
كان لابس بدلة سودا، لكن ملامحه كانت مختلفة عن الليلة اللي أعلن فيها الطلاق.
ما كانش فيه جمهور.
ولا موسيقى.
ولا كاسات مرفوعة.
كان فيه ترابيزة طويلة، ومحامون، وأوراق.
ولأول مرة من سنين، إيلينا ما كانتش قاعدة جنبه.
كانت قاعدة قصاده.
أدريان وقف لحظة لما شافها.
كان متوقع إنها تكون متوترة، أو غاضبة، أو حتى تحاول تتجنب النظر إليه.
لكنها رفعت عينيها وقالت بهدوء:
“صباح الخير.”
رد بعد ثانية:
“صباح الخير.”
قعد في الكرسي المقابل.
بدأ المحامون الاجتماع بمراجعة المستندات المطلوبة، وتم الاتفاق على طريقة تسليمها وتوثيقها، وعلى مراجعة أي التزامات إدارية قديمة باسم إيلينا.
كل شيء كان يسير بصورة رسمية ومنظمة.
وبعد حوالي ساعة، طلب أدريان الحديث معها على انفراد.
إيلينا بصت لمحاميها.
سامح قال:
“ممكن نديكم خمس دقايق، بشرط يكون الكلام متعلقًا بالموضوع، وأنا موجود في الغرفة المجاورة.”
إيلينا وافقت.
خرج المحامون، وبقي أدريان وإيلينا في القاعة.
فضل أدريان ساكتًا لحظات.
وبعدين قال:
“إنتِ شكلك كويس.”
إيلينا ردت ببساطة:
“الحمد لله.”
“ساكنة فين؟”
“ده مش موضوع الاجتماع.”
هز راسه، كأنه كان متوقع الرد.
“أنا مش عارف أبدأ منين.”
إيلينا حطت القلم على الترابيزة.
“ابدأ من اللي عايز تقوله.”
أدريان بص لها طويلًا.
“أنا كنت فاكر إنك هترجعي.”
“عارفة.”
“كنت فاكر إنك هتزعلي، وهتتخانقي معايا، وبعدها هنتكلم ونحل الموضوع.”
إيلينا فضلت ساكتة.
كمل:
“لكن إنتِ خرجتي من القصر، وما طلبتيش حاجة، وما حاولتيش حتى تخليني أغير رأيي.”
إيلينا بصت له مباشرة.
“كنت عايزني أعمل إيه؟”
أدريان اتنهد.
“مش عارف. يمكن كنت مستني أشوف إن الموضوع فارق معاكي.”
لأول مرة، ظهرت على وشها ابتسامة حزينة.
“إنت كنت محتاج تشوفني بترجاك عشان تصدق إن جوازنا كان فارق معايا؟”
ما ردش.
قالت:
“أنا فضلت ست سنين أحاول أحافظ على بيتنا. ست سنين كنت بقول لنفسي إنك مشغول، وإن ضغط الشغل بيخليك عصبي، وإنك لما تهدى هتعرف إني كنت بحاول أساعدك.”
أدريان نزل عينه.
“أنا عارف إنك عملتي كتير.”
“لأ، إنت عارف دلوقتي إن فيه حاجات كتير اتعطلت بعد ما مشيت. لكن ده مش نفس معنى إنك كنت شايفني وأنا موجودة.”
الجملة خلته يرفع عينه بسرعة.
إيلينا كملت من غير ما تعلي صوتها:
“لما كنت براجع عقد لحد الفجر، كنت بتدخل تسألني خلصتي ولا لأ. ما كنتش بتسألني تعبانة ولا لأ. لما كنت بأجل شغلي عشان أرافقك في اجتماع، كنت بتعتبر ده طبيعي. ولما كنت أقولك إن فيه قرار محتاج مراجعة، كنت بتعتبرني بعطل خططك.”
“مش كل مرة.”
“مش كل مرة، صحيح. وده اللي خلاني أفضل. لأن كان فيه أيام كويسة، وكان فيه لحظات حسيت فيها إنك فعلًا بتحبني. كنت بتمسك في اللحظات دي، وأقول لنفسي إن الباقي ممكن يتصلح.”
أدريان قرب بجسمه من الترابيزة.
“أنا ما كنتش عايز أوجعك بالطريقة دي.”
إيلينا ردت بهدوء:
“لكن إنت اخترت تعملها.”
سكت.
