روايات وقصص

زعيم المافيا حكايات صافي هاني

بعد لحظة، سامح سألها:

“فيه حاجة تانية مضايقاكي؟”

بصت لإيديها.

“فيه حاجة مش عارفة أقولها.”

“خدي وقتك.”

“أنا مش زعلانة عشان الطلاق بس. أنا زعلانة عشان اكتشفت إني قضيت ست سنين بحاول أكون الشخص اللي أدريان محتاجه، ونسيت أسأل نفسي إذا كان هو أصلًا شايفني.”

سامح ساب القلم من إيده.

“وإنتِ شايفة إنك كنتِ بتتنازلي عن نفسك؟”

“كنت بقول لنفسي إن كل مرة أتنازل فيها عن حاجة صغيرة، ده عشان البيت يستقر. مرة أعتذر بدل ما هو يعتذر. مرة أسكت عشان اجتماع مهم. مرة أأجل شغلي عشان سفر مفاجئ. مرة أقبل إنه يقرر عني مين أشوف ومين ما أشوفش، بحجة إن الناس اللي حواليه خطر.”

عينيها لمعت، لكنها ما عيطتش.

“وفي الآخر، وقف قدام الناس وقال إن جوازنا انتهى، كأنه بيعلن انتهاء عقد إيجار.”

سامح قال بهدوء:

“يمكن أصعب حاجة في اللي حصل إنك اكتشفتي إنك كنتِ بتحاولي تحافظي على حاجة هو مستعد يفرط فيها قدام الناس.”

إيلينا أخدت نفسًا طويلًا.

“أنا مش عايزة أرجع له عشان يعتذر، ولا عشان يطلب مني أرجع أدير شركاته. أنا عايزة أرجع أعيش حياتي من غير ما كل قرار آخده يبقى رد فعل على مزاجه.”

سامح قفل الملف.

“يبقى ده اللي هنشتغل عليه.”

قبل ما تقوم، سألته:

“هل ممكن يطالبني بتعويض أو يتهمني إني تسببت في خسائر الشركات؟”

“أي حد ممكن يقدم ادعاء، لكن الادعاء شيء وإثباته شيء تاني. المهم إنك ما تتصرفيش في أي مستند مش من حقك، وما تخفيش أي حاجة مطلوبة قانونًا، وكل تواصل يكون موثقًا.”

“وده اللي هعمله.”

خرجت إيلينا من المكتب وهي حاسة إن فيه حملًا صغيرًا اتشال من على صدرها.

لكنها ما كانتش تعرف إن في نفس الوقت، في مكتب أدريان، كان فيه تقرير بيتراجع للمرة التالتة، وإن اسمها ظهر فيه في مكان ما كانش متوقعه.

في مساء اليوم نفسه، دخل ماركو مكتب أدريان ومعاه ملف سميك.

“خلصت المراجعة الأولية.”

أدريان أشار له يقعد.

“اتكلم.”

ماركو فتح الملف.

“شركة فيكتوريا مسجلة من أربع سنين. نشاطها الأساسي استشارات مالية وإدارية. لحد هنا مفيش مشكلة.”

“وبعدين؟”

“فيه شركتان متعاقدتان معاها، واحدة منهم بتقدم خدمات لوجستية لشركات شحن مرتبطة بالمجموعة.”

“مرتبطة إزاي؟”

“فيه عقود خدمات قديمة، وبعضها اتجدد من خلال إدارتنا.”

أدريان سأل:

“هل إيلينا كانت تعرف؟”

“أيوه. لقيت مراسلات منها بتطلب مراجعة شروط التعامل مع إحدى الشركات قبل التجديد.”

أدريان مد إيده للورق.

“وإيه اللي حصل؟”

“التوصية اللي خرجت من مكتبها كانت تأجيل التوقيع لحد ما تتراجع الملكية الفعلية للشركة.”

“اتنفذت التوصية؟”

ماركو ما ردش بسرعة.

“لأ.”

أدريان رفع عينه.

“مين اللي وافق على التجديد؟”

ماركو قلب الصفحة.

