روايات وقصص

زهرة الربيع

وبعدين بص لإيهاب وقال:

“أنا مش عايز أظلم مرات أخويا، ولا عايز أكبر الموضوع. لكن لازم نفهم إن اللي حصل مش بسيط.”

في اللحظة دي، سمعت صوت هالة من عند الباب.

كانت واقفة ورا حماتي، وشكلها مرهق، وعينيها حمرا من العياط.

دخلت وهي ماسكة ملف أزرق في إيديها.

وقالت:

“أنا عايزة أقول لكم حاجة.”

كلنا بصينا لها.

قربت من محمود وسلمته الملف، وبعدين بصتلي.

“الملف اللي نادية كانت بتدور عليه، أنا كنت ناقلاه من الدرج من يومين، وحطيته في شنطة عند أمي. كنت محتاجة أراجع الأوراق قبل النقل، وكنت ناسية أقول لمحمود.”

محمود فتح الملف، وبص على الأوراق، وبعدها قفل الملف.

هالة كملت:

“أنا ما كنتش عايزة أعمل مشكلة، وكنت بقول يمكن نادية مضغوطة، ويمكن أنا لو مكانها كنت هبقى زعلانة. بس اللي حصل خلاني أخاف من حاجة تانية.”

سكتت لحظة، ومسحت دموعها.

“أنا خفت إننا نخرج من بيت العيلة، ونسيب وراينا قلوب مليانة غل. خفت إن العيال يكبروا وسطنا، وكل واحد فينا شايل من التاني.”

وبعدين قالت الجملة اللي كسرتني:

“أنا مش عايزة أخد حاجة حد شايف إنه أحق بيها مني. لو وجودي في الشقة دي هيخلي نادية تحس إنها مظلومة، أنا مستعدة أتنازل عن النقل دلوقتي، لحد ما نقعد كلنا ونتفق.”

محمود بص لها بصدمة.

“إنتِ بتقولي إيه يا هالة؟ ده بيتنا اللي تعبنا فيه سنين!”

ردت وهي بتعيط:

“عارفة يا محمود، وأنا مش بتنازل عنه عشان حد ضغط عليا. أنا بس مش عايزة أعيش في بيت كل يوم أبقى خايفة فيه إن حد زعلان مني.”

في اللحظة دي، حسيت بالخجل لأول مرة بجد.

هالة، اللي أنا حاولت أكرهها في بيتها، كانت مستعدة تأجل فرحتها عشان ما تكسرش قلبي.

وأنا، اللي كنت بقول إني مظلومة، كنت السبب في كل الوجع ده.

لكن المصيبة الحقيقية كانت لسه ما حصلتش.

لأن محمود، بعد ما سمع كلام هالة، طلب مننا كلنا نقعد في الصالة، وقال إنه فيه موضوع لازم يتقال قبل ما حد ياخد أي قرار.

قعدنا، وهو طلع ورقة مطوية من جيبه.

قال:

“أنا وإيهاب اتفقنا من أول يوم إن الشقة دي تتبني مناصفة بينا، وده حق ثابت لينا إحنا الاتنين. لكن من أسبوع، وأنا بمراجع الحسابات بتاعة الشغل، اكتشفت إن فيه مبلغ كبير ناقص من حساب الشركة.”

إيهاب رفع راسه بسرعة.

“مبلغ إيه؟”

محمود حط الورقة على الترابيزة وقال:

“المبلغ ده كان المفروض يتدفع للمورد اللي جاب لنا البضاعة الأخيرة. وأنا كنت فاكر إن إيهاب سدده، وإيهاب كان فاكر إني أنا اللي سددته. ولما راجعنا الإيصالات، اكتشفنا إن الفلوس خرجت من الحساب، لكن مفيش إيصال استلام.”

حسيت إن الموضوع مالوش علاقة بيا، وكنت مستعدة أقوم وأدخل أوضتي، لكن محمود بص ناحيتي وقال:

“المشكلة إن آخر مرة الفلوس اتعدت، كانت في يوم كنتِ إنتِ موجودة فيه في المكتب.”