“إنت رتبت حفلة، ودعيت الناس، ووقفت قدامهم، وأعلنت إن جوازنا انتهى. ما سألتنيش. ما اتكلمتش معايا قبلها. ما ادتنيش حتى فرصة أعرف إنك وصلت للقرار ده.”
“كنت غاضبًا.”
“من إيه؟”
فتح فمه، لكنه ما لاقاش إجابة.
لأن الحقيقة إنه كان غضبان من حاجات كتير، لكنه اختار أسهل شخص يوجه له غضبه.
إيلينا.
الست اللي كان متأكد إنها هتفضل موجودة مهما حصل.
قال بعد صمت:
“فيكتوريا كان ليها تأثير في اللي حصل.”
إيلينا ما اتفاجئتش.
“وإنت قررت تسمع كلامها.”
“أنا غلطت.”
“أيوه.”
أدريان رفع عينه.
كان متوقع منها إنها تقول له إن كل شيء ممكن يتصلح، أو إنها تسأله إذا كان لسه بيحبها.
لكنها ما عملتش أي حاجة من دي.
قال:
“إنتِ مش عايزة تعرفي أنا ندمان على إيه؟”
ردت:
“لو إنت ندمان على إنك خسرت الشخص اللي كان بيساعدك في شغلك، فده موضوع. ولو ندمان على إنك أهنت مراتك قدام مائتين شخص، فده موضوع تاني. وأنا مش هقدر أختار مكانك.”
أدريان فضل باصص لها.
وبعدين قال بصوت أوطى:
“أنا ندمان على الاتنين.”
إيلينا ما ردتش فورًا.
لأنها كانت تتمنى تسمع الجملة دي من زمان.
لكن سماعها دلوقتي ما محاش اللي حصل.
قالت:
“أنا مش هقدر أرجع لمجرد إنك اعترفت بغلطك. الاعتراف بداية، مش نهاية.”
أدريان هز راسه ببطء.
“إنتِ عايزة إيه مني؟”
“إنك تحترم قراري. وإنك ما تستخدمش شغلي القديم ضدي. وإن كل مستند يخص الشركات يتسلم رسميًا. وإن إجراءات الطلاق تمشي من غير ضغط.”
“وبس؟”
إيلينا وقفت.
“بالنسبة للشغل والطلاق، أيوه.”
أدريان قام هو كمان.
“وإحنا؟”
السؤال خرج منه قبل ما يفكر.
إيلينا بصت له طويلًا.
“إحنا انتهينا بالطريقة اللي إنت اخترتها في الحفلة. دلوقتي أنا بحاول أتعافى من اللي حصل.”
وبعدها لمت أوراقها.
وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب وقالت:
“أدريان، أنا ما كنتش محتاجة إمبراطوريتك. أنا كنت محتاجة جواز أحس فيه إني شريكة، مش مجرد شخص بيشتغل في الخلفية عشان إنت تظهر قدام الناس.”
خرجت، وسابت الباب يقفل بهدوء وراها.
وأدريان فضل واقف مكانه.
ما حاولش يناديها.
المرة دي، فهم على الأقل إن نداءه وحده مش كفاية.
في الأيام التالية، بدأت المراجعة الداخلية تكشف تفاصيل جديدة.
المراسلات القديمة أظهرت إن إيلينا كانت قد اعترضت أكثر من مرة على تجديد بعض العقود قبل مراجعة الأطراف المرتبطة بها.
وفي كل مرة، كان الاعتراض يُرفع إلى الإدارة، ثم يعود الملف بتوجيه باستكمال الإجراءات.
بعض الموافقات كانت صحيحة، وبعضها كان ناقصًا، وفي حالات أخرى، لم تكن هناك وثائق كافية لإثبات أن المراجعة تمت بالشكل المطلوب.
لم يكن هناك دليل حتى تلك اللحظة على أن شخصًا واحدًا مسؤول عن كل الأخطاء، لكن الصورة كانت كافية لإقناع أدريان بأنه لا يستطيع الاكتفاء بتغيير اسم الموظف المسؤول.
كان لازم يفهم اللي حصل فعلًا.
طلب من فريق مستقل مراجعة العقود، ووقف مؤقتًا أي تجديد غير ضروري، وطلب من كل مدير تقديم سجل واضح بالإجراءات التي وافق عليها خلال السنوات الماضية.
القرار أثار غضب بعض المديرين.
واحد منهم، اسمه ريكاردو، دخل مكتبه بعد الظهر وقال:
“إحنا مش محتاجين نعيد فحص كل حاجة من البداية. المجموعة شغالة من سنين.”