“المدير التنفيذي السابق، بناءً على موافقة مكتوبة من مكتبك.”

أدريان سكت.

“موافقة مكتوبة مني؟”

“الموافقة موجودة في الملف.”

أدريان مد إيده وأخذ الورقة.

كان عليها توقيع يشبه توقيعه، وتاريخ يرجع لسنة ونص.

لكنه افتكر إنه في اليوم ده كان مسافرًا خارج البلاد، وإنه ما حضرش الاجتماع اللي الورقة بتقول إنه وافق فيه على التعاقد.

بص للتوقيع مرة، واتنين.

وبعدها قال بصوت منخفض:

“مين جهز الورقة دي؟”

ماركو رد:

“لسه بنراجع.”

أدريان قام من مكانه ومشي لحد الشباك.

لأول مرة، ما كانش غضبه كله موجه لإيلينا.

كان فيه سؤال أكبر بدأ يظهر قدامه.

لو إيلينا حذرتهم من التعاقد، والورق اتجاوز تحذيرها، وإن توقيعه موجود على موافقة هو مش فاكرها، يبقى مين كان بيقرر فعلًا في غيابه؟

رجع للترابيزة.

“عايز كل المراسلات المتعلقة بالشركة دي من أول يوم دخلت فيه المجموعة.”

ماركو قال:

“ده ممكن ياخد وقت.”

“خد الوقت اللي تحتاجه. ومحدش يعرف إننا بنراجع الملف ده.”

ماركو قفل الملف.

وقبل ما يخرج، قال:

“فيه حاجة تانية.”

أدريان بص له.

“إيلينا سلمت إخطارًا رسميًا لمحامي المجموعة، بتطلب فيه إنهاء أي مسؤولية إدارية متبقية عليها، وتسليم المستندات وفق محضر استلام.”

أدريان حس إن الكلام ضايقه أكتر مما كان متوقعًا.

“يعني هي بتجهز نفسها للطلاق بجد.”

ماركو رد بهدوء:

“أعتقد إنها بدأت ترتب حياتها من غيرنا.”

أدريان لف ناحيته بسرعة.

“من غيرنا؟”

ماركو فهم إنه أخطأ في اختيار الكلمة، لكنه ما تراجعش.

“من غير القصر والشغل وكل حاجة كانت مرتبطة بيك.”

أدريان قرب من المكتب.

“ماركو، أنا مش محتاج تفسيرات نفسية. أنا محتاج أعرف هي فين.”

“لو عرفنا مكانها، هنعمل إيه؟”

السؤال خرج من ماركو بهدوء، لكنه ملأ المكتب كله.

أدريان فضل باصص له.

وبعد لحظة طويلة قال:

“هتكلم معاها.”

ماركو هز راسه.

“طيب. لما تحب تتكلم معاها، خلي الكلام يكون على أساس إنها ليها حق تختار تسمعك أو لأ.”

أدريان ما ردش.

لكن لما ماركو خرج، فضل يفكر في الجملة.

إيلينا ليها حق تختار.

طول ست سنين، كان بيتعامل مع اختياراتها كأنها حاجات ممكن يعيد ترتيبها وقت ما يحب.

كان فاكر إن وجودها جنبه معناه إنها موافقة على كل حاجة.

وإن سكوتها معناه إنها راضية.

وإنها لو اتضايقت، هتستنى لحد ما يقرر هو يصلح الأمور.

ما خطرش في باله إنها ممكن توصل للحظة تبطل فيها تستنى.

بعد أسبوع، كان أدريان في اجتماع مع مجلس إدارة المجموعة.

الاجتماع بدأ بمراجعة الوضع المالي، وبعدها انتقلوا لموضوع التمويل.

مدير البنك حضر بنفسه، ومعاه مستشار قانوني.

قال مدير البنك:

“إحنا مستعدين نعيد النظر في التمويل بعد استكمال مراجعة المستندات، لكن لازم يكون فيه نظام واضح للمسؤوليات والتوقيعات، خصوصًا في العقود ذات القيمة الكبيرة.”

