءة.
كنت خلصت جزء كبير من دراستي، وبقيت أقدر أساعد الطلبة في تنظيم أبحاثهم والوصول للمراجع المناسبة، وبدأت أكتب حكايات قصيرة عن المباني القديمة والناس اللي عاشوا فيها.
سامح بقى يشارك أكتر في البيت، وعلاقتنا اتحسنت بالتدريج، مش من غير خلافات، لكن بقى فيه كلام بدل السكوت، ومحاولات بدل الانتظار.
كريم وملك بقوا يعتمدوا على نفسهم، وبقينا نقعد مع بعض أحيانًا من غير ما يكون فيه طلبات أو شغل لازم يخلص.
أما الحاج محمود، فكان يقضي وقتًا أطول في الراحة، لكنه كان سعيدًا كلما سمع صوت الشباب في المكتبة، أو عرف إن كتابًا قديمًا ساعد طالبًا في بحثه.
وفي يوم، طلب مني أجيب له كراستي.
جبتها، وقعدت جنبه.
قال:
«عايزك تقري لي أول حاجة كتبتيها فيها.»
فتحت الكراسة، وقلبت الصفحات لحد ما وصلت لأول جملة.
«أنا تعبانة، ومش عايزة أفضل تعبانة طول عمري.»
قرأتها بصوت عالي، وبعدين بصيت له.
ابتسم.
«كنتِ صادقة أوي يومها.»
قلت:
«كنت موجوعة.»
رد:
«والنهارده؟»
فكرت شوية، وبعدين قلت:
«النهارده لسه بتعب، ولسه بخاف، ولسه فيه أيام بحس فيها إني مش قادرة. بس بقيت أعرف أطلب المساعدة، وأعرف أرتاح من غير ما ألوم نفسي، وأعرف إن مش كل حاجة لازم تتعمل في نفس اللحظة.»
هز راسه برضا.
«يبقى اتعلمتي.»
بصيت له وقلت:
«وأنت يا حاج؟ اتعلمت إيه؟»
فضل ساكت شوية، وبعدين قال:
«اتعلمت إن البيت مش الحيطان اللي بنبنيها، ولا الكتب اللي بنجمعها، ولا المشاريع اللي بنفتخر بيها. البيت الحقيقي هو المكان اللي تقدر تكون فيه على طبيعتك، من غير ما تضطر تثبت إنك قوي طول الوقت.»
ابتسمت.
«يبقى المكتبة دي بيت حقيقي.»
ضحك بهدوء.
«أيوه يا سارة. وأتمنى تفضل كده.»
في اللحظة دي، سمعت صوت الجرس.
قمت عشان أفتح، ولما رجعت، كان الحاج محمود باصص للحديقة من الشباك.
قعدت جنبه، وفضلنا ساكتين ش