أدريان رد:
“والنتيجة إننا مش عارفين مين وافق على إيه.”
“الموضوع كله بسبب خروج إيلينا. لو كانت موجودة، كانت هتخلص الملفات.”
أدريان رفع عينه له.
“ما تستخدمش اسمها كعذر.”
ريكاردو سكت.
أدريان كمل:
“أنا عايز أعرف ليه التحفظات اللي قدمتها ما اتنفذتش. وعايز أعرف مين كان مسؤول عن كل قرار. لو فيه خطأ، هنصلحه. ولو فيه حد تجاوز صلاحياته، هيتحاسب وفق القانون.”
ريكاردو حاول يبتسم.
“طبعًا. أنا معاك.”
لكن أدريان لاحظ إنه ما فتحش الملف اللي جابه معاه، وإنه كان مستعجل يخرج.
بعد الاجتماع، طلب مراجعة سجل المراسلات المرتبطة بريكاردو.
ما كانش عنده دليل على حاجة محددة، لكنه بدأ يفهم إن الثقة وحدها مش نظام إدارة.
وإنه لو عايز يحافظ على شركاته، لازم يعرف الحقيقة حتى لو الحقيقة مش على هواه.
أما إيلينا، فكانت بدأت أول خطوة فعلية في حياتها الجديدة.
بعد ما خلصت إجراءات تسليم الملفات، تواصلت مع زميلة قديمة اسمها نادين، كانت بتدير مكتب استشارات إدارية صغير.
نادين استقبلتها بترحاب كبير.
“أنا مش مصدقة إنك رجعتي أخيرًا.”
إيلينا ابتسمت.
“رجعت للشغل، مش للمشاكل.”
نادين ضحكت.
“الشغل فيه مشاكل، بس على الأقل هنا هنقدر نقول لأ.”
عرضت عليها إدارة مشروع لمراجعة النظام المالي والإداري لشركة عائلية متوسطة الحجم.
المشروع ما كانش ضخمًا، وما كانش فيه قصر أو سيارات فاخرة أو اجتماعات يحضرها مائتين شخص.
لكنه كان شغلًا حقيقيًا، بأجر واضح، ومهام محددة، وعقد مكتوب.
إيلينا قرأت العقد مرتين.
سألت عن ساعات العمل.
وعن حدود مسؤوليتها.
وعن طريقة اتخاذ القرارات.
نادين بصت لها وهي بتبتسم.
“إنتِ بتراجعي العقد كأنك بتشتري شركة.”
إيلينا ردت:
“أنا اتعلمت إن التفاصيل الصغيرة هي اللي بتحدد إذا كنت هعرف أنام مرتاحة ولا لأ.”
وقعت العقد.
ولما خرجت من المكتب، كانت الشمس نازلة على المباني، والشارع مليان ناس راجعة من شغلها.
وقفت قدام باب العمارة، وطلعت تليفونها.
كانت عايزة تبعت لأختها رسالة، لكنها غيرت رأيها واتصلت بيها.
“جوليا، أنا بدأت شغل جديد.”
صوت أختها ارتفع من الفرحة.
“بجد؟! مبروك يا إيلينا!”
إيلينا ضحكت.
“شكرًا.”
“هتحتفلي إزاي؟”
بصت على الشارع، وبعدها قالت:
“هشتري لنفسي عشا حلو، وأرجع البيت أتفرج على فيلم.”
جوليا ضحكت.
“ده احتفال بسيط جدًا.”
“أنا عايزاه بسيط.”
لأول مرة، ما كانتش محتاجة إن حد يعلن نجاحها قدام الناس.
كانت كفاية إنها هي عارفة إنها بدأت من جديد.
لكن في قصر موريتي، كانت فيكتوريا بتكتشف إن الأمور مش ماشية بالطريقة اللي خططت لها.
وصلها اتصال من ريكاردو، وكان صوته متوترًا.
“أدريان بدأ يراجع كل العقود القديمة.”
فيكتوريا كانت واقفة في مكتبها، قدام شاشة كبيرة عليها تقارير مالية.
“وده متوقع. هو بيحاول يلاقي تفسير لاختفاء إيلينا.”
“الموضوع أكبر من كده. طلبوا كل المراسلات، وكل الموافقات، وحتى الملفات اللي اتقفلت من سنين.”
فيكتوريا سكتت لحظة.
“إنت عندك مشكلة في أوراقك؟”
“مش أنا لوحدي.”