أدريان رد:

“النظام الجديد هيتجهز خلال أيام.”

المستشار القانوني فتح ملفه.

“قبل النظام الجديد، فيه نقطة تخص المستندات القديمة. بعض الملفات بتوضح إن السيدة إيلينا كانت بتطلب مراجعات إضافية قبل اعتماد معاملات معينة. إحنا محتاجين نفهم ليه بعض التحفظات دي ما اتنفذتش.”

أدريان حس إن كل عين في القاعة اتجهت ناحيته.

“هنراجع الموضوع داخليًا.”

أحد أعضاء المجلس قال:

“المشكلة مش داخلية بس. فيه شركاء طلبوا تفسيرًا للتغييرات الأخيرة، وبعضهم بيسأل عن سبب توقف التجديدات.”

أدريان رد بحدة:

“التجديدات مش متوقفة. فيه مراجعة إدارية.”

عضو المجلس ما تراجعش.

“ومراجعة الإدارة مش عيب، لكن الاعتماد على شخص واحد في ملفات حساسة كان لازم يتعالج من زمان.”

أدريان كان عارف إن الكلام صحيح، وده اللي خلاه يغضب أكتر.

لأن كل واحد فيهم بيتكلم دلوقتي كأن المشكلة واضحة من البداية.

لكن ولا واحد منهم كان قال له الكلام ده لما إيلينا كانت موجودة، بتشتغل لحد نص الليل، وتدخل اجتماعات متتالية، وتراجع عقودًا كان ممكن تتحول لخسائر كبيرة لو اتوقعت من غير تدقيق.

وقتها، كانوا بيشكروا أدريان على نجاحاته.

أما إيلينا، فكانوا بيعتبروا شغلها جزءًا طبيعيًا من الحياة في القصر.

انتهى الاجتماع من غير قرار نهائي.

وبعد خروج الجميع، فضل أدريان قاعد لوحده.

فتح تليفونه، ودوّر على اسم إيلينا.

كان رقمها محفوظًا عنده باسم مختلف عن باقي الأسماء.

“إيلينا، بيتي.”

فضل باصص للاسم شوية، وبعدها ضغط اتصال.

رن التليفون مرة.

مرتين.

ثلاث مرات.

وبعدين اتقفل الخط من غير رد.

ما حاولش يتصل تاني فورًا.

بعد دقيقة، وصلته رسالة قصيرة.

“لو التواصل بخصوص المستندات أو إجراءات الطلاق، برجاء الاتصال بمكتب الأستاذ سامح فؤاد. شكرًا.”

أدريان قرأ الرسالة كذا مرة.

ما كانش فيها غضب.

ولا عتاب.

ولا حتى سؤال عن حاله.

مجرد حدود واضحة.

وده كان أصعب عليه من أي مشاجرة.

في نفس الليلة، كانت إيلينا راجعة لشقتها بعد يوم طويل.

اشترت شوية حاجات للبيت، ووقفت في المطبخ الصغير تعمل عشا بسيط.

كانت بتتعلم من جديد إزاي تعيش من غير طاقم كامل بيجهز لها كل حاجة.

في الأول، الموضوع كان متعبًا.

كانت تنسى تشتري حاجات أساسية، وتكتشف إنها محتاجة تصلح حاجة بنفسها، وتحتار في بعض الفواتير.

لكن مع كل يوم، كانت بتحس إن المساحة الصغيرة دي بتديها حاجة ما كانتش لاقياها في القصر.

الإحساس إن كل حاجة بتحصل فيها نتيجة قرارها هي.

بعد ما خلصت الأكل، قعدت على الترابيزة وفتحت دفترًا جديدًا.

كتبت في أول صفحة:

“خطة حياتي الجديدة.”

وتحت العنوان، بدأت تكتب:

شغل مستقل.

شقة مناسبة.

حساب بنكي خاص.

وقت لأختها.

عودة لمجال الاستشارات القانونية والإدارية.

وبعدها وقفت.

كانت عايزة تضيف حاجة تانية، لكنها ما عرفتش تصيغها.

