
نفس الشنطة اللي خرجت بيها من القصر.
مدت إيدها وفتحت الجيب الداخلي، وطلعت ظرف أبيض صغير.
جواه ورقة مكتوب عليها بخط إيد والدها:
“يا إيلينا، الفلوس ممكن تفتح أبواب كتير، لكن الورق الصحيح هو اللي يحمي حقك لما الأبواب تتقفل.”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
والدها كان محاسبًا قانونيًا، راجل قضى عمره بين دفاتر الحسابات والعقود، وكان دايمًا يقول لها إن أخطر حاجة ممكن يعملها الإنسان إنه يثق في شخص لدرجة تخليه ينسى يحتفظ بنسخة من الحقيقة.
لما مات والدها، كانت إيلينا لسه في بداية حياتها العملية.
وقتها، أدريان كان رجل أعمال صاعد، عنده شركات قليلة وطموح أكبر من إمكانياته. اتعرف عليها في اجتماع خاص بواحدة من الشركات اللي كانت بتقدم لها خدمات استشارية، وانبهر بسرعة فهمها للأرقام وقدرتها على اكتشاف الأخطاء اللي غيرها ما بياخدش باله منها.
في البداية، كان بيستشيرها.
بعدها، بدأ يعتمد عليها.
ثم أصبح يطلب منها أن تتولى كل شيء.
ومع مرور السنوات، تحولت الاستشارات إلى إدارة كاملة للملفات المالية والتعاقدية، وتحولت المساعدة إلى مسؤولية يومية عن شركات متعددة.
كانت إيلينا تعرف إن أدريان شخص صعب، وإن بعض شركائه مش مريحين، وإن فيه معاملات لازم تتراجع أكتر من مرة.
لكنها كانت مؤمنة إن شغلها القانوني والإداري ممكن يحافظ على الشركات بعيدًا عن أخطاء الناس اللي بتحب المخاطرة.
ما كانتش شريكة في أي جريمة، ولا كانت تعرف كل أسرار أدريان، لكنها كانت عارفة كويس إن الإمبراطورية اللي الناس بتخاف منها مش مجرد فلوس ورجالة.
كانت منظومة ضخمة من العقود، والتراخيص، والضمانات، والمواعيد، والالتزامات.
وكل الترتيبات دي كانت محتاجة حد يفتكر التفاصيل الصغيرة.
وهي كانت الشخص اللي بيفتكرها.
فتحت اللابتوب، وراجعت رسالة وصلتها من محاميها، الأستاذ سامح فؤاد.
الموضوع: تأكيد استلام المستندات والإجراءات القانونية.
قرأت الرسالة مرة، وبعدها رجعت قرأتها تاني.
كانت قد أرسلت له نسخًا من مستندات تخص عملها السابق، ومن بينها ما يثبت انتهاء بعض تفويضاتها، ومراسلات توضح حدود مسؤوليتها عن ملفات شركات أدريان.
ما كانتش ناوية تنتقم منه بتعطيل أعماله، ولا كانت عايزة تخفي مستندات تخص الشركات. بالعكس، كانت حريصة إن كل ورقة تخصها تتسلم بالطريقة القانونية الصحيحة، وإن أي ملف ناقص يتراجع من خلال المحامين المختصين.
لكنها كانت رافضة حاجة واحدة.
إنها تفضل مسؤولة عن أعماله من غير صلاحيات واضحة، لمجرد إنه متعود إنها موجودة وقت ما يحتاجها.
مسكت التليفون واتصلت بسامح.
رد من أول رنة.
“صباح الخير يا أستاذة إيلينا.”
“صباح النور. شفت رسالتك.”
“كويس. كنت عايز أتأكد إنك فاهمة إن بعض الإجراءات ممكن تاخد وقت، خصوصًا إن فيه شركات متعددة وكل شركة ليها مستنداتها.”
“فاهمة.”
“وفيه نقطة تانية. محامي مجموعة موريتي اتصل بمكتبي من شوية، وطلب اجتماع عاجل بخصوص التفويضات القديمة.”
إيلينا بصت من الشباك.