“يعني إيه؟”
“فيه عقود اتجددت بناءً على موافقات الإدارة، لكن بعض المستندات المرفقة ناقصة. ولو المراجعة وصلت للملفات دي، هيبدأوا يسألوا مين اللي جهزها.”
فيكتوريا مشيت ناحية المكتب.
“اسمعني كويس. أي ورقة اتوقعت بشكل صحيح، مفيش داعي للقلق منها. وأي نقص في المستندات يتعالج من خلال الإجراءات القانونية. ما تتكلمش مع حد خارج الفريق.”
ريكاردو رد بقلق:
“أنا مش هتحمل المسؤولية لوحدي.”
فيكتوريا شدّت على التليفون.
“محدش قال إنك هتتحملها لوحدك.”
“أنا محتاج أعرف إن الاتفاق اللي بينا لسه قائم.”
فيكتوريا بصت من الشباك، وفضلت ساكتة ثواني.
“هنقفل المكالمة دلوقتي. وهكلمك لما أراجع الوضع.”
قفلت.
وبعدها فتحت درجًا مقفولًا في مكتبها، وطلعت ملفًا قديمًا عليه اسم مجموعة موريتي.
في أول الملف، كانت فيه نسخة من مراسلة أرسلتها إيلينا قبل سنة ونص، بتحذر فيها من تجديد عقد معين قبل استكمال مراجعة ملكية الشركة المتعاقدة.
وفي آخر المراسلة، كان فيه رد من الإدارة بالموافقة على استمرار الإجراءات.
فيكتوريا كانت تعرف إن المراسلة موجودة.
وكانت تعرف إن إيلينا اعترضت.
لكنها ما كانتش تعرف إن أدريان طلب مراجعة كل الملفات من البداية.
قفلت الملف بسرعة، وحطته في الدرج.
لأول مرة، بدأت تحس إن محاولتها لإبعاد إيلينا عن أدريان ممكن تفتح بابًا هي نفسها مش مستعدة تشوف اللي وراه.
بعد ثلاثة أسابيع، كان مكتب الاستشارات اللي بدأت إيلينا تشتغل فيه مليان أوراق وملاحظات.
كانت قاعدة في غرفة الاجتماعات مع نادين، وبيراجعوا النتائج الأولية للمشروع الجديد.
إيلينا كانت مركزة في الأرقام، بتشرح إزاي الشركة ممكن تقلل المصروفات من غير ما تضغط على الموظفين، وإزاي توضح الصلاحيات بين الإدارات عشان ما يتكررش نفس الخطأ أكتر من مرة.
نادين كانت بتسمعها باهتمام.
ولما خلصت، قالت:
“إنتِ عارفة إنك ممكن تبني مكتب خاص بيكي بعد فترة؟”
إيلينا رفعت عينيها.
“مكتب خاص بيا؟”
“أيوه. عندك خبرة، وعندك طريقة شغل منظمة، والناس اللي اشتغلوا معاكي قبل كده بيشهدوا لك. إنتِ بس محتاجة تدي نفسك فرصة.”
إيلينا سكتت.
فكرة إنها يكون عندها مشروعها الخاص كانت بتخوفها، لكنها في نفس الوقت كانت بتشدها.
طول عمرها كانت بتساعد شخصًا آخر يبني إمبراطوريته.
يمكن جه الوقت تبني حاجة باسمها هي.
قالت:
“مش عايزة أستعجل.”
نادين ابتسمت.
“مش لازم تستعجلي. بس ما ترفضي الفكرة لمجرد إنك خايفة.”
إيلينا هزت راسها.
وفي اللحظة دي، رن تليفون المكتب.
نادين ردت، وبعد ثواني رفعت عينيها ناحية إيلينا.
“فيه عميل بيسأل عنك بالاسم.”
إيلينا استغربت.
“مين؟”
نادين غطت سماعة التليفون بإيدها.
“ممثل قانوني لشركة موريتي.”
إيلينا حست بانقباض بسيط في صدرها، لكنه ما استمرش طويلًا.
قالت:
“اسأليه إذا كان عنده موعد.”
نادين رجعت للتليفون، وبعدها قالت:
“هو بيقول إن الموضوع عاجل، وإنه محتاج يتكلم معاكي بخصوص ملف قديم.”
إيلينا فكرت لحظة.
ثم ردت:
“بلّغيه إن أي موضوع يخص فترة عملي السابقة لازم يتبعت للأستاذ سامح، وإن مفيش عندي اجتماعات غير محددة بموعد وجدول أعمال.”
نادين نقلت الرد، وقفلت المكالمة.