بعد دقائق، كتبت:

“ما أعتذرش عن حقي في الاحترام.”

قفلت الدفتر، وراحت للشباك.

الشارع تحتها كان مليان حركة. عربية فول بتعدي، وأم بتنادي على ابنها، وصوت ضحك طالع من محل صغير.

ابتسمت من غير ما تقصد.

في القصر، كانت كل الأصوات محسوبة.

كل حركة لها معنى.

كل شخص بيراقب الشخص اللي واقف جنبه.

أما هنا، فالحياة كانت ماشية من غير ما تحتاج إذن من حد.

رن تليفونها.

كانت أختها، جوليا.

ردت إيلينا.

“ألو.”

“إيلينا، إنتِ كويسة؟”

“أنا كويسة.”

“بجد؟ مش بتقولي كده عشان تطمنيني؟”

إيلينا سكتت لحظة.

“أنا تعبانة، بس كويسة.”

جوليا تنهدت.

“كنت خايفة عليكي. لما سمعت اللي حصل في الحفلة، ما عرفتش أتصرف إزاي.”

“ما كنتيش تقدري تعملي حاجة.”

“كان نفسي أكون جنبك.”

“إنتِ جنبّي دلوقتي.”

جوليا سكتت، وبعدها قالت:

“أدريان اتصل بيا.”

إيلينا أغمضت عينيها للحظة.

“قالك إيه؟”

“سألني إذا كنت أعرف مكانك. قلتله إني مش هدي له عنوانك من غير إذنك.”

“شكرًا.”

“وبعدين سألني إذا كنتِ بتخططي لشيء ضد شركته.”

إيلينا اتعدلت في قعدتها.

“وإنتِ رديتي إيه؟”

“قلتله إنك طول عمرك كنتِ بتحاولي تحافظي على الشغل، وإنك لو عندك مستندات تخصه، هتسلميها بالطريقة القانونية. وإنك مش محتاجة تعملي أي حاجة ضده عشان تكملي حياتك.”

إيلينا فضلت ساكتة.

جوليا كملت:

“هو كان متضايق جدًا. بس مش عارفة إذا كان متضايق عشانك، ولا عشان الشركات.”

إيلينا بصت للدفتر المقفول قدامها.

“أنا كمان مش عارفة.”

“طيب، إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟”

السؤال كان بسيطًا، لكنه لمس حاجة عميقة جواها.

إيه اللي عايزاه؟

مش إنها تكسب عليه.

ولا إنه يندم.

ولا إنها ترجع القصر وتثبت للناس إنها لسه صاحبة مكان.

كانت عايزة تصحى الصبح من غير ما تخاف من مزاج حد.

تشتغل من غير ما حد يقلل من تعبها.

تقول لأ من غير ما يتحول الرفض إلى معركة.

وتحب نفسها من غير ما تستنى اعتراف من شخص تاني.

قالت بصوت هادي:

“عايزة أعيش يا جوليا. بس المرة دي، أعيش لنفسي.”

بعد يومين، وصل لمكتب سامح طلب رسمي لعقد اجتماع بين ممثلي إيلينا ومجموعة موريتي.

الموضوع المكتوب في الخطاب كان تسليم المستندات، وإنهاء التفويضات، ومناقشة التسوية القانونية.

وافق سامح على الموعد، بشرط حضور المحامين المختصين من الطرفين، وتحديد جدول واضح للاجتماع.

إيلينا وافقت.

ما كانتش خايفة تقابل أدريان، لكنها كانت عارفة إن أي مقابلة من غير حدود واضحة ممكن تتحول لمحاولة لإرجاعها لنفس الدائرة القديمة.

في صباح الاجتماع، لبست بدلة كحلي بسيطة، وخدت ملفها، وراحت لمكتب المحاماة اللي تم الاتفاق على عقد اللقاء فيه.

وصلت قبل الموعد بعشر دقايق.

دخلت قاعة الاجتماعات، واختارت كرسيًا في مواجهة الباب.

حطت الملف قدامها، وفتحت نوتة صغيرة.

بعد دقائق، دخل أدريان.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى