منوعات

انجي الخطيب

خرجنا من الزريبة، وأنا أول ما شميت الهوا حسيت إني كنت محبوسة تحت الأرض وطلعت للنور. لكن قبل ما نوصل لباب البيت، سمعت صوت بنت بتصرخ: ـ ماما! إنتي عملتي إيه؟! كانت دي ندى، بنت مرات أبويا. واقفة على السلم، لابسة روب البيت، ووشها شاحب، وعينيها مليانة دموع.

زينب اتلفتت لها بعصبية: ـ ادخلي أوضتك يا ندى! محدش طلب رأيك! لكن ندى نزلت السلم بسرعة، ووقفت قدامها. ـ أنا سمعت كل حاجة يا ماما… إنتي فعلًا كنتي بتحطي لشمس دوا في الأكل؟ زينب رفعت إيدها عشان ، لكن ندى مسكت إيدها قبل ما تنزل.

ـ لأ! مش  المرة دي! كلنا اتصدمنا. ندى اللي طول عمرها ساكتة، واللي كانت مرات أبويا بتعاملها كأنها ملكة البيت، كانت لأول مرة بتقف قدام أمها بالشكل ده. بصتلي ودموعها بتنزل. ـ أنا آسفة يا شمس. فضلت باصة لها من غير ما أتكلم.

 

كملت بصوت متقطع: ـ أنا كنت عارفة إن ماما بتضايقك، وكنت بشوفها وهي بتاخد حاجات من أوضتك، وكنت عارفة إنها أخدت دهب مامتك الله يرحمها… لكني كنت بخاف منها. كل مرة كنت بفكر أتكلم، كانت إنها  من البيت، وإن أبويا مش هيصدقني.

بصيتلها بوجع. ـ وإنتي كنتي شايفاني وأنا بتضرب وأتذل، وساكتة؟ ندى نزلت راسها. ـ عارفة إني غلطانة. ومش مستنية منك تسامحيني دلوقتي. بس أنا مش هسكت تاني. زينب صرخت فيها: ـ اخرسي! إنتي عايزة تضيعي أمك؟!

ندى رفعت راسها، وقالت لأول مرة بثبات: ـ إنتي اللي ضيعتي نفسك يا ماما، لما ظلمتي بنت ملهاش ذنب. آدم تدخل بهدوء: ـ كويس إنك قررتي تتكلمي يا ندى، بس لازم تعرفي إن الكلام لوحده مش كفاية.

لو عندك أي دليل على اللي حصل، احتفظي بيه، ومتخليش حد يضغط عليكي عشان تغيري كلامك. ندى هزت راسها، وبعدها بصتلي. ـ شمس، فيه حاجة لازم تعرفيها عن أمك… حاجة ماما مخبياها عنك من سنين. قلبي اتقبض.

ـ أمي؟ مالها أمي؟ ندى بصت لزينب، وبعدها قالت: ـ قبل ما طنط أمك تمو. ت بشهر تقريبًا، حصلت مشكلة كبيرة بينها وبين ماما. سمعتهم بيتخانقوا، وأمك كانت بتقول إنها عرفت إن ماما أخدت دهبها وفلوس كانت مخبياها لبنتها. حسيت بدنيا بتلف بيا.

ـ فلوس؟ أنهي فلوس؟ ندى ردت: ـ معرفش قيمتها، بس سمعت أمك بتقول إن الفلوس دي حقك، وإنها هتروح توثق كل حاجة عند محامي. وبعدها ماما ، وقالتلها إنها لو فتحت بُقها هتندم. آدم بص لزينب بتركيز شديد، ثم سأل ندى: ـ وإنتي سمعتي الكلام ده بنفسك؟

ـ أيوه. ـ وعندك أي حاجة تثبت الكلام؟ ندى ترددت لحظة، ثم قالت: ـ فيه ورق قديم في دولاب ماما، كانت بتخبيه في درج مقفول. وأنا مرة شفتها وهي بتحطه هناك. مش عارفة فيه إيه، بس أعتقد إنه متعلق بأم شمس. زينب اندفعت ناحيتها وهي بتصرخ: ـ كفاية بقى!

ش عارفة فيه إيه، بس أعتقد إنه متعلق بأم شمس. زينب اندفعت ناحيتها وهي بتصرخ: ـ كفاية بقى! إنتي اتجننتي؟! لكن آدم وقف بينها وبين بنتها. ـ محدش هيلمس حد. واللي عنده حاجة يقولها قدام الجهات المختصة.

في اللحظة دي، أبويا أخيرًا اتكلم. ـ استنوا! لفينا كلنا ناحيته. كان واقف ووشه شاحب، وعينيه محمرتين، كأنه كبر عشر سنين في دقائق. بصلي وقال بصوت مكسور: ـ شمس… تعالي يا بنتي، خلينا نتكلم. رجعت خطوة لورا، وقلبي مليان خوف وغضب.

ـ بنتك؟! افتكرت إني بنتك دلوقتي؟! من شوية كنت رابطني بإيدك في الزريبة، وسايبني أمو. ت من الجوع والعطش! نزل راسه. ـ أنا غلطت. ضحكت بمرارة. ـ غلطت؟! إنت فاكر اللي حصل ده غلطة عادية؟! إنت حتى مسألتنيش، مصدقتش دموعي، ولا حاولت تسمعني.

 

حكمت عليّا قبل ما تعرف الحقيقة! رفع عينيه ليا، والدموع بدأت تتجمع فيها. ـ أنا عارف إني مش هقدر أصلح اللي عملته بكلمتين، بس أنا أبوكي يا شمس. قلتله بصوت مليان وجع: ـ الأب مش مجرد راجل بنناديه يا بابا.

الأب أمان، والأمان عمره ما كان موجود في حياتي وأنا جنبك. الكلام نزل عليه كأنه . حاول يقرب مني، لكن آدم وقف بهدوء وقال: ـ الحاج حكيم، شمس محتاجة تخرج من هنا وتطمن على صحتها. الكلام بينكم ممكن يحصل بعدين، لما تكون هي مستعدة.

أبويا بصله، ثم بصلي، وفي عينيه ندم واضح. لكنه ما حاولش يمنعنا المرة دي. خرجت من البيت وأنا مسنودة على آدم، وندى ماشية ورانا وهي شايلة شال حطته على كتفي. وقبل ما أركب العربية، بصيت ناحية البيت اللي قضيت فيه سنين من عمري.

مكان كنت فاكرة إنه بيتي، لكنه في الحقيقة كان أكبر سجن عشت فيه. ركبت العربية، وآدم قفل الباب بهدوء، ثم لف ناحية السواق وقال: ـ على المستشفى الأول، وبعدها هنروح لجدتها. بصيتله بسرعة. ـ جدتي! يا نهار أبيض! تيتة أكيد من الخوف عليّا!

آدم طمني: ـ أنا اتصلت بيها من شوية، وبلغتها إني لقيتك، وإنك معايا وفي أمان. هي مستنيانا، وطلبت مني أرجعك لها فورًا بعد ما نطمن على صحتك. حطيت إيدي على وشي وعيطت. ـ عايزة أشوفها يا آدم… أنا محتاجة أح.

ضنها. آدم بصلي لحظة، وقال بحنان: ـ هتشوفيها يا شمس، وهتح. ضنيها كمان. بس أوعديني إنك متحمليش نفسك فوق طاقتها. اللي حصل مش ذنبك، ومش مطلوب منك تكوني قوية طول الوقت. كانت أول مرة حد يقولي إن من حقي أضعف، وإن مش لازم أفضل أحارب لوحدي.

### في المستشفى بعد الكشف، الدكتور طلب مني أعمل تحاليل وفحوصات إضافية، خصوصًا بسبب التعب الشديد وآثار الحبل على إيديا. آدم فضل مستني بره الأوضة، ولما الدكتور خرج، قام بسرعة وسأله: ـ خير يا دكتور؟ طمني عليها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى