
لقيت البيت هادي بشكل نادر، ودي كانت أول مرة أحس إن الفرصة جت لحد عندي.
دخلت شقتي، وفتحت درج الكومودينو، وطلعت ورقة صغيرة كنت كاتبة عليها رقم تليفون واحد من الصنايعية اللي اشتغلوا في الشقة الجديدة.
كنت أعرفه بالاسم، وكنت شفته أكتر من مرة وهو بيصلح حاجات في البيت.
اتصلت بيه، ولما رد، قلت له إني محتاجة أسأله عن حاجة تخص الشقة.
استغرب وقال:
“شقة الأستاذ محمود؟”
قلت بسرعة:
“أيوه، بس أنا مش عايزة حد يعرف إني كلمتك.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“خير يا مدام؟”
بدأت أتكلم بطريقة توحي إني خايفة على هالة والعيال، وإن فيه كلام سمعته عن مشكلة في الشقة، وإنها ممكن تكون مش آمنة للسكن قبل ما يتأكدوا من كل حاجة.
ما قلتش له تفاصيل واضحة، لكني كنت بحاول أزرع الشك في دماغه، وأخليه هو اللي يفتح الموضوع مع محمود.
لكنه رد عليا بجدية:
“يا مدام نادية، لو فيه حاجة في الشقة، أنا أقول للأستاذ محمود مباشرة. إنما الكلام اللي من غير دليل ده ممكن يعمل مشكلة بينكم.”
اتوترت، وحاولت أضحك:
“أنا بس بسأل من خوفي على العيال.”
قال:
“ربنا يحفظهم، بس الأحسن أي ملاحظة تتقال بصراحة.”
وقفل المكالمة.
فضلت باصة للموبايل وأنا متضايقة، لكن بدل ما أراجع نفسي، قلت إن الخطة محتاجة طريقة أذكى.
في نفس الليلة، رجعت هالة من بره، وكانت شايلة شنط كتير، وبتنادي على عيالها عشان يساعدوها.
دخلت عليها، وحاولت أتكلم معاها بشكل طبيعي.
قلت:
“إنتِ ناوية تنقلي إمتى بالظبط؟”
ردت وهي بتحط الشنط:
“غالبًا آخر الأسبوع. محمود عايز يخلص شوية حاجات في المطبخ الأول، وبعدها ننقل.”
سألتها:
“وإنتِ متأكدة إن كل حاجة تمام؟”
رفعت راسها وبصتلي.
“يعني إيه؟”
قلت وأنا بتظاهر إني بتكلم عادي:
“أصل الشقة جديدة، ولسه فيها شغل، وأنا سمعت إن الواحد لازم يتأكد من كل حاجة قبل ما يدخل بيت جديد.”
ابتسمت وقالت:
“طبعًا، ومحمود متابع كل حاجة مع الصنايعية. ليه بتسألي؟”
حسيت إنها بدأت تشك في كلامي، فغيرت الموضوع بسرعة.
“ولا حاجة، بسأل وخلاص.”
هالة ما علقتش، لكنها فضلت باصة لي شوية قبل ما ترجع ترتب حاجتها.
وأنا خرجت من عندها وأنا متأكدة إن أول خيط اتزرع.
ما كنتش أعرف إن هالة لاحظت ارتباكي، وإنها بدأت تفتكر كل كلمة قلتها من أول ما اتحدد مين هيسكن في الشقة.
لكنها، بحكم طيبتها، ما فكرتش إن ممكن أكون عايزة أضرها.
كانت فاكرة إني مجرد ست موجوعة من الظروف، وإن الوقت كفيل إنه يهديني.
صباح يوم الخميس…
صحيت بدري، وكنت سامعة صوت محمود وهو بيتكلم في التليفون مع واحد من العمال.
خرجت من شقتي بحجة إني رايحة أجيب حاجة من المطبخ، ولقيته واقف عند باب البيت، بيقول:
“لأ يا عم سيد، أنا عايزك تراجع كل حاجة بنفسك. مش عايز أستلم الشقة غير وأنا مطمن إن كل حاجة مظبوطة.”