“هو اتصل بيك بنفسه؟”
“لأ، المستشار القانوني للشركة.”
“وطلب إيه؟”
“عايزين يعرفوا إذا كنتِ مستعدة ترجعي تديري الملفات لحد ما يلاقوا بديل.”
سكتت إيلينا لحظة.
وبعدها سألت:
“قالوا إنهم عايزيني أرجع بصفتي إيه؟”
“ما وضحوش بشكل دقيق.”
“يبقى مفيش رجوع قبل ما كل حاجة تتكتب بوضوح. أنا مش هشتغل تاني في مكان كل ما أعمل فيه حاجة تتعامل كأنها واجب عليّ، وكل ما أطلب حقي يقولوا لي إني مدينة لهم.”
سامح تنهد.
“كنت متوقع إنك هتقولي كده.”
“أنا مش عايزة أضر حد يا أستاذ سامح. لو فيه أوراق تخصهم عندي، هسلمها. ولو فيه حاجة محتاجة توقيع قانوني صحيح، هتتم من خلال الإجراءات الرسمية. لكن شغلي معاهم انتهى.”
“تمام. هبلغهم إن أي تواصل لازم يكون عن طريق المكتب.”
قبل ما تقفل، قال لها:
“إيلينا، فيه سؤال مهم لازم أسألهولك.”
“اتفضل.”
“إنتِ متأكدة إنك عايزة تكملي في الطلاق؟ لأن محامي أدريان لمح إن موكله شايف إن إعلان الطلاق في الحفلة كان مجرد قرار شخصي، وإنه مستعد يناقش التسوية.”
ضحكت إيلينا ضحكة صغيرة، لكن ما كانش فيها أي فرحة.
“هو أعلن قدام مائتين شخص إني مبقتش مراته، وكان مستني يشوفني بترجاه. دلوقتي لما اكتشف إن الشغل وقف، افتكر إن الموضوع محتاج مناقشة؟”
“يعني قرارك نهائي؟”
بصت للشنطة القديمة، وبعدها للورقة اللي عليها خط والدها.
“أيوه. أنا مش راجعة.”
في قصر موريتي، كان أدريان قاعد في قاعة الاجتماعات الرئيسية، قدامه خمسة مديرين وثلاثة محامين ومسؤول مالي كبير.
على الشاشة، كانت فيه قائمة طويلة بالشركات التابعة للمجموعة، وكل شركة قدامها ملاحظات مختلفة.
مدير الحسابات، رجل اسمه فيليبو، كان بيحاول يشرح الوضع من غير ما يثير غضب أدريان.
“المشكلة إننا كنا معتمدين على نظام مركزي لمراجعة العقود والتجديدات، وكانت السيدة إيلينا بتراجع الملفات قبل ما تتنقل للإدارة القانونية.”
أدريان قاطعه.
“وإنتوا كنتوا بتعملوا إيه؟”
فيليبو بلع ريقه.
“إحنا كنا بنتولى التنفيذ والحسابات، لكن المراجعة النهائية كانت بتتم من خلال مكتبها.”
“يعني ست واحدة كانت ماسكة كل حاجة، وإنتوا قاعدين تتفرجوا؟”
“مش بالضبط، يا سيدي. هي كانت بتنسق بين الأقسام، وبتتابع مواعيد انتهاء التراخيص، وبتراجع الضمانات، وبتتأكد إن كل شركة عندها المستندات المطلوبة قبل توقيع الاتفاقيات.”
“طيب، دلوقتي هي مش موجودة. عايز حل.”
المحامي الرئيسي فتح ملفًا أمامه.
“فيه حل، لكن محتاجين نراجع كل تفويض على حدة. بعض العقود ممكن تتجدد بتوقيع الإدارة الحالية، وبعضها محتاج موافقات من أطراف خارجية، وبعض الملفات فيها شروط ما ينفعش نتجاوزها.”
أدريان خبط بأصابعه على سطح الترابيزة.
“قد إيه وقت؟”
“ما نقدرش نحدد قبل ما نخلص المراجعة.”
“يومين.”
“صعب.”
