
محمود قال:
“واضح كده. بس اللي مش مفهوم، إن الإيصال مكتوب فيه إن الفلوس اتسلمت في المكتب، وفيه شاهد على التسليم.”
إيهاب سأل:
“مين الشاهد؟”
محمود بص في الورقة، وبعدين رفع عينه ببطء.
“الشاهد مكتوب اسمه هنا… نادية.”
حسيت إن قلبي وقف.
إيهاب لف ناحيتي، والورقة وقعت من إيده.
“إنتِ؟!”
صرخت وأنا ببكي:
“والله ما وقعت على حاجة! أنا ما شفتش الإيصال ده أصلًا!”
محمود رفع إيده وقال:
“استنوا، الاسم لوحده مش دليل. ممكن يكون حد كتبه من غير علمها.”
لكن إيهاب كان مصدوم.
إليك النص بعد حذف العبارات المخالفة لسياسات المحتوى أو التي تتضمن اتهامات مباشرة وغير مؤكدة، مع الحفاظ على السياق الدرامي للقصة:
قال:
“إزاي اسمها يتحط شاهد وهي ما كانتش موجودة؟”
كنت بحاول أتكلم، لكن صوتي مش طالع.
وفي وسط الفوضى دي، هالة قامت من مكانها، وراحت جابت شنطتها، وبدأت تلم حاجتها.
محمود بص لها بصدمة.
“إنتِ بتعملي إيه؟”
قالت وهي بتعيط:
“أنا مش هقدر أعيش في البيت ده دلوقتي. كل حاجة بقت مشاكل وشكوك، وأنا خايفة على العيال.”
محمود حاول يمنعها، لكنها قالت:
“أنا مش بسيبك يا محمود، أنا بس محتاجة أروح عند أمي يومين لحد ما نفهم اللي بيحصل.”
وبعدين بصتلي، وعينيها مليانة دموع.
“يا نادية، أنا مش هتهمك بحاجة من غير دليل. بس أتمنى تكوني صريحة.”
خرجت هالة، ومحمود خرج وراها، وإيهاب فضل واقف قدامي.
ما قالش حاجة.
لكن صمته كان أصعب من أي اتهام.
في الليلة دي، ما نمتش.
كنت قاعدة على السرير، وبحاول أفتكر كل تفصيلة حصلت في الأيام اللي فاتت.
كنت زعلانة من هالة، وكنت عايزة أخليها تسيب الشقة، لكن عمري ما تخيلت إن الموضوع يوصل لكده.
بدأت أراجع كل كلمة قلتها لكل شخص، وكل مرة دخلت فيها المكتب، وكل حد شفته عند الباب.
وفجأة افتكرت حاجة خلت جسمي كله يترعش.
قبل يومين من اختفاء الفلوس، كنت سمعت محمود بيتكلم في التليفون مع شخص اسمه سامح، وهو واحد من معارفه اللي بيساعدوه في الحسابات أحيانًا.
كان محمود بيقول له إنه مش هيقدر يدفع المبلغ المطلوب قبل نهاية الأسبوع.
وسامح رد عليه إنه هيتصرف.
وقتها ما اهتمتش بالكلام، لكن دلوقتي الاسم فضل يتكرر في دماغي.
سامح.
هل ممكن يكون له علاقة بالموضوع؟
ما كانش عندي دليل، لكن كان عندي إحساس إن فيه حاجة ناقصة.
تاني يوم الصبح، قررت أتكلم مع إيهاب.
لقيته قاعد في الصالة، قدامه أوراق الحسابات، وعينيه غارقة في التعب.
قعدت قدامه وقلت:
“إيهاب، أنا عايزة أقولك حاجة.”
رفع عينه ليا.
“اتفضلي.”
حكيت له عن مكالمة محمود مع سامح، وعن الكلام اللي سمعته بالصدفة.
إيهاب فضل ساكت، وبعدها قال:
“ليه ما قلتيش الكلام ده من الأول؟”
دموعي نزلت.
“لأني كنت خايفة. كل اللي حصل خلاني حاسة إنكوا مش هتصدقوني، وخفت أقول أي حاجة تزيد الشكوك.”
تنهد وقال:
“الخوف مش هيحل المشكلة يا نادية. لازم نتأكد.”
اتصل بمحمود، وسأله عن سامح.
محمود رد إنه فعلًا كان بيتابع بعض الحسابات، وإنه ما عندوش سبب يشك فيه.
لكن إيهاب أصر إنهم يقابلوه.
واتفقوا على ميعاد في نفس اليوم.
وأنا فضلت قاعدة في البيت، مستنية أعرف الحقيقة.
بعد ساعتين، رجع إيهاب لوحده.
وشه كان شاحب، وعينيه مليانة غضب.
قرب مني وقال:
“سامح اختفى.”
حسيت ببرودة في أطرافي.
“اختفى إزاي؟”
قال:
“محدش عارف يوصله، وتليفونه مقفول. ولما رحنا المكان اللي بيشتغل فيه، عرفنا إنه ساب الشغل من يومين.”
قلت بصوت مرتعش:
“يعني هو اللي خد الفلوس؟”
إيهاب رد:
“لسه ما نقدرش نجزم.”
طلع من جيبه ورقة صغيرة، وحطها قدامي.
كانت صورة من سجل دخول المكتب، وفيها أسماء الأشخاص اللي دخلوا في اليوم اللي اختفت فيه الفلوس.
واحد من الأسماء كان مكتوب جنبه توقيع.
والاسم المكتوب تحته كان اسم شخص ما توقعتش أشوفه أبدًا.
محمود.
بصيت للورقة، وبعدين بصيت لإيهاب.
“يعني إيه؟”
رد بصوت واطي:
“محمود بيقول إنه ما دخلش المكتب في اليوم ده، وإن التوقيع مش توقيعه.”
حسيت إن الدنيا بتنهار حوالينا.
لأن لو محمود ما دخلش المكتب، وإيهاب ما استلمش الفلوس، ونادية ما وقعتش، يبقى مين اللي كان موجود؟
ومين اللي زور التوقيعات؟
ومين اللي عرف تفاصيل حساباتهم لدرجة إنه يقدر يعمل كل ده؟
في اللحظة دي، رن تليفون إيهاب.
كان محمود.
رد، وفضل يسمع، وبعدها قال:
“إنت بتقول إيه يا محمود؟”
سكت لحظة، ثم قام من مكانه.
“أنا جاي لك حالًا.”
قفل التليفون، وبصلي.
“محمود لقى ظرف قديم في درج المكتب، جواه ورقة مكتوب فيها كلام غريب.”
سألته بخوف:
“كلام إيه؟”
رد:
“مكتوب فيها إن الفلوس مش هي الحاجة الوحيدة اللي هتضيع، وإن فيه حد من العيلة هيندم.”
حسيت إن قلبي بيتقبض.
لأن الرسالة دي ما كانتش مجرد تهديد بالفلوس.
كانت تهديدًا لبيوتنا كلنا.
وصلنا المكتب بعد نص ساعة.
محمود كان واقف عند المكتب، وقدامه الظرف والورقة.
أول ما شافني، ما قالش حاجة، لكنه مد الورقة لإيهاب.
إيهاب قرأها بصوت عالي:
“اللي فاكر إن الشقة هتكون بداية راحته، يستعد يخسر كل حاجة.”
محمود حط إيده على المكتب وقال:
“اللي عمل كده عارفنا كويس، وعارف إننا كنا بنتخانق على الشقة، وعارف إن الفلوس هتعمل مشكلة بينا.”
بصلي فجأة وقال:
“نادية، أنا عايز أسألك سؤال، وإنتِ تجاوبيني بصراحة.”
هزيت راسي.
قال:
“لما كلمتي الصنايعي سيد، هل قلتي له أي حاجة عن الفلوس أو عن حسابات الشركة؟”
قلت:
“لأ، أنا سألته عن الشقة بس.”
“ولما دخلتي مكتب إيهاب يومها، هل شوفتي الظرف البني؟”
افتكرت الراجل اللي دخل المكتب، وافتكرت إني كنت خايفة أحكي، فقررت أقول الحقيقة كاملة.
“أنا شفت راجل معاه ظرف، وسألني عن إيهاب. وأنا قلت له إنه جوه. لكنه دخل لوحده، وأنا ما شفتش هو عمل إيه.”
محمود بص لإيهاب، وبعدها قال:
“يبقى لازم نجيب الراجل ده.”
لكن قبل ما يتحركوا، تليفون محمود رن.
رد، وبعد ثواني وشه اتغير.
قال:
“إيه؟! مين اللي قال الكلام ده؟”
سكت، وبعدين قال:
“أنا جاي حالًا.”
قفل التليفون، وبص لنا.
“هالة رجعت بيت أمها، وفيه حد راح لها وقال لها كلام يضايق عن العيلة.”
إيهاب صرخ:
“مين اللي قال لها الكلام ده؟”
محمود رد:
“مش عارف. بس واضح إن فيه حد بيحاول يفرق بينا، واحد ورا التاني.”
حسيت إن المصيبة كبرت، وإن كل اللي حصل بقى سلسلة من المشاكل اللي بتشد بعضها.
والأصعب إن هالة، بقت هي كمان ضحية لكلام الناس والشكوك.
في اللحظة دي، ما قدرتش أستحمل أكتر.
بصيت لمحمود وقلت:
“أنا غلطت. أنا كنت عايزة هالة تسيب الشقة، وكنت بفكر إزاي أخليها تكرهها. لكن والله ما ليش علاقة بالفلوس، ولا بالورق المزور، ولا بالتهديدات دي.”
محمود فضل ساكت.
إيهاب بصلي بوجع، وقال:
“ليه يا نادية؟ ليه وصلتي نفسك لكل ده؟”
بكيت وقلت:
“كنت شايفة نفسي مظلومة، وما كنتش شايفة غير وجعي. ما فكرتش إن اللي بعمله ممكن يفتح باب لحد تاني يستغل الخلاف بينا.”
محمود تنهد وقال:
“أنا مش هقدر أقول إن اللي عملتيه بسيط، لكن أنا مش هتهمك بحاجة ما عنديش عليها دليل. دلوقتي لازم نركز على اللي بيحصل.”
خرجنا من المكتب، وكل واحد فينا شايل هم أكبر من اللي قبله.
لكن قبل ما نوصل للبيت، اتصلت هالة بإيهاب.
كان صوتها بيرتعش، وبتقول إنها لقت ظرف تحت باب شقة أمها.
وفيه صورة.
صورة لمحمود وهو خارج من المكتب في اليوم اللي اختفت فيه الفلوس.
وتحت الصورة مكتوب:
“اسألي جوزك هو كان رايح فين بعد ما خرج من المكتب، واسأليه ليه ما قالكيش إنه قابل شخص غريب في نفس اليوم.”
محمود لما شاف الصورة، وقف مكانه.
وقال بصوت مبحوح:
“أنا ما قابلتش حد غريب.”
لكن إيهاب كان بيبص للصورة بتركيز.
وبعدين قال:
“استنى… الصورة دي مش من اليوم اللي اختفت فيه الفلوس.”
محمود قرب منه.
“إنت عرفت منين؟”
إيهاب أشار إلى الخلفية.
“شايف اللافتة اللي وراك؟ دي اللافتة القديمة بتاعة المحل اللي جنب المكتب. إحنا غيرناها من شهرين.”
سكتنا كلنا.
يعني الصورة قديمة، لكن حد بيستخدمها عشان يوقع بين محمود ومراته.
وهنا بدأنا نفهم إن الشخص اللي بيعمل كل ده مش بيحاول يسرق الفلوس وبس، لكنه عايز يخلينا نشك في بعض، ونخسر ثقتنا في بعض، لحد ما كل واحد فينا يبقى لوحده.
لكن السؤال اللي فضل معلقًا في دماغنا كان:
مين الشخص اللي عارف أسرارنا كلها، وبيتحرك بيننا من غير ما حد يشك فيه؟
بعد يومين من القلق…
محمود قرر يروح بنفسه لأم هالة، ويقعد معاها ومع هالة، ويوضح لها كل اللي حصل.
إيهاب أصر يروح معاه، وأنا فضلت في البيت، مش قادرة أواجه هالة بعد كل اللي عملته.
لكن قبل ما يمشوا، محمود وقف عند باب الشقة وقال لي:
“نادية، أنا مش هطلب منك تيجي معانا. هالة محتاجة تهدى، وإنتِ محتاجة تفكري في اللي حصل. لكن لو افتكرتِ أي تفصيلة، مهما كانت صغيرة، لازم تقوليها.”
هزيت راسي.
وبعد ما خرجوا، قعدت لوحدي.
كنت بفكر في الشقة، وفي الغيرة اللي عمت عيني، وفي كل مرة كنت ببص لهالة وأحس إنها أخدت مني حاجة.
لكن الحقيقة إنها ما أخدتش مني حاجة.
هي كانت بس بتحاول تعيش، زيي بالظبط.
أنا اللي حولت التعب لمنافسة، وبيتها لشيء لازم آخده منها.
وفجأة، وأنا قاعدة، افتكرت تفصيلة صغيرة جدًا.
يوم ما دخل الراجل المكتب، كان لابس خاتم فضة عريض في إيده اليمين، وعليه علامة مميزة.
افتكرت إني شفت الخاتم ده قبل كده.
مش في المكتب.
ولا في المخزن.
لكن في إيد شخص من العيلة.
قمت بسرعة، وبدأت أحاول أفتكر مين.
كان الخاتم شبه الخاتم اللي بيلبسه سامح، لكن مش متأكدة.
اتصلت بإيهاب، وحكيت له اللي افتكرته.
قال لي إنه هيتأكد، وإنه مش عايزنا نتهم حد من غير دليل.
وبعد ساعة، اتصل بيا تاني.
قال بصوت متوتر:
“نادية، إنتِ متأكدة من موضوع الخاتم؟”
قلت:
“أنا مش متأكدة مية في المية، بس فاكرة شكله.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“إحنا لقينا صورة لسامح في مناسبة قديمة، وكان لابس نفس الخاتم.”
حسيت إننا قربنا من الحقيقة.
لكن إيهاب كمل:
“المشكلة إن سامح مش هو الوحيد اللي كان عنده الخاتم ده.”
سألته:
“يعني إيه؟”
رد:
“الخاتم ده كان هدية من محمود لناس كتير اشتغلوا معاه في بداية التجارة. فيه أكتر من شخص عنده نفس الخاتم.”
رجعت أحس بالعجز.
كل ما نلاقي خيط، نكتشف إنه ممكن يوصلنا لأكتر من شخص.
وفي المساء، رجع إيهاب وقال إن محمود قرر يبلغ عن اختفاء الفلوس والتزوير رسميًا، وإنهم هيسلموا كل الأوراق والتسجيلات للجهات المختصة عشان الحقيقة تظهر.
كنت خايفة، لكني عرفت إن مفيش طريق تاني.
وبعد يومين، اتصل محمود وقال إنه وصل لمعلومة جديدة عن المندوب اللي دخل المكتب.
المندوب اتعرف من صور الكاميرات، واتضح إنه كان بيشتغل مع شركة التوريدات، لكنه ساب شغله فجأة بعد اختفاء الفلوس.
والأغرب إنه كان على تواصل مع سامح قبلها بأيام.
بدأت الصورة تتجمع، لكن لسه ما كانش فيه دليل كافي يحدد مين اللي خطط لكل ده.
وفي اليوم اللي بعده، حصلت المفاجأة اللي قلبت كل حاجة.
محمود اتصل بإيهاب وطلب منه يروح المكتب فورًا.
ولما إيهاب وصل، لقى محمود قاعد قدام رجل غريب، ومعاه ملف كبير.
الراجل قدم نفسه على إنه محاسب كان بيشتغل مع سامح في شغل جانبي، وقال إنه عرف بموضوع الفلوس بعد ما سامح طلب منه يراجع بعض الحسابات.
المحاسب أخرج مجموعة أوراق، وقال إن فيه تحويلات مالية اتعملت على دفعات صغيرة لحساب مش تابع للشركة، وإن التحويلات دي بدأت قبل اختفاء المبلغ الأساسي بشهر كامل.
محمود سأله:
“وإنت ليه جاي تقول الكلام ده دلوقتي؟”
الراجل رد:
“لأني اكتشفت إن اسمي اتحط في أوراق أنا ما مضيتش عليها، وخفت أتحمل مسؤولية حاجة ما عملتهاش.”
إيهاب سأله:
“وعندك دليل إن سامح هو اللي عمل التحويلات؟”
المحاسب أشار إلى التواريخ والتوقيعات، وقال إن فيه مستندات محتاجة مراجعة رسمية، وإنه مستعد يقدم كل اللي عنده.
محمود أخد الأوراق، وفضل يراجعها واحدة واحدة.
وبعدين رفع عينه لإيهاب وقال:
“فيه تحويل حصل في نفس اليوم اللي اتكتبت فيه الورقة اللي عليها اسم نادية.”
إيهاب اتوتر، وسأل:
“يعني إيه؟”
محمود رد:
“يعني إن حد حاول يربط اسمها بالموضوع من البداية، عشان لما الفلوس تختفي، الشك يروح ناحيتها.”
لما إيهاب رجع البيت وحكالي، حسيت إن نفسي رجعلي شوية.
لكن الراحة ما كملتش.
لأن في نفس الليلة، وصل لمحمود اتصال من شخص قال له إنه يعرف مكان سامح، وإنه مستعد يساعدهم يوصلوا له.
اتفقوا على مقابلة في مكان عام، وأخذ محمود معاه إيهاب، بعد ما قرروا إنهم ما يروحوش لوحدهم، وإنهم يسلموا أي دليل رسمي للجهات المختصة.
وفي المقابلة، ظهر رجل قال إنه شاف سامح قبل يومين في مدينة تانية، وإنه كان بيتكلم مع شخص عن خلاف عائلي كبير، وإنه سمعه بيقول إن «الشقة هي اللي هتوقعهم في بعض».
محمود سأله:
“إنت متأكد من الكلام ده؟”
رد الرجل:
“أنا سمعت الجملة دي بنفسي، لكن ما أقدرش أجزم هو كان يقصد مين.”
رجع محمود وإيهاب من المقابلة وهم عارفين إن موضوع الشقة ما كانش مجرد خلاف عائلي بالنسبة للشخص اللي بيخطط لكل ده.
الشقة كانت نقطة الضعف اللي دخل منها.
عرف إننا مختلفين عليها، واستغل الغيرة، وخوف محمود على فلوسه، وقلق إيهاب من خسارة شغله، وحاول يحول كل حاجة لخناقة بيننا.
لكن مين كان عايز يوقعنا بالشكل ده؟
الجواب ما ظهرش غير بعد ما المحاسب سلّم الأوراق للجهات المختصة، وبعد مراجعة التحويلات والتوقيعات، بدأ يتضح إن سامح كان متورطًا في معاملات مالية غير سليمة، وإن المندوب ساعده في تمرير بعض الأوراق.
أما الرسائل والتهديدات، فكانت جزءًا من محاولات الضغط على العيلة عشان ما حدش يراجع الحسابات بتركيز.
وبعد أيام من البحث والتحقيق، تم الوصول إلى سامح، وبدأت الإجراءات الرسمية لكشف حقيقة المبالغ المفقودة والتوقيعات المزورة.
لكن وسط كل ده، كان فيه شيء لازم يتصلح قبل أي حاجة تانية.
هالة.
رحت لها عند أمها بعد ما عرفت إنها هترجع البيت يومين عشان تاخد باقي حاجتها.
كنت واقفة قدام الباب، وإيدي بتترعش، ومش عارفة أقول إيه.
لما فتحت وشافتني، ملامحها اتغيرت.
قالت:
“خير يا نادية؟”
بصيت في الأرض وقلت:
“أنا جاية أعتذر لك.”
سكتت، فدخلت وكملت:
“أنا كنت غيرانة منك، وكنت شايفة إنك أخدتي حاجة من حقي. بدل ما أتكلم مع جوزي وأحاول أحل مشكلتي، فكرت إزاي أخليكي تكرهي الشقة. دخلت شقتك، وفتشت في حاجتك، وكلمت الصنايعي بطريقة غلط. وأنا عارفة إن ده ما يتبررش بأي حاجة.”
دموعي نزلت، وقلت:
“أنا آسفة يا هالة. مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي، بس كان لازم تعرفي الحقيقة مني.”
هالة فضلت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين قالت:
“أنا زعلت منك يا نادية، زعلت جدًا. مش عشان الشقة، لكن عشان كنت فاكرة إننا مهما اختلفنا، هنفضل بنات بيت واحد، وإنك لو محتاجة حاجة هتتكلمي معايا.”
هزيت راسي وأنا ببكي.
قالت:
“أنا مش هقدر أنسى اللي حصل في يوم وليلة، لكن مش عايزة أشيل في قلبي كراهية. أنا هسامحك على قد ما أقدر، بس الثقة لازم ترجع بالأفعال، مش بالكلام.”
مسحت دموعي وقلت:
“عندك حق.”
وبعدها هالة قربت مني، وحطت إيدها على كتفي.
“ربنا يهديكي يا نادية، ويهدي قلبي أنا كمان.”
خرجت من عندها وأنا حاسة إن فيه حمل تقيل اتشال من صدري، لكن كان لسه قدامي طريق طويل عشان أصلح اللي بوظته.
بعد شهر…
الموضوع المالي بدأ ياخد طريقه الرسمي، ومحمود وإيهاب اتفقوا إنهم يفصلوا حسابات تجارتهم بشكل واضح، ويخلوا كل عملية دفع موثقة، عشان ما يتكررش اللي حصل.
أما الشقة، فمحمود وهالة نقلوا فيها بالفعل بعد ما اطمأنوا إن الأمور الأساسية انتهت، وإن مفيش سبب يمنعهم من الاستقرار.
يوم النقل، كنت واقفة في بيت العيلة، بتفرج على العمال وهما بيشيلوا آخر كرتونة.
هالة كانت بتوزع التعليمات، ومحمود بيرتب حاجات العربية، والبيت كله كان مشغول.
في لحظة، هالة قربت مني وقالت:
“إنتِ مش هتيجي تشوفي الشقة بعد ما نخلص؟”
بصيت لها باستغراب.
“ينفع؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
“طبعًا ينفع. أنا مش عايزة اللي حصل يفضل حاجز بينا طول العمر.”
رحت معاها بعد العصر.
أول ما دخلت الشقة، شفت المكان الواسع، والمطبخ المنظم، والأوض اللي فيها مساحة كفاية لكل طفل.
هالة كانت بتشرحلي إزاي رتبت كل حاجة، وأنا كنت بسمعها من غير ما أحس بالغيرة اللي كانت بتاكلني قبل كده.
يمكن لأنني بدأت أفهم إن البيت مش مجرد حيطان، وإن راحة الإنسان مش هتيجي من إنه ياخد مكان غيره، لكن من إنه يبني مكانه من غير ما يكسر حد في الطريق.
قبل ما أمشي، هالة نادتني.
“نادية.”
لفيت لها.
قالت:
“لما تيجي تنقلي شقتك، عايزاكي تعزميني على الغدا، وأنا هاجي أساعدك في الترتيب.”
ضحكت وسط دموعي وقلت:
“حاضر.”
لكن وأنا نازلة السلم، افتكرت إن شقتي لسه ما اتبنتش، وإن الطريق لسه طويل.
ومع ذلك، لأول مرة من يوم ما عرفت إن محمود هو اللي هيسكن الشقة، ما حسيتش إن حياتي انتهت.
قررت أركز في نفسي، وفي بيتي الصغير، وفي طفلي اللي جاي، وفي علاقتي بإيهاب اللي اتأثرت بشدة بسبب كل اللي حصل.
بدأت أتعلم إني أقول اللي مضايقني بدل ما أخزنه جوايا، وإن الغيرة لما بتتحول لتصرفات مؤذية، بتخلي الإنسان يخسر أكتر مما كان متخيل.
أما إيهاب، فكان محتاج وقت عشان يرجع يثق فيا، وأنا ما ضغطتش عليه.
كنت عارفة إن الثقة ما بترجعش بكلمتين اعتذار، وإن اللي اتكسر لازم يتصلح يوم ورا يوم.
وفي يوم، بعد ما رجع من الشغل، لقاني قاعدة بجهز هدوم البيبي.
قعد جنبي، وبص للحاجات الصغيرة، وبعدين قال:
“أنا عارف إنك كنتِ مضغوطة، وعارف إن بيت العيلة كان متعبك. ويمكن أنا كمان غلطت لما اكتفيت إني أقولك استحملي، من غير ما أحاول ألاقيلك حل.”
بصيت له، ودموعي لمعت في عيني.
قال:
“لكن اللي حصل علمني إننا لو ما اتكلمناش مع بعض، أي حد ممكن يستغل خلافنا، وإحنا اللي ندفع الثمن.”
مسكت إيده وقلت:
“أنا مش عايزة أرجع لنفس الإنسانة اللي كنتها. أنا عايزة أتعلم أكون أهدى، وأفكر قبل ما أتصرف.”
إيهاب ضغط على إيدي وقال:
“وأنا هحاول أسمعك أكتر.”
ما كانتش نهاية كل المشاكل، لكنها كانت بداية مختلفة.
ومع مرور الأيام، قرب ميعاد ولادتي، وبدأت أستعد لاستقبال طفلي في شقتي الصغيرة، بمساعدة إيهاب، ومن غير ما أستنى إن حد يحقق لي كل أحلامي مرة واحدة.
وفي ليلة من الليالي، وأنا قاعدة جنب الشباك، سمعت صوت عيال هالة جاي من بعيد، وهم بيضحكوا في البلكونة الجديدة.
ابتسمت من غير ما أحس.
زمان، كان الصوت ده بيخليني أحس إن الدنيا ظلمتني.
أما دلوقتي، فكنت بدعي لهم بالستر والراحة، وبادعي لنفسي إن ربنا يرزقني راحة البال، ويبعد عن قلبي الغيرة والحقد، ويخليني أشوف النعمة اللي في إيدي بدل ما أفضل باصة للي في إيد غيري.
وبعد فترة، لما ربنا رزقني بطفلي، هالة كانت أول واحدة جت تزورني، وجابت معاه هدية صغيرة، وحطتها جنب سريره.
قالت وهي بتبتسم:
“ربنا يبارك لك فيه يا نادية، ويجعله من الذرية الصالحة.”
بصيت لها، وحسيت إن الدموع اللي نزلت من عيني المرة دي كانت دموع ندم وامتنان، مش دموع غيرة.
حضنتها وقلت:
“ربنا يخليكي يا هالة، ويسعد قلبك.”
ومن يومها، اتعلمت إن الإنسان ممكن يعيش في بيت ضيق، لكنه يكون مرتاح لو قلبه واسع، وممكن يسكن في قصر، لكنه يفضل مخنوق لو قلبه مليان مقارنة وغل.
أما الشقة، فبقت بالنسبة لي درس عمري ما هنساه.
لأنني كنت فاكرة إن مصيبتي إني ما أخدتش الشقة.
لكن الحقيقة إن مصيبتي كانت إني سمحت للغيرة إنها تتحكم فيا، لحد ما كدت أخسر جوزي، وسلفتي، وبيتي، وراحة ضميري.
والحمد لله إن الحقيقة ظهرت قبل ما المشاكل تكبر أكتر، وإن ربنا اداني فرصة أراجع نفسي وأصلح اللي أقدر عليه.
تمت بحمد الله.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