وقفلت المكالمة، ولما شافني، قال:
“صباح الخير يا نادية.”
رديت عليه، وبعدين سألته:
“فيه حاجة حصلت في الشقة؟”
بصلي باستغراب.
“ليه؟”
قلت:
“أصل سمعتك بتقول إنك عايز تراجع كل حاجة.”
ضحك وقال:
“يا ستي دي حاجة طبيعية. أنا داخل بيتي أنا ومراتي وعيالي، لازم أتأكد إن كل حاجة سليمة.”
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
كان عندي إحساس إن الخطة بتاعتي مش ماشية زي ما أنا عايزة، وإن محمود ممكن يكتشف إني حاولت أزرع الشك من غير ما أوصل لأي نتيجة.
فقررت أعمل حاجة تانية.
حاجة كنت شايفاها بسيطة، لكنها كانت أخطر قرار أخدته في حياتي.
في اليوم ده، وأنا بساعد حماتي في ترتيب بعض الحاجات، عرفت إن هالة محتفظة بملف فيه أوراق مهمة تخص الشقة، من بينها إيصالات دفع وملاحظات اتفق عليها محمود مع الصنايعية.
الملف كان موجود في دولاب صغير في شقتها.
ما كنتش ناوية أسرق حاجة، ولا كنت عايزة أضيع حق حد، على الأقل ده اللي كنت بقوله لنفسي.
كنت بس عايزة أخبي ورقة أو ورقتين، وأخلي محمود يفتكر إن فيه مشكلة في الحسابات أو إن حد لعب في الأوراق.
وكنت متخيلة إنهم هيتخانقوا شوية، وإن هالة هتزهق من التوتر، ويمكن تقول إنها مش عايزة تنقل دلوقتي.
لكن أول ما دخلت شقة هالة، لقيت الباب مفتوح، وهي واقفة في البلكونة بتكلم أختها.
قلبي اتقبض، وحاولت أرجع، لكنها سمعت صوتي.
“مين؟”
قلت بسرعة:
“أنا يا هالة، كنت جاية أشوف لو محتاجة مساعدة.”
ابتسمت وقالت:
“تعالي يا نادية، أنا في البلكونة.”
دخلت، وفضلت أتكلم معاها شوية، وأنا ببص ناحية الدولاب كل لحظة.
وبعدين سمعت صوت واحدة من الجارات بتنادي على هالة من تحت.
هالة قالتلي:
“استنيني دقيقة، هنزل أجيب منها حاجة وراجعة.”
أول ما خرجت، حسيت إن الفرصة رجعت تاني.
قربت من الدولاب، وفتحت الدرج اللي كنت شفته قبل كده، لكن الملف ما كانش موجود.
بدأت أفتش بعيني في المكان، وكنت متوترة لدرجة إني ما سمعتش صوت الباب وهو بيتفتح.
وفجأة سمعت صوت هالة من ورايا:
“نادية؟ إنتِ بتعملي إيه؟”
اتجمدت في مكاني.
لفيت ناحيتها، ولقيتها واقفة عند الباب، وشها متغير، وعينيها ثابتة على إيدي اللي كانت لسه جوه الدرج.
ما عرفتوش أقول إيه.
حاولت أضحك وأقول إني بدور على حاجة وقعت مني، لكنها ما صدقتنيش.
قالت بهدوء غريب:
“الحاجة اللي وقعت منك موجودة في شقتك، ولا إنتِ كنتِ بتدوري على حاجة هنا؟”
حسيت إن الأرض بتضيق بيا.
قلت:
“إنتِ فاهمة غلط.”
ردت:
“أتمنى أكون فاهمة غلط يا نادية.”
وبعدين قربت مني، وفضلت باصة لي في عيني.
“إنتِ زعلانة من موضوع الشقة، وأنا مقدرة ده. بس لو عندك مشكلة، اتكلمي معايا. إنما تدخلي شقتي وتفتشي في حاجتي، دي حاجة تانية خالص.”
حاولت أدافع عن نفسي، وقلت كلام كتير متلخبط، لكن هالة ما دخلتش معايا في جدال.
كل اللي قالته كان:
“اتفضلي يا نادية، وأنا مش هتكلم في الموضوع ده دلوقتي.”
خرجت من عندها وأنا حاسة إن كل حاجة انتهت.
كنت فاكرة إنها هتجري تحكي لمحمود، أو هتصرخ وتعمل مشكلة قدام العيلة، لكن اللي حصل كان أسوأ بالنسبة لي.
هالة سكتت.
وسكوتها خلاني أقعد طول اليوم مستنية اللحظة اللي هتواجهني فيها.
لكن المواجهة ما جتش من هالة…
جت من إيهاب.
رجع من الشغل في آخر النهار، ووشه كان متغير، وأول ما دخل الشقة قال لي:
“إنتِ عملتي إيه؟”
بصيت له وقلبي وقع.
“عملت إيه؟”
قرب مني وقال:
“هالة كلمت محمود، ومحمود كلمني، وبيقول إن فيه تصرفات غريبة حصلت في شقته، وإنه عايز يفهم إيه اللي بيحصل.”
حاولت أتماسك وقلت:
“وأنا مالي؟”
بصلي بغضب.
“نادية، بلاش تلفي وتدوري. هالة قالت إنها لقيتك بتفتشي في درجها.”
صرخت:
“كنت بدور على حاجة وقعت مني!”
إيهاب سكت لحظة، وبعدين قال:
“إنتِ فاكرة إني غبي؟ أنا عارف إنك زعلانة من موضوع الشقة، وعارف إنك شايفة إن من حقنا نروح قبل محمود. لكن ده مش معناه إنك تدخلي في حاجات ما تخصكيش.”
دموعي نزلت، وبدأت أتكلم عن تعبي وحملي والزحمة والضغط اللي عايشة فيه.
قلت له:
“أنا تعبت يا إيهاب! تعبت من إني أصحى كل يوم ألاقي نفسي خدامة للبيت كله، تعبت من إني مش لاقية مكان أقعد فيه لوحدي، تعبت من إن كل حاجة حلوة تروح لغيري وأنا أستنى!”
كان واقف بيسمعني، لكن ملامحه ما اتغيرتش.
قال:
“أنا مش بلومك إنك تعبتي. أنا بلومك إنك بدل ما تتكلمي معايا، قررتي تأذي غيرك.”
وبعدين خرج من الشقة.
سابني لوحدي، وفضلت أبكي لحد ما حسيت بصداع شديد.
كنت مقتنعة إن الموضوع انتهى عند كده، وإن أقصى حاجة هتحصل إن إيهاب يفضل زعلان مني كام يوم.
لكن بعد ساعة تقريبًا، سمعت خبط شديد على الباب.
فتحت، لقيت محمود واقف، ومعاه إيهاب، وحماتي وراهم.
محمود ما كانش بيزعق، وده كان مخوفني أكتر.
دخل الصالة وقال:
“أنا مش جاي أعمل خناقة، ولا جاي أحرج حد. أنا جاي أفهم حاجة واحدة.”
بصلي وقال:
“إنتِ كلمتي الصنايعي سيد؟”
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
إيهاب لف ناحيتي بسرعة.
“كلمتيه في إيه؟”
ما رديتش.
محمود كمل:
“سيد كلمني وقال إنك سألتيه عن الشقة، وإنك لمحتي إن فيه مشكلة وإنك مش عايزة حد يعرف إنك كلمتيه. هو ما حبش يدخل نفسه في خلافات بينكم، فكلمني وقال لي إنه مش مرتاح للكلام اللي اتقال.”
حماتي حطت إيدها على صدرها وقالت:
“يا بنتي! إنتِ وصلتي نفسك لكده ليه؟”
أنا كنت ببكي، لكني لسه بحاول أنكر.
قلت:
“أنا كنت خايفة على العيال، والله ما كان قصدي أعمل حاجة.”
محمود رد بهدوء:
“الخوف على العيال بيخلينا نقول الحقيقة، مش نزرع الشك. ولو عندك أي اعتراض على الشقة، كان ممكن تتكلمي معايا ومع أخوكي.”