“تلاتة.”
المحامي رفع عينه.
“المسألة مش مسألة وقت بس. لازم نعرف أصل كل مستند، ونتأكد إن التوقيعات والصلاحيات سليمة. أي إجراء غير صحيح ممكن يعرض المجموعة لمطالبات قانونية.”
أدريان لف ناحية فيليبو.
“مين اللي قرر إن إيلينا تبقى مسؤولة عن كل الملفات دي؟”
فيليبو رد بحذر:
“حضرتك اللي طلبت ده من سنين، بعد ما اكتشفت إنها قدرت تحل مشكلة كبيرة في عقد الميناء.”
أدريان افتكر الموقف.
كان فيه عقد توريد ضخم اتأخر، وشركة شريكة هددت بفسخه. إيلينا وقتها اكتشفت إن بندًا صغيرًا في ملحق الاتفاقية كان بيسمح بتمديد المهلة بشرط تقديم إخطار رسمي قبل تاريخ معين.
هي اللي لاحظت البند.
وهي اللي جهزت الإخطار.
وهي اللي أنقذت الصفقة.
بعدها، أدريان بدأ يحيل لها كل الملفات اللي فيها تعقيدات.
لكن مع الوقت، نسي أصلًا مين اللي بنى النظام ده.
أو يمكن ما نسيش.
يمكن بس اتعود إنه يلاقيه شغال كل يوم، لدرجة إنه افتكر إن ده الطبيعي.
قال أدريان:
“أنا عايز أعرف كل حاجة كانت بتعملها. بالتفصيل. ومش عايز أسمع اسمها في كل اجتماع.”
المحامي قفل الملف بهدوء.
“ده هيكون صعب، لأن بعض الإجراءات مرتبطة باسمها بصفتها مفوضة سابقة.”
أدريان رفع عينه له بنظرة حادة.
“إنت كمان عايز تقولي إني محتاجها؟”
المحامي ما ترددش.
“أنا بقول إنك محتاج نظام واضح. ولو السيدة إيلينا كانت جزءًا أساسيًا من النظام ده، فلازم نفهم إزاي هننقل مسؤولياتها بشكل قانوني.”
الصمت نزل على القاعة.
وفي اللحظة دي، أدريان أدرك إن المشكلة أكبر من مجرد غياب موظفة أو زوجة سابقة.
المشكلة إن الناس اللي حواليه ما كانوش قادرين يشرحوا له إزاي كان كل شيء بيمشي طول السنين دي من غير ما يرجعوا لإيلينا.
بعد الاجتماع بساعتين، دخلت فيكتوريا هايل القصر.
كانت لابسة بدلة بيج أنيقة، وشعرها الأشقر متصفف بعناية، وفي إيدها حقيبة غالية. دخلت مكتب أدريان كأنها صاحبة المكان، وحطت الحقيبة على الكرسي المقابل له.
“سمعت إن عندك مشاكل في الشركات.”
أدريان ما رفعش عينه عن الأوراق.
“مين قالك؟”
“الناس بتتكلم.”
“الناس المفروض تتكلم عن الصفقة الجديدة.”
فيكتوريا قعدت وابتسمت.
“الصفقة الجديدة مش هتنفعك لو البنك وقف التمويل.”
رفع أدريان عينه ببطء.
“إنتِ عرفتي منين إن البنك وقف التمويل؟”
ابتسامتها اختفت للحظة، لكنها رجعت بسرعة.
“أنا عندي معارف في السوق. وبعدين، ده مش سر. أي حد بيتعامل مع المجموعة ممكن يلاحظ إن فيه تأخير.”
أدريان قفل الملف.
“وإنتِ جاية تقوليلي إيه؟”
“إننا لازم نتحرك بسرعة. إيلينا كانت ماسكة الملفات دي، صح؟”
“مش عايز أتكلم عنها.”
“أنا مش بتكلم عنها كزوجة. بتكلم عنها كجزء من شغلك.”
“وده مش من اختصاصك.”
فيكتوريا مالت بجسمها لقدام.
“أدريان، إنت عارف إني كنت دايمًا شايفة إن اعتمادك عليها بالشكل ده خطر. ست واحدة ما ينفعش تكون عارفة تفاصيل كل الشركات، وكل الحسابات، وكل الاتفاقيات.”
أدريان فضل باصص لها من غير ما يتكلم.
كلامها كان شبه منطقي، لكنه جه في توقيت غريب.
“إنتِ كنتِ بتقوليلي من شهور إن إيلينا مش بتفهم في التوسع التجاري.”
“كنت أقصد إنها مش مناسبة للتوسع الجديد. وده واضح دلوقتي.”
“واضح إزاي؟”
فيكتوريا فتحت حقيبتها وطلعت ملفًا رفيعًا.
“أنا عندي فريق إداري يقدر يساعدك. ناس اشتغلت مع شركات كبيرة، وعندهم خبرة في التمويل والشحن الدولي. نقدر نراجع النظام كله ونبدأ من جديد.”
أدريان ما مدش إيده للملف.
“اسم الفريق إيه؟”
“شركة استشارات مستقلة.”
“اسمها؟”
ترددت لحظة.
“هايل كابيتال أدفايزوري.”
أدريان رجع بظهره للكرسي.
“هايل؟ اسم عيلتك؟”
“أيوه، لكنها شركة مستقلة، وليها فريق متخصص.”
“وإنتِ هتستفيدي إيه من الموضوع؟”
فيكتوريا اتغيرت ملامحها.
“أنا بحاول أساعدك.”
“أنا ما سألتكيش عن نيتك. سألتك هتستفيدي إيه.”
سكتت، وبعدها قالت:
“لو قدرت أساعدك تحافظ على المجموعة، ده هيكون مفيد لينا إحنا الاتنين.”
أدريان أخذ الملف أخيرًا، لكنه ما فتحوش.
“سيبيه عندي.”
قامت فيكتوريا، وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب.
“على فكرة، إيلينا مش هترجع. الست اللي تسيب قصر زي ده من غير ما تبص وراها، غالبًا كانت مستنية الفرصة من زمان.”
أدريان ما ردش.
لكن بعد ما خرجت، فتح الملف.
أول صفحة كانت عرضًا لتقديم خدمات استشارية، وفي آخرها قائمة بالشركات المقترحة للتعاون.
في الصفحة التالتة، عينه وقفت عند اسم شركة شحن كان عارفها كويس.
الشركة دي كانت شريكة في واحدة من أهم الاتفاقيات اللي إيلينا كانت بتراجعها بنفسها.
وفي الهامش، كان فيه رقم عقد قديم.
رقم ما كانش من المفروض إن فيكتوريا تعرفه.
أدريان سحب التليفون واتصل بماركو.
“عايزك تعمللي مراجعة كاملة على شركة فيكتوريا.”
ماركو سأله:
“فيه سبب معين؟”
أدريان بص للملف.
“لأني بدأت أشك إن الناس اللي حواليّ عارفين عن شغلي أكتر مما المفروض.”
في اليوم الخامس، إيلينا خرجت من الشقة بدري.
لبست معطفًا رماديًا، وخدت ملفًا فيه أوراقها الشخصية، وراحت لمكتب المحامي سامح.
كان المكتب في عمارة إدارية وسط المدينة، بعيد عن الأماكن اللي أدريان بيحب يظهر فيها.
لما دخلت، استقبلها سامح بنفسه، وطلب لها قهوة.
حطت الملف على المكتب.
“دي آخر نسخ عندي من المستندات الشخصية والتفويضات اللي كانت باسمي.”
سامح فتح الملف وبدأ يراجع الورق.
“ممتاز. كده نقدر نحدد بالضبط إيه اللي يخصك وإيه اللي يخص الشركات.”
“أنا عايزة كل حاجة تتسلم بمحضر رسمي. مش عايزة حد يقول بعد كده إني أخفيت مستندات أو عطلت شغل.”
“وده حقك. هنطلب منهم تحديد المستندات اللي محتاجينها، وهنسلم كل حاجة وفق الإجراءات.”
إيلينا هزت راسها.