إيهاب قام من مكانه.

“محمود! إنت بتقول إيه؟”

محمود رد بسرعة:

“أنا مش باتهمها. أنا بقول إن لازم نراجع كل حاجة، لأن الموضوع أكبر من خلاف على شقة.”

كنت حاسة إن الدنيا بتلف بيا.

أنا فعلًا كنت دخلت مكتبهم قبل كده، لكن كنت دخلت أجيب لإيهاب الأكل، وما لمستش أي فلوس.

صرخت:

“أنا مالي بالفلوس؟! أنا ما خدتش حاجة!”

محمود قال:

“أنا ما قلتش إنك خدتِ حاجة، لكن لازم نعرف الفلوس راحت فين.”

إيهاب بصلي، ولأول مرة في حياتي شفت في عينيه خوف حقيقي، مش خوف عليا، لكن خوف من إنه يصدق حاجة مش قادر يستوعبها.

قلت له وأنا بعيط:

“إنت كمان شاكك فيا؟”

رد بسرعة:

“أنا مش عارف أشك في مين يا نادية، ولا عارف أفهم اللي بيحصل.”

وبعدين خرج محمود من البيت عشان يتابع موضوع الحسابات، وإيهاب نزل وراه.

حماتي فضلت واقفة مكانها، وهالة كانت قاعدة ساكتة، وأنا دخلت شقتي وقفلت الباب.

ما كنتش عارفة إن الفلوس الناقصة هتفتح بابًا لمشكلة أكبر، وإن اللي حصل بيني وبين هالة هيبقى أصغر جزء في الحكاية كلها.

تاني يوم الصبح…

صحيت على صوت تليفون إيهاب وهو بيرن بعنف.

كان واقف في الصالة، بيتكلم بصوت واطي، وكل شوية يقول:

“إزاي؟ إمتى الكلام ده حصل؟”

وبعدين سكت فترة طويلة.

لما قفل، لقيته واقف مش بيتحرك.

سألته:

“فيه إيه؟”

بصلي وقال:

“المورد بيقول إنه ما استلمش الفلوس، وإنه مستعد يروح القسم لو ماخدش حقه.”

حطيت إيدي على بطني من الخوف.

“طب والفلوس راحت فين؟”

إيهاب قعد على الكرسي وحط إيده على راسه.

“مش عارف. أنا راجعت حساباتي، ومحمود راجع حساباته، وكل واحد فينا متأكد إنه دفع اللي عليه.”

وبعدين رفع عينه ليا وقال:

“نادية، أنا محتاجك تفتكري كويس. يوم ما جيتي المكتب بالأكل، شوفتي حد دخل أو خرج؟”

حاولت أفتكر.

كنت دخلت المكتب، وحطيت الأكل على الترابيزة، ولقيت إيهاب بيتكلم في التليفون. بعد شوية، خرجت عشان أجيب له مية، ولما رجعت كان فيه واحد واقف عند الباب، لكنه مشي بسرعة.

افتكرت إنه كان عامل توصيل، وما اهتمتش.

قلت لإيهاب:

“أنا فاكرة إن فيه راجل كان واقف عند الباب، بس ما أعرفش هو مين.”

إيهاب انتفض.

“راجل مين؟”

قلت:

“مش عارفة، أنا ما شفتش وشه كويس.”

فضل يسألني عن شكله ولبسه، وأنا أحاول أفتكر أي تفصيلة.

وبعدين فجأة، افتكرت حاجة.

كان الراجل شايل ظرف بني، ولما خرج، خبط في الترابيزة، ووقع منه كارت صغير.

أنا وقتها شيلت الكارت وحطيته على المكتب، وبعدها نسيت الموضوع تمامًا.

قلت لإيهاب، وقام يدور في المكتب على الكارت.

لكن الكارت ما كانش موجود.

فضلنا ندور، وقلبنا الأدراج، وفتشنا تحت الملفات، لحد ما إيهاب وقف فجأة وقال:

“أنا فاكر.”

بصيت له.

قال:

“الراجل ده كان مندوب شركة التوريدات. جه قبل كده كذا مرة، وكان بيتعامل مع محمود.”

قلبي بدأ يدق.

“يعني هو اللي خد الفلوس؟”

إيهاب هز راسه.

“مش عارف. لازم نعرف الأول هو كان جاي يعمل إيه.”

اتصل بمحمود، وحكاله اللي افتكره، وبعدها اتفقوا يراجعوا تسجيلات كاميرات المخزن والمكتب.

لكن قبل ما يخرج، وقف قدامي وقال:

“نادية، أنا عارف إنك غلطتي في موضوع هالة، وعارف إنك كنتِ زعلانة. بس أنا محتاجك تكوني صريحة معايا في أي حاجة تعرفيها، مهما كانت صغيرة.”

كنت هقول له إني مش عارفة حاجة، لكن لساني اتعقد.

لأني افتكرت إني، في نفس اليوم، كنت اتكلمت مع الراجل ده فعلًا.

كان واقف قدام المكتب، وسألني إذا كان إيهاب موجود، وأنا قلت له إنه جوه.

ما كانش فيه أي حاجة غريبة في الكلام، لكني خفت أقول لإيهاب، فيفهم إن لي علاقة بالمشكلة.

فضلت ساكتة.

وهو خرج.

وكان سكوتي ده بداية مصيبة جديدة.

بعد الضهر…

محمود رجع البيت ومعاه إيهاب، وكانوا الاتنين متوترين بشكل ما شفتوش قبل كده.

محمود دخل الصالة وقال:

“لقينا حاجة في الكاميرات.”

حماتي قامت من مكانها.

“خير يا ابني؟”

محمود رد:

“المندوب دخل المكتب يومها، وخرج بعد أقل من عشر دقايق. لكن المشكلة إن التسجيل بيبين إنه دخل ومعاه ظرف، وخرج من غيره.”

إيهاب قال:

“وده معناه إيه؟”

محمود حط إيده على جبينه.

“معناه إننا لازم نعرف الظرف كان فيه إيه، ومين استلمه.”

في اللحظة دي، حسيت إن رجلي مش شايلاني.

لأنني افتكرت إن الراجل، قبل ما يمشي، كان سألني سؤال غريب.

قال لي: “الأستاذ إيهاب موجود؟ عندي ورق محتاج توقيعه.”

وأنا رديت عليه: “هو مشغول، سيب الورق وأنا هديهوله.”

لكنه رفض، وقال إنه لازم يقابله بنفسه.

وبعدها دخل المكتب.

هل كان الظرف فيه فلوس؟ هل كان فيه أوراق؟ هل أنا من غير ما أقصد سهلت له الدخول؟

كل الأسئلة دي فضلت تدور في دماغي، وأنا مش قادرة أقول كلمة.

لكن هالة، اللي كانت قاعدة في آخر الصالة، لاحظت ارتباكي.

قربت مني بهدوء وهمست:

“نادية، إنتِ تعرفي حاجة؟”

هزيت راسي بسرعة.

“لأ.”

بصتلي في عيني، وقالت:

“أنا مش عايزة أظلمك، بس لو فيه حاجة، لازم تقوليها قبل ما الموضوع يكبر.”

كنت هنهار وأحكيلها كل حاجة، لكن في اللحظة دي رن تليفون محمود.

رد، وفضل يسمع من غير ما يتكلم.

وبعدين وشه اتغير تمامًا.

قال بصوت مبحوح:

“إنت متأكد من الكلام ده؟”

سكت لحظة، وبعدها قال:

“طيب، أنا جاي حالًا.”

قفل التليفون، وبص لإيهاب.

“المورد بعت لنا صورة من إيصال استلام، وعليه توقيع باسمك.”

إيهاب اتجمد.

“توقيعي أنا؟ مستحيل!”

محمود مد إيده بالورقة.

إيهاب مسكها، وبص عليها، وبعد ثواني قال:

“ده مش توقيعي.”

حماتي بدأت تبكي.

“يا ساتر يا رب، يعني فيه حد بيزور؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى